الآن تقرأ
حلم بائع النعناع (قصة قصيرة)

أُؤكد لكم أنه لم يسبق لى رؤية بائع النعناع عند الدوران المقابل لقصر محمد على بالمنيل، ولا الحديث معه . وأؤكد أيضا أنه لم يسبق لى دراسة الطب، ربما قرأت فى مجال الأحياء، لكن ذلك لا يعنى أن شاسيه الرسم الهندسى المحمول بين يدى هو جهاز آشعة – لا سلكى – متنقل، لا أعلم كم يلزم من وقت كى تدفع بعيدًا سيدى البائع بفكرة أننى الطبيب الذى دردشت معه العام الفائت ..

هذا التأكيد ليس من باب شىء ..

وللتوثيق فإن محمد على هذا ليس محمد على أو كما يوصف بمؤسس ” الدولة المصرية الحديثة ” ، ولكنه ابن الخديوى محمد توفيق أى أحد أحفاد الباشا الكبير،  لم يحقق حلمه فى تولى العرش -الذى دَشّن بالفعل غرفة له بداخل القصر-، حين قاطع قدره ميلاد الملك فاروق، المُرجّح أن السيد الأمير الذى كان فنانًا بارعا لم يكن بعد على دراية بمبادىء التنمية البشرية وإلا حصل على العرش بكل سهولة، دعك من التاريخ والجغرافيا وموازين القوى والأتعاب والمجاملات والإيدولوجيات والصراعات، هذا الأمير لم يردد كلمة ناجح مائة مرة فى اليوم فلم ينجح فى الوصول للحكم.

الضرورى هو الإبقاء على روح التفاؤل لدىّ فى طريقى من محطة السيدة – شيلاه يا سيدة كما أقول دائمًا- إلى الجامعة، وقد رآنى على بعد أمتار فابتسم ابتسامة تنقلتها الرياح العاصفة التى أرهقت الشاسيه من النصف تماسك والنصف طيران –  حتى تكشفت ابتسامته لدىّ، غائرة فى وجهه خفيفة توحى برجل بسيط و مرهق، وتوحى بالحيرة من كون تلك البساطة هى بساطة معتادة حقا أم أنها تبطن فى داخلها خبثًا عظيٍمًا مارقًا ؟ ، أما عن الإرهاق والفقر، فلا شك، ولا جدال، هذا رجل منهك ملّ من شىء، أو عدة أشياء، أو من الحياة كلها.

فى البداية حسبتها طلبًا  للبيع، يحمل أعوادا من النعناع ويطلب رزقها، وهو نصف ما كان إن شئت أن تقول، أما عن كل ما كان، هذا ما تَكشّفته حين دعانى مُسرعًا خطاه إلىّ متأرجحًا بين دورانات الطريق والسيارات العَاديَة حتى وصلنى.

– بالطبع لا تذكرنى، تحدثنا العام الماضى هناك أمام بوابة القصر.

– وهنا أُنوه أن المقصود هو القصر العينى وليس سابق الذكر – محمد على -، وقد تَكفّل الرجل بالإشارة فى الاتجاه المقصود بيده الفارغة، فى حين أن الأخرى كانت تحمل ربطة نعناع نَدىّ كثيف الاخضرار –  ..

الظاهر أنه قابل أحدا أشبهه، وكان طبيبًا، ربما تحدث معه فى حاجة يطلبها من عَوز الفقر، وقد يشبهنى الطبيب حقا، أو أملك هيئته، ربما النظارة المُدورة، أو نمط الملابس، مع أننى أذكر بالتحديد أن ملابسى فى هذا اليوم كانت توحى ربما بطالب للفنون أو الهندسة، وهى تصنيفات يتقنها بائع محنك يقف على أى ناصية، أو إشارة، أو حتى عطفة فى محيط الجامعة- أو أى جامعة –  و السيدة زينب .

الباطن هو ما عجزت فى حينها عن الافصاح عنه.

