الآن تقرأ
السيد كلوب .. رجل الشغف المفقود

ربما كان التعاقد مع يورجن كلوب هو الخبر الأهم في عام 2015 داخل مدينة ليفربول وكذلك هو السبب الأكثر أهمية في رفع معنويات جماهير فريق كرة القدم في ال25 عاماً الأخيرة.. في ذلك الوقت من العام الماضي كانت المبالغة في الاحتفال تغلب غيرها من جوانب الاهتمام بالألماني رغم تحفظ البعض علي رفع سقف الطموح لانعدام خبرة الرجل نفسه خارج البوندزليجا..

حسناً.. لماذا يفرح اللاعبون بمجرد احتساب ركلة جزاء لفريقهم رغم أنه لم يتم تسجيل هدف بعد وقد تتم إضاعة تلك الركلة ، ولكنه الشغف والطموح يا سادة الذي عبر بهؤلاء من الشك في إحراز الهدف إلي الإيمان بتحقيقه طالما الفرصة قد أصبحت سانحة.. جماهير ليفربول كذلك..

ليفربول خاصمه النجاح طويلاً في العقدين الأخيرين.. فقد الفريق ملهميه واحداً تلو الأخر.. اسم ليفربول نفسه لم يعد موضع ترحيب مثلما كان سابقاً..

مجيء كلوب لقلعة ميلوود هو بمثابة ذاك الأمل الذي انتظره الجميع ليعيد الشغف والاهتمام.. الرجل أتي ليقود ثورة علي الجميع داخل البريميرليج.. أتي ليعيد السطوة المفقودة لصالح الأسماء الكلاسيكية التي صنعت تاريخ الدوري الأقدم والأقوي في العالم في مواجهة الأثرياء الجدد..

مثلما الحال في كل موسم، أحد الأربعة الكبار يعاني من كبوة ما.. هذه المرة فريق الملياردير الروسي يعيش أسوأ أيامه تحت قيادة The Special One ولن يخرج منها قريباً لعدة اعتبارات فنية وتكتيكية.. وبالتالي فهي فرصة ذاك الرجل الألماني الذي سمي نفسه The Normal One عندما حاول أحدهم الزج به لمقارنة مع جوزيه مورينهو..

ترنح تشيلسي وابتعاده المبكر عن المقدمة وضع سيناريو البداية وألقى ليفربول تحت قيادة يورجن كلوب داخل السباق نحو مراكز المقدمة دون ترك فرصة لالتقاط الأنفاس، الألماني وجد نفسه في مواجهة جبال من التحديات في الوهلة الأولى وهو الذي يقود فريقاً لم يختر أي من عناصره وبالكاد يعرف أسماء لاعبيه..

رأي عام..

بعد مرور 13 شهراً على تواجده داخل ميلوود نعود بالذاكرة قليلاً لنجد أن أكثر ما دعم يورجن كلوب في بداياته أنه ليس اختيار إدارة ليفربول وحدها مثلما كان رودجرز أو هو اختيار الجمهور فقط مثلما كان دالجليش وبالقطع هو ليس ذلك الرجل الوقور الذي يجبرك علي معاملته بفتور بالغ مثلما كان هودجسون..

كلوب كان اختيار الجميع من أجل مستقبل ليفربول.. المُلاك الإدارة الأعضاء الجمهور المحبين العشاق وحتي المنافسين أنفسهم.. حالة من الأمنيات بالتوفيق لليفربول في ظاهرها ولكن في باطنها الحسد والغيرة بسبب مدربه الجديد.. حسناً فلنستغل ذلك لإستعادة الهيبة المفقودة؛ كان هذا لسان حال متابعي ليفربول عند النظر ملياً في وجوه المنافسين..

ماذا انتظرنا من كلوب؟

بالتأكيد كانت الرؤية تبدو أكثر وضوحاً من عام 2004 عندما انتدب ليفربول رافائيل بينيتيز أخر مدير فني يمكن وصفه بالكبير جاء للفريق.. العراب الأسباني فاز ببطولتين للدوري الأسباني قبل مجيئه وكذلك فعلها كلوب في ألمانيا مع دورتموند، إذن فهو مدرب كبير أخر يتولي مسئولية الريدز..

بينيتز جاء بعد مفاضلة مع مورينهو وكذلك كلوب بعد تفضيله علي أنشيلوتي وحتي وإن نفي الإيطالي المخضرم ذلك فيما بعد.. الأسباني كان واقعياً وكذلك كان يجب أن يكون الألماني..

