الآن تقرأ
جيرارد وأنا..

توقف الزمن قليلاً في مساء ذلك اليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر 1998 رغم أننا أصبحنا في زمن البث المباشر، الشاب اليافع ستيڤن چورج جيرارد تطأ قدماه أرض الملعب للمرة الأولي ليمثل ليفربول أمام عيني المراهق المصري الذي ما أن رآه حتى شعر بأنه قد عثر علي ضالته، بطله الذي يبحث عنه ليعيد الارتباط المفقود والمتعة الغائبة، الشاب الذي يمثله ليسطر تاريخاً جديداً لجيل بأكمله في كرة القدم..

لحظة من فضلك.. القصة بدأت قبل ذلك بعدة سنوات أو قبل تاريخ اليوم الذي اعتزل فيه جيرارد كرة القدم نهائياً بحوالي 27 عام، فلنعد إلي الوراء قليلاً حتى تكتمل أركان الرواية في مخيلتك بمزيد من التفاصيل..

الطفل ذو السبعة أعوام يجلس بجوار والده في ظهيرة يوم الجمعة 14 نوفمبر 1989 متابعاً بشغف جنون الأب وتشجيعه الحماسي منقطع النظير لمنتخب بلاده الذي يخوض مباراة فاصلة علي التأهل لنهائيات كأس العالم التي ستقام في إيطاليا بعد أشهر قليلة..

انتهت المباراة وفرح الأب فرحة طاغية بتأهل منتخب وطنه للمونديال، وبقي الابن متسائلاً ما هذه اللعبة وما هذا الشغف الجنوني بها؟!!

كرة القدم هي الحياة.. كانت تلك الجملة كافية تماماً من الأب لتنير طريق الابن نحو متابعة معشوقته الأولى وساحرته المستديرة كما دأب المعلقون الذي شكلوا وجدان الطفل على ترديد تلك الاكليشيهات المُبهجة فيما بعد..

بدأ الطفل في البحث عن متابعة مباراته الثانية في الحياة، البحث عن معرفة سر اللعبة ومتعة متابعتها..

منتخب مصر في نهائيات كأس العالم للمرة الأولى منذ 56 عاما وما استتبع ذلك من قرارات سيادية دون أي سند فني أو منطقي بإلغاء بطولة الدوري العام المصري (بمسماها القديم) من أجل التفرغ لاستعدادات المونديال..

ولما كانت أسرة البرامج الرياضية بالتليفزيون المصري غير قابلة للتنازل عن عدد معين من ساعات البث وأصبحت مهددة بذلك لإلغاء البطولة الأكثر شعبية في مصر
جاء القرار التاريخي بإذاعة مباريات الدوري الإنجليزي على التليفزيون المصري يومي السبت والأحد من كل أسبوع في بث متأخر لمباريات قد لُعبت بالفعل في الأسبوع الحالي أو الماضي حتى لا يهم..

وجد الطفل ضالته وحظه السعيد ألقى في طريقه بالبطولة الأقوى على مستوي العالم ليشق بها درب متابعته لكرة القدم..

يناير 1990.. الصراع مشتعل والموسم في منتصفه تماماً حينما بدأ الشغف يأخذ طريقه بازدياد المتابعة، ذاك الفريق ذو الرداء الأحمر الكامل الذي يتصدر البطولة ويقدم كرة قدم من عالم آخر، المدجج بالنجوم الذين لا يعرف الفتى حتى كيف ينطق أسمائهم..

فاز ليفربول ببطولة الدوري الأخيرة حتى يومنا هذا وأقسم الفتي أن يشجع هذا الفريق حتى النهاية؛ لما لا وقد أدرك ماهية كرة القدم بسبب جودة عناصره ورُقي أدائهم، كيف لا يؤازرهم للنهاية وقد كانوا هم سبيله في البداية..

مرت السنوات وعاد التلفزيون المصري لجدول برامجه الرياضية المعتاد، وبطبيعة الحال انقطعت أخبار البطولة الإنجليزية ومعها أخبار ليفربول إلا فيما ندر حينما تقع أنظار الفتى على خبر هنا أو هناك في إحدى الصحف القومية أو البرامج التليفزيونية الإخبارية ليعطي ربما بعض المعلومات الصحيحة أو المغلوطة ولكنها في النهاية كانت كافية بالنسبة له لتروي شغفه..

