الآن تقرأ
زمن مارافيا

يمكن سماع ارتطام الحبال بالساري جيداً ، الهواء يكاد يقتلع العلم الخاص بأحد الشركات العالمية الكبرى التي تستقر في الشارع الرئيسي ، ليست رفرفة بأي حال ، ولكنه يصدر صوتاً ينافس صوت تلك الأمطار الموسمية التي تداهم ريو دي جانيرو في ذلك الأسبوع الأخير من يونيو ، كل شيء يبدو مزعجاً للرجل العجوز الذي تداهمه أصوات رفرفة العلم المزعجة ، جالساً بملابسه الداخلية على كرسيه الجلدي المفضل في منزله، زجاجة بيرة في يده اليمني ومسدسه الأسود المفضل في اليد اليسرى، في غرفة مظلمة لا ينيرها سوى شاشة تلفاز اشتراها العجوز من السوق المحلي للأدوات المستعملة، كل شيء بدا مزعجاً له، كل ما بدا له في نشرة الأخبار، خبر قصير عن مرض الجنرال المتقاعد إيمليو ميديسي،  حوار مع هيكتور بابينكو بخصوص فيلمه “قبلة المرأة العنكبوت” بالسمعة الكبيرة التي حققها خارج بلد يعرف أول عام له “صورياً” دون جنرالات ، حوار آخر به نبرة من التفاؤل مع جيلبرتو جيل، سقراط يرفع يده فرحاً بعد التسجيل في باراجواي، دون أن يعير اهتماماً لفكرة قرار عودته للبرازيل بعد عام واحد في منفاه الإختياري في إيطاليا، رينالدو يترك أتليتكو مينيرو نادي عمره مطروداً ، ، إيرتون سينا يترك سباق فرنسا الدولي وسط إحباط شعبي غير مفهوم لأهل الفورميلا وان ، فاض الكيل بخبر أخير عن انتقال دادا مارافيا إلى نادي ناسيونال المغمور ، في سن التاسعة والثلاثين ، مارافيا لا يزال على قيد الحياة.

جواو سالدينيا لم يحكِ لأحد عن الليلة التي انكسر فيها وحيداً بمنزله في الليلة التي انتصف فيها عام 1985 تماماً ، بمجرد انقطاع التيار الكهربائي عقب خبر مارافيا قام بإنارة منزله بإشعال كل صفحات الجرائد الرياضية التي عمل بها خلال الثلاثين عاماً السابقة ، واضعاً إياها كشموع داخل فازات ، مستمعاً بالحبر الأسود وهو يتحول إلى رماد ، خاصة التي تخص بصحيفة جلوبو ، حتى لو كانت سوف تتسبب في إشعال شقته التي يعيش بها وحيداً ، العلم الذي يرفرف بالخارج يبدو مطابقاً لتلك الأعلام التي كانت تغطي ملعب مينيرو من 15 عاماً وبضعة أشهر ، تبدو كأنها 15 قرناً ، سالدانيا أجهز على التبغ الخاص به مصلياً الأ يستقبل فريقه هدفاً من ذلك المدعو دادا مارافيا ، مهاجم فارع الطول في الثالثة والعشرين من عمره آنذاك ، لم يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يسجل لفريقه محققاً كابوس سالدينيا الخاص.

سالدينيا أدرك بعد نهاية تلك المباراة أنه ينتمي رسمياً لعصر بائد ، ابن الخمسينات الذي صنع مجداً عابراً لبوتافوجو في نهاية الخمسينات برفقة عصابة زاجالو آنذاك ، لم تعد بضاعته تصلح للعهد الجديد ، سالدينيا صحفي الستينات المفضل للطبقات الشعبية أضحى مديراً فنياً للمنتخب  في خطوة غير مسبوقة ، يخسر مباراته الأولى لعام 1969 أمام أتليتكو منيرو على وجه التحديد ، بعد شهر واحد  من قدوم العهد الجديد لإيميليو ميديسي ، الحلقة الثانية ، الجنرال التالي من المسلسل الذي تعيشه البرازيل من 64 ، بعد الخسارة من أتليتكو مينيرو كان سالدينيا يعلم أن عليه تمزيق بطاقة عضويته القديمة بالحزب الشيوعي البرازيلي ، وأن يستعد لمعركته الجديدة وسط شائعات برغبة ميديسي برؤية مهاجمه المفضل دادا مارافيا أساسياً بالمنتخب في مونديال المكسيك 70 ، ميديسي كان معجباً بالنجوم التي تلمع في ليلة قبل أن تنطفئ ، هكذا كان حال مارافيا، موضة سحرت ميديسي، قطعته المفضلة في أهم حملة دعاية كحاكم فعلي للبلاد خلال 1970.

المنتخب كان قاطرة ميديسي الرئيسية لتدعيم شعبية موجودة فعلياً على الأرض للرجل الذي سيجلب الاستقرار للبرازيل، وسالدينيا كان ربما العقبة الأخيرة، كل شيء كان يمثله ذلك المنتخب لا يتسق كثيراً مع أفكار زعيمها الجديد عن البرازيل، كل شيء في معسكرات سالدينيا في 69 كان مختلفاً عما كان خارجه، بالنسبة للمدرب النحيف سليط اللسان صاحب النزعة الشعبوية كان المنتخب هو الشيء الوحيد الذي يشعر معه البرازيليون بأنهم “طبيعيون”، الشيء الوحيد الذي لم يتم خطفه منهم ، المنتخب الذي كان يحضره سالدينيا للمكسيك كان عفوياً، طفولياً إلى حد كبير، يمكن أن يصبح الوجبة الوحيدة القابلة للهضم في مجتمع لم يكن يريد فعلياً أن يعلم شيئاً عن أي عمليات خطف أو منع أو معجزات اقتصادية في السبعينات أو اتفاقات تعاون أمريكية جديدة، بالنسبة لميديسي كان أكبر بوستر يمكن أن يضع عليه اسمه في أطول بناية في ساو باولو، ولا مانع من أن يسهم بوضع لمسته الخاصة باختيار بعض اللاعبين.

بجانب التعذيب وحملات الاعتقال والرقابة كان سالدينيا يعلم أنه أتفه ما في تلك الحلقة، كل ما كان يثير قلقه أن بعد نحو خمس سنوات من حكم الجنرالات أضحى كل شيء “ماسخاً بلا ملامح” ، أعراض يمكن أن تعصف بتحفته الأخيرة التي يحضرها للمونديال ، تحفة يمكنها أن تستوعب فتى متفجرا في الـ19 من عمره مثل كلودو آلدو ، ولكن من الصعب أن تحوي مارافيا.

حملة شعواء من أسطول جلوبو ، وضغوط من إداري يقدم القرابين على كل الموائد مثل جواو هافيلانج (رئيساً للاتحاد البرازيلي آنذاك) ،  وخسارة ودياً أمام الأرجنتين بلا معنى ، ثلاث خطوات كانت كفيلة بالإجهاز على سالدينيا كـ”كادوه” لميديسي ، ببساطة تم حرمان مدرب من مرافقة ما يعتقد أنه أفضل منتخب كرة على مر العصور ، سالدينيا تابع “منتخبه” في المكسيك من وراء ميكروفون إذاعي بصفته أحد معلقي البطولة لا أكثر ، فيما واصل “التلميذ” زجالو المهمة قابلاً بخوض الرقصة مع الجنرال، وذلك بضم مارافيا ، ولكن دون أن يلعب دقيقة واحدة في البطولة، متيحاً الفرصة لتوستاو ، ومعه شاب مغمور، ربما هو أفضل من شغلوا الجناح الأيسر على الإطلاق بإسم ريفيلينو ، زجالو دون قصد وبشكل تلقائي رسم شكل العلاقة الزائفة بين البرازيليين وسلطتهم للسنوات الـ15 التالية، هذا إذا أردت “أكل العيش”.

سالدينيا مازال يحتفظ بكل القصاصات التي تم توزيعها بعد الفوز بكأس 1970 من قبل السلطات اليمينية خلال سنوات ميديسي المتبقية حتى تنحيه عام 1974 ، “البرازيل..أحبها أو أتركها” ، “لا أحد يمكن إيقاف هذا البلد” ، “إلى الأمام يا بلادنا” ، الفريق الذي لعب كما كان يغني على البيانو في معسكرات 1969 أصبح الماركة الوحيدة القابلة للتسويق لسنوات لم تعرف سوى بعض المشاريع الديناصورية ، الإسهام في إسقاط أي وجود لقوى يسارية متبقية في القارة ، مزيد من التعاون الأمريكي ، طفرة معمارية لم تكن تهدف إلا لحشر غير القادرين معاً في جيتوهات تدور في الساقية الخاصة بها ، في مجتمع يعيش أزمة طبقية تبدو أبدية.

كان سالدينيا شاهداً صامتاً على التناقض الشديد بين صرعة بناء الاستادات التي دعمتها سلطة ميديسي ومن بعده إيرنستو جيزيل ، وبين كون هذه الاستادات المكان الوحيد الذي يمكن أن يشهد تجمعاً شعبياً داخل مكان واحد ، المكان الوحيد الذي يمكنه أن يسمح باحتجاج منقول تلفزيونياً في كل مرة يسجل فيها رينالدو هدفاً ، المراهق الذي حضره أتليتكو مينيرو لخلافة مارافيا في مفارقة صارخة ، قبل أن يفعلها في مفارقة أكبر كمهاجم للمنتخب البرازيلي في كأس العالم 78 ، في قلب أرجنتين فيديلا أمام السويد. العقاب كان قاسياً بتعقب رينالدو طيلة مسيرته الكروية للحد الذي أجبر تيلي سانتانا لعدم التفكير فيه كمهاجم لتشكيلته في 82 ، على الرغم من حاجته الشديدة له ، في قرار دفع ثمنه باهظاً بعد الاستعانة بسيرجينيو كخيار أخير، في محاولة فاشلة لتكرار نفس رقصة زجالو من قبل.

كان رينالدو التمهيد الطبيعي لمسيرة سقراط مع كورينثيانز ، والنتاج النهائي لجيل كامل تربي تحت ظلال ميديسي ورفاقه ، ليصبح الملعب مقر تجمع سياسي في الفترة بين 81 و 83 ، في إطار المناداة بأول انتخابات خارج إطار الحكم العسكري ، رحلة عاش على هامشها سالدينيا ، والذي عاش في ذاكرة البعض كمجنون دخل في صدام مبكر مع ميديسي ، قبل أن يشهد وفاة الأخير على نحو متسارع في صيف عام 1985 ، بعد فترة قليلة من تلك الليلة التي فقد فيها سالدينيا صوابه داخل منزله ، وكأن كل الذكريات هزمته هزيمة مؤقتة في مقعده ، قبل أن تستقر حالته في اليوم التالي ، ممارساً حياة “طبيعية” ، متابعاً في صحيفته مسيرة منتخب سوف يعود من جديد للمكسيك في مغامرة 86 ، فيما يعتقد بأنها برازيل جديدة ، تحاول أن تتجاوز ما سمته شاشات جلوبو “مرحلة من تاريخ البلاد”.

“أنا والرئيس نمتلك العديد من الصفات المشتركة ، فنحن نحب الكرة بنفس الدرجة ، أعتقد أننا سنصل لصيغة تفاهم طيبة”

*جواو سالدينيا في حوار عقب تولي إيميليو ميديسي مقاليد الحكم في أكتوبر 69.

“لا يوجد شيء في كرة القدم إسمه هدف قبيح ، توجد فقط فرص ضائعة قبيحة ، فهناك السيد المسيح وبابا الفاتيكان ثم دادا داخل منطقة الجزاء”

*دادا مارافيا رداً على منتقديه بشأن افتقاده لأية مهارات كروية حقيقية.

“إيريتون سينا هو الشيء الوحيد الجميل في هذا البلد”

*فتاة برازيلية ضمن المستقبلين للسائق الشهير عقب فوزه ببطولة العالم 1991.

 

(Visited 117 times, 1 visits today)
عن الكاتب
خالد يوسف
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق