الآن تقرأ
فى البدء كانت القبلة (قصة قصيرة )

قَبَّلتُها بشغف، كانت قبلتنا الأولى على الرصيف المطل على نيل الدقى المقابل للسفارة. مالت على كتفى وهى ترنو إلى الماء فرارا من غبار الصحراء الآت من الشرق، سكنّا لجريان اللذة والنهر هروبا من جرداء الوادى المترع بالرمال.

قُبلتك غاية الكون يا فريدة

أنا منزعج، وهذا السبب: ستدور بى الأيام وأعود إلى العالم لأمارس حياتى بطبيعية أو كما هو مفترض، ولا ألبث أتذكر طعم شفاهك فى فمى، ومن حولى أولئك الناس، يصرخون بأحديث بالية، الرياضة، الفن، السياسة، يُطبّل البعض ويناضل البعض الآخر، بينما الطرف الثالث على الأرض، يبحث عن قبلة تماما كما أفعل، ولا أحد من فوق يسمعنا، ولا الله يسمعنا يا فريدة، الله لم يغفر خطيئة من قال لا كما قال دنقل شاعرنا المفضل، بينما الجنة محجوزة دائما لنعم، ونحن الذين نبحث عن قبلة كمثل الذين يقولون لا، أو كالأعراف معلقين بين هذا وذاك فى أحسن تقدير.

الصمت يا حسين، لا أحتمل الكلام الآن، دعنى أّذوب فى عينيك وألتمس الحياة فيهما، عيناك حزينتان دائما، لكنهما توحيان بالسعادة وقوة الحياة، عين الكاريزما وطغيان الحضور، أوجَعنى النهر بعد مشهد المغيب، دعنا نتمشى على رصيف البنايات المقابل.

لماذا الصمت الآن ؟، هل أنا ممل بعض الشىء ؟، شيوعى؟ ، لا يا فريدة ،لست شيوعيا ، بل  الإنسان شيوعى بطبعه ، فقير ؟، ربما، وهذا ما يدعوه البعض بالانحياز،  ” أنت شيوعى حتى يأتى المال ” تلك الشذرة المنقولة عن الفيس بوك التى وجهها لى صديق ملتزم، أى ملتزم وأى التزام فى عالم غير ملتزم ؟، العالم يموت كل يوم، الإله نفسه مات، لا لم نقتله نحن كما قال نيتشه، بل قتله الكهنة، وها أنتِ تدعوننى للصمت، أتفهم كليا موقفك، ولكن هذا زميلى فى الكلية عاتبنى لأننى سَبْبت دين جموع الصراصير التى تهدد نملاً غزيرًا خائفًا، وتحكم مجارٍ معتمة يسمونها عالمًا يجب الحفاظ عليه. كيف أتفهمه ؟

انظرى إلى أعلى الكوبرى، بالأمس وأنا أمر من فوقه، كدت أصطدم بشاب عشرينى، كان جالسا فوق السياج يشبه الدجاجة، وصديقته ذات الوجه المُعفَّر من كثرة البودرة  تلتقط له الصور، الحقيقة لم أكَدْ، فقط  تصورت المشهد، أصطدم به فيقع، لأكتشف أنه لا يعرف السباحة – تماما مثلى- ، يغرق فأدخل السجن لعامين فى قضية ” قتل خطأ “، مخاوفى الدائمة من الهدوء الخبيث للماء، ومن الموت غرقًا تدفعنى إلى التفكير بمثل تلك الصورة، قد يكون له معارف من ذوى النفوذ وهذا مستبعد، لكن على الأرجح أن له عائلة بها قريب، أو اثنين، أو تنظيم كامل من البلطجية الذين سيلاحقوننى ما بقيت.

المطعم السويسرى هذا ينصحون به، سأصطحبك إليه ذات يوم.

– لا يهمنى المطعم، المهم أنت.

أنا واثق أنك تتوقدين شوقا للولوج إليه وأنا كذلك، الطعام شىء عظيم، نشترك جميعا فى اشتهائه لكننا نحصل عليه بالتفاوت

– وهناك من لا يحصل على شىء.  مع أننى أتوق للدخول، ولكن إلى جوارك، متأبطا ذراعى تعلو وجهك حيرة كُثيّر وهو ينظر لعزة، وأنت تنظر إلىّ بذات الحيرة فأرتبك، وقد أسقط بدل الجلوس على الكرسى، ويضحك البعض، والبعض الآخر فى عالم يغنيه عن الضحك، ويأتى النادل بأسلوبه الآلى، وبحركات كالماكينة ووجه مشدود على ملامح شقية، وتعابير مصطنعة ليطمئن، ويرى ما نطلب، ويأمل فى سماع أغلى ما فى القائمة مما لذ من الطعام، لن يربح غير بقشيش محترم متوقع إذا ما كان حساب أحدهم من الوزن الثقيل.

نعم، ولكن هل ترين السفارة على بعد خطوات، تَخيلى أن أحد أولئك الشيوخ المترددين عليها من رواد المطعم ذوو الوزن الثقيل، كان يجلس على الطاولة المواجهة لك، وقد رآك جميلة بشعر من الكستناء، رشيقة الوجه، رقيقة، وعذبة الملامح، أنثى فرنسية يسيل لها  لعاب أولئك المترددين على شوارع باريس كل صيف.

ماذا يفعل، هل يغض البصر ؟، أم يطلب يدك من أبيكِ – الموظف على المعاش- المبكر وهو يراقص العملات بثقل بين يديه ليغريه بها، أو ربما يختطفك إن رفضتى.

هل سترفضين فلا يُغفر لك، أم تقبلين كسيزيف لتحملى الصخرة إلى أعلى الجبل، وتعيدى الكرة، إلى ما لانهاية له من أزمان ؟

– دَعْكَ من هذا التفكير الآن يا حسين .. أيها القبلة التى كانت البدء، لا صبر أكثر على اشتهاء قبلتك.

وأنا قد فقدت صبرى بالفعل.. إلى المهد الأول، إلى الرصيف المقابل المطل على النيل

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
أمين حمزاوى
أمين حمزاوى
كاتب، وطالب هندسة مصرى.