بعد انتهاء حالة النشوة المتبادلة فيما بين المشجعين وكلوب، كانت الأغلبية العظمى من المتابعين تتحسس الطريق بواقعية شديدة حتى وإن تركت بصيص من الحلم والأمل يغلف تلك الواقعية كعادة جمهور ليفربول في كل مكان وزمان، ولكن تبقى الحقيقة الثابتة أن أحداً لم ينتظر الكثير خلال الموسم الأول للألماني فارع الطول ابن قرية الغابة السوداء في مقاطعة شتوتجارت..

كان كل ما هو مطلوب أن يجد الفريق الطريق الصحيح والشخصية العظيمة المفتقدة مع أسلافه من أبناء المملكة المتحدة.. هل حدث ذلك فعلاً؟

كلوب عانى كثيراً في انجلترا حتي يتعرف علي كل شيء.. صدمة البداية واختلاف المفاهيم خلقت حالة تُعرف بإسم Culture Shock وحتي يتغلب عليها ذو الجنس الآري سريعاً كان يجب عليه أن يكون واقعياً ومنطقياً لا يتبع أساليبه الخاصة دون محاولة تطويعها داخل المنظومة..

بطبيعة الحال القادة الذين يتمتعون بالشعبية ليست هي سبيلهم الوحيد للنجاح.. كان على كلوب ألا يكون انطوائياً تماماً علي سياساته الكروية الخاصة ولا منفتحاً تماماً أو مندفعاً علي ما سوف تفرضه عليه اللعبة في انجلترا حتي لا يغلبه الحماس ويفقد الكثير وهو لازال يتحسس طريقه..

عند انضمام كلوب كان ليفربول لا يملك الشخصيات الكبيرة القيادية داخل الملعب.. كل ما يملكه هم أشخاص عاديون يحتاجون إلي قائد يمكنه تنشيط وتحفيز وإخراج أفضل ما لديهم.. هل استطاع يورجين كلوب ذلك؟

ماذا حقق كلوب في ظل قناعاته الشخصية؟

تحدث يورجن كلوب يوما ما عن إيمانه الشديد بأهمية التدريب في رفع مستوى الفريق، يقول دوماً أن العبرة دائماً بالجهد المبذول وليس بحجم الأموال المُنفَقَة.. لا يري فائدة من دفع مبلغ يزيد عن القيمة الفعلية للاعبين ولا يعبر عن القيمة المُضافة التي سيقدمها أي منهم للفريق..

حسنا ربما يكون ذلك أمراً طيباً يناسب واحدة من تلك الروايات الرومانسية الخالدة ليتم تسطيره داخلها تحت عنوان أحلام مؤجلة أو غير مكتملة عند مقارنتها بحجم إنفاق المنافسين داخل سوق الانتقالات..

ولكن دائماً يبقى الباب مفتوحاً وكل الاحتمالات واردة لمزج الواقع بالخيال وتحول الأحلام لحقيقة.. بعد معجزة ليستر زادت قناعة الجميع أن جودة العمل واستخدام التكتيك المناسب بإمكانه التغلب على جودة عناصر المنافسين إن نجحت في حرمانهم من التكتيك المناسب لهم لإثبات تفوقهم..

كلوب عندما تولي مهمة فريق ملعب ميلوود في منتصف الموسم الماضي خلفاً للأيرلندي الشمالي المُقال براندان رودجرز لم تكن الفرصة متاحة له لاختيار قائمة لاعبيه وكان عليه أن يستكمل الموسم بما يملك من العناصر والخروج بأقل الخسائر الممكنة..

سارت نتائج ليفربول بشكل جيد في البداية ثم بدأت الأمور في التذبذب بعد اختفاء نشوة البداية وانتهاء الحميمية المتبادلة في تلك العلاقات الجديدة.. ما بين مباريات خاضها الفريق بجودة عالية وأخري في منتهي التواضع كان لزاماً علي الألماني أن يدرك الشكل الأمثل لفريقه الجديد..

وهنا أقول وأكرر.. الشكل الأمثل لفريقه الجديد هو ليس بالضرورة الشكل الأفضل تكتيكياً أو ذاك الذي يريده المدرب لإرضاء قناعاته الفنية ومخيلته التكتيكية..

