الآن تقرأ
العتيق

عروق خضراء غابت عنها الزرقة بشكل تدريجي ، لم تغيرها بقع النمش المنتشرة بين الرسغ وحتى بين أصابع اليد ، والتي تحتضن وجها قرر أن يغطس بين الكفين قليلاً ، وجه يعرف بقع نمش أكثر وضوحاً بسبب السنوات ال67 لصاحبها ، الوجه مازال يتداخل معه شعر أبيض مازل يحتفظ بنفس الكثافة النسبية التي كان يمكن رؤيتها من الصف التاسع في البيثينتي كالديرون ، حتى وإن كان قد تم التخلي عن السوالف نهائياً ،  فأن الشعيرات التي لم تغادر الخدين ، الأذنين ، تنتمي لشخص لم يهتم بنفسه لبضعة أشهر، نفس عميق يتلوه زفير له رائحة مارلبورو بنية اللون تم استهلاكها قبل خمس دقائق من المؤتمر الصحفي ، يخالطها نفس الرائحة من تنويعات مختلفة بين أصابع اليدين على مدار السنوات الخمسين الأخيرة ، الوجه القابع بين الكفين يأخذ فسحة من الوقت في محاولة للراحة قليلاً ، في المنتصف بين سؤالين سخيفين من الوفد الصحفي المصري ، فيهما عدم اكتراث يتسق مع طبيعة الرحلة ، رغم الخسارة بهدفين من المنتخب الذي يدربه الرجل صاحب المارلبورو الطاغية حتى على سترته الرياضية الكلاسكية.

دفن ذلك العجوز لوجهه بين كفيه يزيد من التوتر الذي يصاحب مشاطرته نفس المائدة ، كانت رائحة تيري هنري موجودة في كل مكان ، في الخلفية ، وكأنها تصاحبه على مدار الأشهر الـ18 السابقة، محاولاً تجاوز كراهيته الشديدة للمؤتمرات الصحفية، والميكروفونات التي سجلت تعليماته لخوسيه انطونيو رييس ، التعليمات التي قدمت تفسيرات جاهزة بالنسبة للوسط الصحفي الأوروبي للصيحات التي تم إطلاقها ضد اللاعبين الإنجليز السود في نوفمبر 2004، لقد تقبل لويس دور الجد الذي تحب أن تكرهه العائلة ، الجد الذي بدأت من عنده كل المصائب ، وجوه عدم الاقتناع به مع كل مباراة للمنتخب تحت قيادته ، حتى بعد الفوز ودياً على مصر في تلك الأمسية من يونيو 2006.

لويس ظل صامتاً وكانه يحاول العزلة لبضعة ثواني قبل إكمال المؤتمر ، لم يكن مرهقاً أكثر منه محبطاً ، نفس إحباط التجربة الأولى معه قبل 20 عاماً بالتمام، كمدرب بدا عتيقاً ، عاجزاً ، بأفكار بالية قاد بها أتليتكو مدريد أمام “سيستم “لوبانوفسكي في ليون 86 ، ريما كضحية لأفضل عرض جماعي من فريق أوروبي للأندية في أي نهائي أوروبي ، سقوط أكثر صخباً من السقوط أمام “سيستم” ارنست هابل في 78 ، لويس أصبح مرادفاً للمدرب اللاتيني المنتمي لأفكار بالية ، الموجود في السوق طلباً للرزق ، دون أن يكمل حتى مرحلة ما قبل الموسم ، أن يكون “كوبري” للبارسا بين فينابلز وكرويف ، ذلك المدرب الذي يتم إرشاده للشارع بعد الخسارة في ثلاث مباريات متتالية ، مجرد أسطورة عتيقة مقربة من ستينات عصابة بيسينتي كالديرون ، القادم لإنقاذ أتليتكو من فترة لأخرى في حالات الأزمة ، حتى لو كان قطاعاً كبيراً من الجيل الحالي لمشجعي أتليتكو قد أعلنوا ارتباطهم بالفريق من تلك التشكيلة التي جمعها لويس للفوز بكأس الملك 92 على حساب الريال شخصياً.