خارج السياق.. نشرة أخبار الرياضة في تمام السابعة مساءً على راديو بي بي سي كانت هي الأصدق إنباءً في تلك الأيام..

كان الفتي يعرف أنه سيعود يوماً ما ليتابع ليفربول بشكل دائم طالما توفرت له الإمكانيات اللازمة ولن يسمح له شغفه بالبعد عن متعته مرة أخرى..

اختراع الانترنت بدأ في الظهور قبل أن يصل أخيراً للأراضي المصرية في أواخر النصف الثاني من التسعينات ومعه كذلك إحدى الشبكات التليفزيونية الخاصة التي تمتلك حقوق بث مباريات البطولات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط..

حدث بالفعل أن وجد الطفل الذي أصبح مراهقاً ضالته في العودة لمتابعة فريقه المفضل وبجوار والده أيضاً كما بدأ معاً منذ 9 أعوام، الأمر أصبح واقعاً والمتابعة صارت فرضاً من جديد..

موسم 1998-1999 ينطلق وتبدأ المتابعة علي الهواء مباشرة ولكن ليڤربول ليس في أفضل حالاته، لم يصبح من فرق الصفوة وإن ظل محتفظاً ببعض البريق الذي يستمده من أرقامه المحققة على مدار العقدين الماضيين..

الشاب يشعر بالغربة وعدم الرغبة في متابعة هؤلاء اللاعبين الذين لا يعرفهم، هناك حلقة مفقودة بكل تأكيد..

توقف الزمن قليلاً رغم أننا أصبحنا في زمن البث المباشر، الشاب اليافع ستيڤن چورج چيرارد تطأ قدماه أرض الملعب للمرة الأولى في مساء 29 نوفمبر 1998 ليمثل ليڤربول أمام عيني المراهق المصري الذي ما أن رآه حتى شعر بأنه قد عثر على ضالته، بطله الذي يبحث عنه ليعيد الارتباط المفقود والمتعة الغائبة، الشاب الذي يمثله ليسطر تاريخاً جديداً لجيل بأكمله في كرة القدم..

عودة للواقع.. وجدت الحلقة المفقودة، وجدت الرفيق الذي سيمشي معي للنهاية.. لن أمشي وحيداً بعد الآن..

كل من مر بجوار جيرارد ولو على سبيل الصدفة فهو من المحظوظين.. ذلك الفتي الذي أعاد الروح الغائبة والثقة المفقودة للمشجعين قبل اللاعبين، أفرح لفرحه وأحزن لحزنه.. كانت هذه كلماتي لنفسي وأنا أتابع جيرارد علي مدار السنوات السبعة عشر الماضية..

ما بين صرخاته الشهيرة والعديدة في إيفرتون، هدفه في ديبورتيڤو ألاڤيس، صاروخيته في شباك فابيان بارتيز، صاعقته في ويست هام، مستواه الكبير في مواجهات أرسنال، تاريخيته في أولمبياكوس، عودته أمام ميلان، وحتى سقطته الكبيرة أمام تشيلسي مروراً بالعروض المرفوضة من مدريد ولندن ومانشستر، هو اختار أن يبقي هنا وأنا اخترت أن أضعه في مصاف الأساطير..

فيما رفض لقب الدوري الانجليزي أن ينتسب ويتزين بإسم ستيفن جيرارد ولو لمرة واحدة على مدار 17 عاماً، فازت الكأس ذات الأذنين بذلك الشرف في عام 2005 عندما قرر جيرارد منحها أعظم ليالي نهائياتها على الإطلاق فيما عُرف بإسم معجزة اسطنبول..

أنحني فخراً أمام كل لحظات رحلتنا سوياً، لمَ لا ونحن أبناء نفس الجيل كلانا ارتبط اسمه بليفربول منذ الصغر.. عندما أقسمت بأن أشجع ليڤربول حتى النهاية وألا اتركه يسير وحده أبداً كان هناك على الجانب الأخر من العالم ستيفن جورج جيرارد يفعل الشيء نفسه..

وداعاً يا صديقي.. وداعاً يا من أعطى كرة القدم كل شيء وأعطته تلك اللعينة ظهرها كلما احتاجها..

Follow: @ahmednaguibgad

عن الكاتب
أحمد نجيب