في مباريات كلوب الأولي داخل انجلترا نجح ليفربول في اكتساح مانشستر سيتي برباعية كاملة داخل ملعب الاتحاد ذاته.. ذلك اليوم حيث كان يورجن مازال يتحسس خطواته الأولي ويخوض كل لقاء بما يقتضيه وعلي حسب مواطن قوة وضعف المنافس..

بقيادة فنية حكي٠ي حسب مجريات سير المباراة..

تحول نوعي كبير حدث في شخصية الألماني مع مرور الوقت ومواجهته لأساليب لعب مختلفة أمام فرق البطولة الإنجليزية.. قرر يورجن كلوب فرض أسلوبه الخاص علي الفريق دون النظر لطبيعة المنافس..

فجأة وبلا مقدمات قرر كلوب استخدام خطة لعب 4-4-2 بدءاً من مباراة أرسنال مع الأيام الأولي من بداية مبارايات الدور الثاني.. نختلف أو نتفق حول مدي جدوي هذه الطريقة أو تلك ولكن يبقي الأهم أن التطبيق يلزمه أدوات.. ولكن فعلياً ليفربول لم يتم بناءه علي يد براندان رودجرز ليلعب بتلك الطريقة..

بمرور الوقت وبحساب النتائج أنهى ليفربول الموسم الماضي في المركز الثامن على جدول ترتيب الدوري المحلي وفي وصافة بطولتي كأس الأندية المحترفة والدوري الأوروبي.. أما عن الموسم الحالي يتصدر الفريق العريق جدول ترتيب البريمييرليج منفرداً بعد انقضاء 11 جولة فيما وصل إلى الدور ربع النهائي في كأس الأندية المحترفة فيما لا يملك أي رصيد من المشاركات الأوروبية حالياً..

عند تقييم تلك التجربة بعد انقضاء فترة كافية على بدايتها يجب النظر إلى عنصرين أساسيين، جودة العمل المُقدّم من أفراد المنظومة، وبطبيعة الحال نتائج ذلك العمل..

جودة العمل المُقدّم داخل الفريق لا يختلف عليه أحد.. ليفربول يقدم أحد أفضل تابلوهات كرة القدم داخل القارة الأوروبية حالياً، قوة كبيرة وتنوع أكثر من رائع في الطاقات الهجومية، معدلات رائعة لصناعة الفرص، تركيبات هجومية متطورة، الضغط العالي علي المنافس من منطقة جزائه بأكبر عدد ممكن قد يصل إلي 9 لاعبين في بعض الأحوال أو ما يعرف باللغة الألمانية Gegenpressing..

انظروا ملياً للإضافة التي يقدمها فيليبي كوتينيو لمنتخب البرازيل، راجعوا مدى إسهام آدم لالانا ودانييل ستوريدچ في ارتفاع النسق الهجومي لمنتخب انجلترا، ساديو ماني كذلك يقود منتخب السنغال في تصفيات المونديال بخطى ثابتة، جوردان هيندرسون متوسط الميدان الأفضل في انجلترا، جيمس ميلنر يتحول من لاعب مجاني إلى صفقة حاسمة للفريق الأحمر..

قبل أشهر قليلة كان أغلب هؤلاء وآخرون ليسوا في حسابات التشكيل الأساسي لمنتخبات بلادهم ولكن مدى تطورهم في ليفربول تحت قيادة كلوب جعل لهم شأنًا أخر..

هي تلك الرحلة التي يخوضها الجميع من الشك للإيمان.. الشك في قدرتك على إحداث الفارق وصناعة معنى وزخم لحياتك إلى الإيمان بقدرتك على خلق الدوافع التي تقودك للتفوق على كل المخاوف التي خلقتها لنفسك وبنفسك..

يورجن كلوب هو قائد تلك الرحلة من الشك في قدرة ليفربول على العودة لمصاف الكبار إلى الإيمان بتلك القوة الخفية التي تسكن جنبات ملعب أنفيلد وتقود الفريق نحو المستقبل..

الخلاصة..

نجاح كلوب في الفوز بالبطولات مع ليفربول غير مضمون ولكنها بالتأكيد تجربة مثيرة وجديرة بالاهتمام.. كلوب لن يسير وحده أبداً.. ولذلك لكي ينجح علي الجميع تدعيمه وإيجاد أفضل الظروف المناسبة له..

via Twitter: @ahmednaguibgad

عن الكاتب
أحمد نجيب