غير جذاب، مندفع، سليط اللسان، عالي الصوت، سريع الانفعال، لديه ضحكة تبدو مختلطة دوماً بحشرجة قادمة من الصدر بفعل السيجارة الأخيرة، كلها أسباب قد تجعل من المؤتمر الصحفي وتلك المنضدة قنبلة موقوتة، خوف متكرر من أن تلقى جملة “هنري الأسود التافه” في وجهه، شعور بالذنب يجب أن يتقبله، مماثل لترك شفارتنسبيك للتسجيل في الدقيقة الأخيرة في نهائي أوروبا 74 ، حتى لو لم يكن مكلفاً في الأساس بمراقبة مدافع البايرن المندفع من الخلف ، شعور بالذنب أنه فكر للحظة أن بإمكانه مزاحمة ديستافنو كمهاجم لدي قدومه الريال كلاعب ناشيء في نهاية الخمسينات ، وكأنه أصبح مكتوباً عليه أن يكون دوماً منتمياً في عين الجميع للخمسنيات ، شكلاً وموضوعاً ، “بلا فكرة” كما تم نعته خلال مشوار التأهل لمونديال 2006 عن طريق الملحق ، في نفس البسينتي كالديرون الذي عرفت أرضيته تدخينه كل أنواع السجائر المعروفة في السوق طيلة أكثر من ثلاثين عاماً ، آخرها قبل ثلاثة أعوام فقط من ذلك المونديال.

المدرب الجالس على المنضدة الآن كقائد لواحد من أكثر فرق أوروبا موهبة كان قبل أربعة أعوام فقط مجرد مدرب عتيق  في عقده السابع يجول في سراديب القسم الثاني ، في محاولة لانتشال فريقه التاريخي من ما يعرف ب”سنوات الجحيم” ، في نفس العام الذي كان فيه ديل بوسكي يحصد بطولته الأوروبية الثانية ، خوسيه أنطونيو كاماتشو مديراً فنياً للمنتخب ،  فعلياً بدا أمر إسناده تدريب المنتخب في 2004 تكريماً كارثياً ، بالنسبة لجمهور أضحى مقتنعاً بأن المنتخب ليس إلا مجموعة من الخاسرين يقوده أعتق مدرب يمكن تصوره ، حتى قبل السقوط في هانوفر أمام انتفاضة فرنسا زيدان في 2006 كان لويس هدفاً مفضلاً لبرامج الباباراتسي  ، وماركات الصحافة الرياضية الأشهر ، كان استفزازه ضماناً لتدفق العناوين الجذابة ، على نفس النحو الذي هدد فيه روماريو عندما كان الاثنان في فالنسيا منتصف التسعينات ، أو بعدها ببضعة سنوات مدرباً لمايوركا ، عندما كاد أن يخلع قميص لاعب كاميروني شاب في مايوركا باسم صامويل إيتو.

لويس كان فقرة كوميدية ، جدا عجوزا يثير كلامه الضحك على مائدة العشاء ، قابعاً في منزله محاولاً كبح جماح غضبه من استفزازات البابارتسي عقب عودته من إيسلندا في تصفيات يورو 2008 ، جو سحابي قاتم يليق بفريق ممزق بعد الخسارة من إيرلندا الشمالية ، في معجزة ديفيد هيلي الشهيرة، منتخب بدون صبيه المفضل راؤول المفضل ، في استبعاد أعطى مبرراً لأن ينعته رجل الشارع العادي بالجد الذي أصابه الخرف ، ليس كمدرب رأي شيئاً مختلفاً في تلك المباراة أمام أوكرانيا في المونديال ، أو كرجل أدرك أنه في مرحلة خاصة جداً تتطلب منه مراقبة بارسا ريكارد ، أشبيلية خواكين كاباروس ، وفياريال بيلليجرني ، مطاريد فالنسيا ، كل رواسب “مخرف آخر” مثل إينياكي سايث في فرق الشباب ، لا يتعلق الأمر فقط بالأسماء المتوقعة ، ولكن بماركوس سينا ، دافيد ألبيلدا ، سيرخيو جارسيا ، جويثا ، دافيد سيلفا ، الجناح الإسباني في ليفربول، حتى تلك الومضات المتقطعة لخيتافي ، لويس نفسه كان جزءاً من هذا التغيير مع عامه السبعين.

في ذلك البار في وسط المدينة تجد أن الصراخ العالي والحوارات اليومية التافهة قد هدأ إيقاعها نسبياً في مباراة لاتفيا في تصفيات يورو 2008 في أوبييدو، الصمت الكامل كان هو الطاغي في حانة إيرلندية أخرى بعدها بشهر أمام الدانمارك، واحدة من المباريات التي أدرك فيها المدرب واللاعبون وجماهير الشوارع الداخلية في أوروبا أن هناك شيئاً مختلفاً يحدث لفريق كرة ما ، الأمر لا يتعلق فعلياً بالنتيجة ، ولكن بفكرة عن اللعبة يمكن أن ينسجم معها لاعبون مثل كارلوس مارتشينا ، راؤول تامودو أو رييرا ، الفريق الذي تعادل قبل شهر واحد فقط مع إيسلندا في آخر خمس دقائق لم يكن سوى منتخب كرة كان قريباً من الإجابة على سؤال أخفق في إجابته مجموعة من أهم أجيال كرة الأوروبية  ، خططياً وذهنياً ، جزء من الإجابات التي عثر عليها جوارديولا بعدها بعام واحد فقط في خيخون برفقة البارسا ، إنه فقط جزء من الحلقة.

في ركن معزول من المسرح الذي تمت إقامته في ميدان كولون احتفالاً بقلب 2008 كان لويس يوزع ابتساماته في ساعاته الأخيرة كمدير فني للمنتخب ، دون أن يفارقه شعور المرارة رافضاً الحديث أو الاحتفال بشكل علني مع الجماهير ، مرارة  اعتباره الدمية المفضلة في برنامج “لوس جينيوليس” الفكاهي ،  كجد عجوز يرمي غضبه على الجميع ، بنفس لغة جيل عتيق لا يجد متعة في انتقاء الكلمات التي يمكن أن يتحدث بها عن لاعب فرنسي ، في نفس الوقت الذي يقاتل فيه من أجل ضم لاعب برازيلي مثل سينا أو أرجنتيني مثل بيرنيا بأي ثمن للمنتخب.

لويس أخرج وجهه من كفيه استعداداً لإكمال المؤتمر وهو متوجس قليلاً من أن يتم فيه فتح موضوع هنري مجدداً ، بضعة دقائق وكان يتبادل الضحكات مع الجميع ، حتى لو كانوا غير مكترثين بتأكيده بأن الفريق المصري هو أفضل فريق أفريقي شاهده من وقت طويل ، إجابات تفصيلية بأنه تابع مسيرته بشكل فضولي منذ فترة محسن صالح في 2004 ومروراً بتارديلي ، حتى ذلك اليوم في إيلتشي 2006 ، متوقعاً بأن يكون فريقاً مثيراً للقلق خلال السنوات التالية ، بدا وكأنه أكثر ارتياحاً برفقة من يتعاملون معه كمخرف أو دمية ، كأنه في الثامنة والأربعين قبل ليلته الأوروبية الأهم آنذاك أمام دينامو لوبانوفسكي ، متفائلاً رغم عدم يقينه من ذلك ، نفس التفاؤل الذي شعر به عقب الفوز على الريال برباعية في ديربي عام 77 ، الفوز قبل الأخير بالليجا لأتليتكو.

كان الأمر هادئاً أمام مستشفى ثيمترو ذي اللون الأخضر المميز ، في مواجهة الجليد الذي بدأ يكسو المرتفعات المقابلة ، ضوء شمس بسيط كسر الغيوم المؤقتة ، يعطي بعض المساعدة للكاميرات الست التي قبعت أمام المستشفى في انتظار التصريح الرسمي لمدير المستشفى بتقرير وفاة لويس أراجونيس ، وحدها سيارة تاكسي تستقر قرب الباب الرئيسي تهدد ذلك الهدوء  ، قائدها في حالة ملل ، يستمع ل House of Rising Sun  في نسخة  The animals الشهيرة ، القادمة من مذياعه على تردد محطة أغاني شهيرة ، السائق يلاحظ خروج رجل يكسوه شعر أبيض كثيف من الرأس حتى الذراعين والأذنين يستند على جدار الباب الرئيسي ، العجوز يبدو متعباً قليلاً ، ولكنه مازال يتمتع ببعض الحيوية  ، متسللاً من بين الكاميرات بخطوات رشيقة ، مهرولاً تجاه التاكسي في طلب صريح إياه بأن يأخذه سريعاً  بعيداً عن ذلك المكان .

“أنا أشعر بالضجر حتى خصيتي من الهزيمة أمامهم في كل مرة ، وعلى ملعبنا “

*لويس أراجونيس للاعبيه في أتليتكو مدريد قبل مباراة الديربي موسم 91 – 92

 

عن الكاتب
خالد يوسف
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق