الآن تقرأ
الأخلاق والفن: عن الصوابيّة الأخلاقيّة والزبدة وأشياء أخرى

الأمر واضح؟

في تزامن خروج الكاتب أحمد ناجي من السجن –بوقف تنفيذ الحكم للنقض- بسبب كتابته ألفاظاً جنسية صريحة ورسمه مشاهد جنسية في روايته الثانية “استخدام الحياة”، يدافع المدافعون بوضوح عن فصل الأخلاق والأدب، ويجادلون ببداهة أن للأدب أخلاقاً أخرى، تتمثل في جمال الصنعة وصدق الكذب على سبيل المثال، وأن الأدب –والفن عموماً- ليس من المفترض أن يكون معلماً أخلاقياً أو حتى خطاباً ديداكتيكيّاً (تعليمي) يُلقي المواعظ والعبر، بل الفن يُحكم عليه فنياً  ولاشىء آخر : الجمال والمتعة فقط.

لكن هذه الأمور الواضحة ليس دوماً واضحة، فالأخلاق والفن ليسا منفصلين لهذه الدرجة في الواقع، ولا حتى نظرياً، فماذا لو سلك الكاتب مسلكاً غير أخلاقي لإخراج عمل ما، على سبيل المثال أعلن أموراً خاصة لشخص آخر ولم يأخذ موافقته الصريحة على ذلك، وهو النوع الذي تنتمي إليه مسألة غادة السمّان /أنسي الحاج التي أثيرت مؤخراً، (من أحد أشهر معضلات هذا النوع في تاريخ الأدب هو نشر ماكس برود الصديق الأعز للكاتب فرانز كافكا كتاباته بعدما أوصاه الأخير قبيل موته أن يحرقها.) أو كان الأمر  يتعلق بمضمون العمل نفسه:  لو كان عملاً فنياً يمجد محرقة الهولوكوست أو  تهجير الفلسطنيين؟ أو لو كان عملاً فنياً يقتضى أذية حيواناً[i] أو إنساناً[ii]؟

“مشهد الزبدة”

منذ خمس وأربعين عاماً أتفق مخرج إيطالي مع ممثل أمريكي بأن يضع قطعة من الزبد في مؤخرة ممثلة فرنسية في مشهد جنسي بالفيلم كي يحوز على رد فعل طبيعي منها. وبغض النظر عن فنيّة هذا المنطق، حافظت الممثلة على البقاء داخل الدور وأكملت المشهد، وأكملت بقية مشاهد الفيلم والتصوير وأنتهى الفيلم ونجح نجاحاً مدوياً وأعتبره كثيرون أيقونة من أيقونات تاريخ السينما. هذا المخرج الإيطالي هو برناردو برتولوتشي والممثل الأمريكي هو مارلون براندو والممثلة الفرنسية هي ماريا شنايدر.

بعدها بسنوات، في عام 2007، قالت شنايدر ضمن حوار مع الديلي ميل[iii] أنها شعرت بالإهانة وأنها شعرت أنها أُغتصبت نوعاً ما من قِبل براندو وبرتولوتشي. وفي نفس الحوار أيضاً استطردت بقولها “بقينا أصدقاء حتى النهاية” و”بلا شك أفضل خبرة في صناعة الفيلم كانت مقابلة براندو”. توفيت شنايدر عام 2011، منذ حوالي 5 سنوات، وفي حوار بعد عامين من وفاتها مع برتولوتشي عام 2013، تحدث عن ذكرياته مع ماريا وأعترف أنه شعر بالذنب لما فعله معها في التصوير بالإتفاق مع براندو بدون علمها لكنه ليس نادماً (يقصد أن الغرض الفني الذي أبتغاه قد حصل عليه).

قامت زوبعة من الغضب، لكن ليس عام 1972 وقت صنع الفيلم، ولا عام 2007 وقت حوار شنايدر، ولا عام 2011 وقت وفاتها، ولا عام 2013 وقت حوار برتولوتشي، بل في نهاية عام 2016! كثيرون أعتقدوا أن المشهد تتضمن أغتصاباً حقيقياً لا تمثيلاً، وحتى من فهموا بشكل صحيح لم يكونوا أهدأ رداً أو تعليقاً، واتهموا كل من يتخد موقفاً مخالفاً أنه “مشجع لثقافة الإغتصاب” بل و”مشارك في جريمة الإغتصاب بالتراضي”.

ماذا الذي حدث في 2016 ولم يحدث وقت صنع الفيلم أو وقت حوار شنايدر أو حوار برتولوتشي؟ لماذا هذا الإختلاف الواسع في ردّه الفعل التي جاءت أعنف كثيراً حتى أكثر من صاحبة الموضوع نفسها الممثلة ماريا شنايدر؟

لكن، أيضاً، من يستطيع أن يجادل أن هذا خطأً أخلاقياً؟ أستخدام جسد شخص آخر بغير رضاه؟ حتى لو كان الأول مخرجاً شهيراً والآخر ممثلة مغمورة في بداية حياتها؟

بإمكانك الآن أن تبصق وتتبول وتتغوط في فم شخص آخر، أن تربطه بسلاسل في عامود وضربه بالسياط والآلات حادة، إدخال قبضتك ولعبك الجنسية في مؤخرته، لكن بشرط واحد، أن يكون الأمر بموافقته، الموافقة هي كل شىء. لكن في الحقيقة المشكلة الجوهرية ليست هنا، فالطرف الأول قد أعترف بخطأه علانية، ودون حتى أن يُطلب منه ذلك، أين إذن المشكلة؟

إعادة كتابة التاريخ والليبراليّة الهوياتيّة

هذا يعيدنا للسؤال الأول، فما حدث له سياق أوسع وأكبر هو سياق إعادة كتابة التاريخ (السياسيّ، الاجتماعيّ، الشخصيّ، الفنيّ، الأدبيّ، إلخ.. ) من منظور الأخلاقويّة الليبراليّة الهوياتيّة، أو بالتعبير الشائع الصوابيّة الأخلاقيّة (Political Correctness) بأكتساب حساسيّة جديدة مغايرة لما حدث منذ 45 عاماً وما تلاها من أعوام. ولتوضيح ذلك سأعرض أمثلة إنتقائية لأنها بالآلاف وتحدث كل لحظة كل يوم بشكل مستمر ومكثف:

_ تحول الفنان شارلي شابلن من راسم البهجة على وجوه الأطفال والكبار على السواء بأمتع الأفلام السينمائية، ومحارباً للنازية ومعاداة السامية والديكتاتورية، ومدافعاً شرساً عن الإنسانية، إلى مغتصب للأطفال وكريه لا تطاق رؤيته، لأنه تزوج 4 مرات من زوجاته اللاتي تتراوح أعمارهن بين 17، 16، 26، 18. كما تحول الممثل براد بت منذ شهور قليلة من الوسيم الناجح الذي يدور حول العالم مع زوجته لعمل الخير وتبني الأطفال إلى شخص ذكوري شرير محطم قلوب النساء ورمز لدناءة الرجال ووضاعتهم، بمجرد إعلان إنفصاله عن زوجته، دون أن يعلق أحدهم كيف حدث هذا التحول الرهيب في لحظات لمجمل تاريخه الشخصي من ملاك وسيم إلى شيطان مقنّع.

 _ الفنان لوسيان فرويد، أحد أهم الفنانين التشكيليين المعاصرين، يُكتب عنه مقال بعنوان يقول “عاشق قاسي، أب مريع، ورسام مسكون[iv]“.  ليقدمه (ويحكم عليه) ليس كفنان لكن في إطار أخلاقوي هوياتي جندري، ووضع صورة موحية له مع شابة عارية في وضع مستضعف، وبضع كلمات قليلة عن فنه. ثم عرض لوحاته بعد هذا التأطير.

_ في المجال السياسي أيضاً، ظهرت إعادة تصدير لتاريخ غاندي كمنتهك للنساء الصغيرات والأطفال[v] وكتارك لزوجة وأطفاله من أجل حب جسدي مع لاعب كمال أجسام ألماني-يهودي[vi] ، وتم محاكمة غاندي بأنه شخص شرير ومتلاعب، بيدوفيلي منتهك للأطفال والنساء، وتم دفع الحديث عن النضال الوطني والمقاومة السلمية والإستقالال والزعامة السياسية وما إلى ذلك إلى الخلفية في الظلام. ومن الناحية المقابلة، ظهرت كتابات عديدة عن هتلر، تتحدث عن كونه رساماً تشكيلياً مرهفاً، وعاشقاً للموسيقى الكلاسيكيّة الراقية وبالذات فاجنر، وأنه قد مات ميته شاعرية مع حبيبته إيفا براون بعد أن بقى طول عمره مخلصاً لها. أي بمنظور الصوابيّة الأخلاقية أصبح غاندي شريراً أصلع الرأس يغتصب الأطفال، وهتلر بشارب صغير لطيف، نبيلاً ومرهف الحس.

_ منذ سنوات، حين كنت طالباً بالجامعة، دخلت قاعة ملكية في المتحف المصري ورأيت أباً ملتحي يحمل أبنه ويمسك بيده الأخرى أبنته بجانب زوجته المنتقبة وهو يقول “ودا يا ولاد كافر من الأسر الكافرة، أتجوز الكافرة دي، وخلفوا الكافر اللي جنبهم، ودول كلهم عباد أصنام زي فرعون موسي اللي قال أنا ربكم الأعلى”.

ما حدث في هذه الأمثلة هو:

1- إعادة كتابة لحظية ومستمرة للتاريخ (التواريخ) من منظور ايديولوجيا اللحظة الراهنة، بالتغاضي عن فهم الأحداث والأفعال في سياقها الخاص. (مثل تقديم الحضارة الفرعونية من منظور الوعي الإسلاموي الحداثي بأنها حضارة فاسدة لأنهم “قوم عبدة أصنام فيها الأشقاء كانوا يتزوجون”، ومهاجمة الفيلسوف هيجل داخل الوعي الماركسي لأنه “برجوازي”، أو اعتبار شابلن في الوعي الليبرالي الهوياتي بيدوفيلي، لأنه “تزوج فتاة في سن 16 عاماً” وهو سن غير مناسب للزواج في المطلق في أي حقبة وأي تاريخ، إلخ.. )

2- هيمنة دوجما الصوابية الأخلاقية الليبراليّة على مختلف المجالات: الفن والتاريخ والسياسة…إلخ.. وتقديمهم للمجال العام في إطارها لا في إطارهم.