أنا مُهترِىء، ومنفعل ببرود، لم أنم البارحة ومع ذلك أنصت إليك، وسأنصت إليك لأنى لا أكرهك، ربما أكره نفسى، لكنى لا أكره لا الظروف التى وضعتك هنا، ولا الظروف التى وضعتنى هناك، ولا تلك الإشارة  الراكدة، ولا  الهائجين الذين يضربون الكلاكسات، ولا المحتشدين على بوابة القصر فى انتظار الشفاء، ولا الحريصين على نزهة رخيصة هناك على بوابة القصر الآخر.

لن ألوم القدر على مقابلتى له، ولا على مشاعر البؤس والكدر التى أغرقتنى  وأنا أتمشى على كوبرى الجامعة فيما بعد من جراء تذكرى الحكاية التى سردها لى باختصار بعد السؤال عن الحال والصحة  ومسيرة الحياة وسابق المعرفة التى أوحيت له بالإيجاب ناحيتها بصمتى وردى على القد.

كانت كالتالى:

اسمى – معذرة لا أتذكر الاسم جيدا وليكن مثلا على اقتباسا عن المكان-

اسمى ” عَلىّ”  متزوج منذ مدة، وقد وهبنى الله توأمًا، ولد وبنت، – صلاح على ما أذكر في حين لم أتذكر اسم البنت –

رضاعتهما صناعية أشترى لهما – لا أذكر كم علبة من اللبن كل شهر –  بالرغم من غُلوّ سعره  وياريت أنه موجود وكنت راضى بالحال، وكان الوضع مقبول.

حتى صاب أمهما المرض الخبيث – السرطان – واسئتصلت الثدى، وهى تتبع العلاج، والعلاج غالى الثمن، وأرجو مساعدتك.

كان يتشنج ، ويتفكك إلى أجزاء صغيرة تدور مع الهواء إلى بعيد، وربما لمح شريط حياته كاملا فى سينما مُتخيلَة لم يدخلها، رَكّبها له عقله ثوانٍ معدودة، ويجتهد فى تذكر يوم ولادته  كى يلعنه وهو يَهم بإخراج الأوراق فى حين فرغ من الكلام ولم أنتبه، ولم أقدر على تدقيقٍ لم أرده.

فقط أردت اختراع رد مقبول وقد كان عصيٍا علىّ ، المشكلة عويصة ومركبة بالفعل -إن كانت حقيقية  أم لم تكن- ، ولا تحتمل سوى رد واحد ألا وهو مساعدة الرجل بأى شىء متوفر وبكل شكل، وفى حينها تقفز إلى ذهنى  كالعادة، تلك العِبرة المنقولة التى تحكى عن شخص يغرق، ويمر على البر شخص آخر يعرف السباحة مرتيا ملابس جديدة – ربما لا يملك غيرها – ، فهل يخشى البلل وبلاء الملابس فى وجه الغريق ؟ ..

وقد كان ردى الفعلى المثبت خجولا مُقنّعًا بتأفف برجوازى صغير مُتعلّم يشعر بالسأم لمجرد الاستماع لقصة حزينة، نَكرة مُعَرّبة بفتات يكفل لها الحفاظ على وضع اجتماعى لائق، مذنب ومسئول يحاول التخفيف عن ثقل ضميره بتفريغ بعض العملات المعدنية فى يد البائع المُحتاج، وقد كنت أنا البرجوازى الصغير يحمل فى محفظته مائتا جنيه  فى ورقة واحدة، يخشى التخلى عنها كاملة ولا يريد فَكّها كى لا تتبعثر فى طريق السوق، والحياة ، والكون، والصلاة،  والحاجة، والثرثرة، والهُراء، والكلية، والإنجاب، والنعناع، والسرطان، والزحام، والفَرَج، وتَعطُّل الإشارة المتوقفة بعد..

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
أمين حمزاوى
أمين حمزاوى
كاتب، وطالب هندسة مصرى.