3- تقديس المشاهير وأعتبارهم رموزاً ملائكية لا تخطئ، وحين يظهر  أنهم قد أخطأوا يتم شيطنتهم بنفس الحدة والمبالغة، دون الإلتفات إلى أنهم بشر عاديون، يصيبون ويخطئون مثل غيرهم.

ولتلك الأسباب، يتم فتح جدال واسع بعد 45 عاماً حول فيلم “رقصة تانجو أخيرة في باريس” لا عن فنياته ولا قيمته بل حواراً أخلاقياً محضاً حول نقطة ما داخل صنعه قد تجاوزها شخوصه الأساسيين، ويتحول من خلالها، فقط، برتولوتشي في نهاية عام 2016 داخل الوعي الليبرالي الأخلاقوي، من مخرج أوروبي عظيم وصانع فيلم الثورة الشبابيّة الأجمل “الحالمون”  -بحسب رؤية البعض- لشخص مشارك في “عملية إغتصاب” ويجب مقاطعته، أياً كان المعنى العجيب لتلك المقاطعة.

الأخلاق والفن

لكن في سياق آخر تلك المقاطعة لها معنى واضحاً ومؤثراً؛ أعلنت الجائزة السينمائية البريطانيّة  الأهم “بافتا”[vii] أنها ستقاطع الأفلام التي لا تحتوى على صوابية سياسية في صنعها (من ناحية العاملين بالعمل أو المشاركين أمام الكاميرا) والأهم في مضمونها الفني، وغيّرت من سياسة اختيار الحكام لا تعتمد على التزكية لتصبح أكثر صوابيّة، مما يعني أن فيلماً سنيمائياً أجود فنياً قد لا يحصل على الجائزة مقابل فيلم أقل فنية لإعتبارات غير فنيّة، وهنا يصبح التدخل في حرية التعبير وحرية الفن –بشكل غير مباشر، لأن الجوائز أمر حيوي جداً في صناعة السينما، خصوصاً للأفلام الفنيّة- جلياً وله تأثير، ليتم تصدير وهيمنة مفهوم “السينما النظيفة” و”الفن النظيف”، ويتم الهجوم على من يجادل في هذا الأمر أو يفتحه للنقاش بقذف إتهامات مثل الرجعية والجهل والعنصرية.

لذلك، لابد من الحذر في الحديث عن علاقة الأخلاق والفن، لأن الموضوع ليس بسيطاً وواضحاً، (فلابد من ضبط المعايير لحماية المشاركين في الأعمال الفنية من أي إنتهاكات ولحفظ الحقوق الشخصية عموماً)، ولأنه يمكن السقوط بسهولة في فخ خلقنة الفن، والتي سجنت بالفعل كاتباً مثل أحمد ناجي، الذي ننتظر تبرئته من مخالب تلك الخلقنة، ولأن هناك ضرورة لفهم أن الخطاب الأخلاقي الإنسانوي الحالي والذي يُسمي الصوابية السياسية هو حصرياً أخلاق ليبرالية إنتقائية تحمل ايديولوجيا سياقها التاريخي والسياسي –يحتاج الأمر مقال منفصل لتبيان ذلك، ولتبيان كيف يروج له أيديولوجياً عبر الأعمال الفنية والميديا- لذا وجب التعامل معه بنقديّة،  وفهم أن التصدي لتلك القضايا بتلك الطريقة يؤذي أكثر مما يفيد، ويخلق طرفاً نقيضاً يكون على نفس مستوى الفجاجة والإقصائية والأدلجة يكتسب أرضاً جديدة كل يوم، والإنتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة الأخيرة خير دليل على ذلك.

[i] https://www.theguardian.com/artanddesign/2008/mar/30/art.spain

[ii] https://www.theguardian.com/artanddesign/2014/may/12/marina-abramovic-ready-to-die-serpentine-gallery-512-hours

[iii] http://www.independent.co.uk/voices/last-tango-in-paris-maria-schneider-marlon-brando-bertolucci-director-butter-anal-rape-scene-male-a7455166.html

[iv] http://freudquotes.blogspot.com.eg/2015/08/lucian-freud-sigmunds-grandson-cruel.html

[v] http://www.youthkiawaaz.com/2013/10/gandhi-used-power-position-exploit-young-women-way-react-matters-even-today/

[vi] http://www.dailymail.co.uk/news/article-1370554/Gandhi-left-wife-live-male-lover-new-book-claims.html

[vii] http://www.bbc.com/news/entertainment-arts-38313381

 

عن الكاتب
مينا ناجي
التعليقات

أضف ردك