الآن تقرأ
لنرقص رقصة (قصة قصيرة)

خارج الملهى، وقفت أدخن سيجارتي، كنت أنتظرها تأتي، الأجواء كانت حلوة، السماء باللون الأزرق السماوي الذي أعشقه، وثمة نسمة هواء باردة تغازلني وأشتاقها. أرقص مع سيجارتي، منتشيا بافتتاحية الليلة، إنها أشبه بافتتاحية أوبرالية، دخان السيجارة يتصاعد ويرقص معنا، على نغمة لا يسمعها أحد سوانا، ثلاث سجائر وأنا أرقص معها، بدأت أتململ، سواد الليل حل فجأة، لم تأتِ بعد، انفضت الرقصة، وبدأت أدخن بعصبية، سيجارة، اثنتين، أربعة، لم تأتِ أيضا، دخان سجائري يصعد ويتطاير كجنود فارة من معركة، قررت أخيرا الدخول إلى القاعة.. كنت أنتظرها ولم تأتِ.

داخل القاعة جاءني صبي يسألني ماذا تشرب؟! قلت له شاي، أشرب شاي، فتفاجأ الصبي، وقرأته يقول شاي ماذا في تلك الليلة وفي ذلك الحفل؟! ولكنني قطعت دهشته بنظرة، فثمن على كلامي وذهب، حقيقة كنت أود لو أنني أقوم بصنع الشاي بنفسي، ربما في صناعته قتلا للوقت انتظارا لها، ربما لأنني عندما أصنعه أقوم بزيارتها، جاء الصبي بالشاي سريعا، أعطيته بقشيشا، فتفاجأ أيضا!

جلست أشرب الشاي وأدخن، راهنت على انتهائي من علبتين كاملتين قبل أن تأتي هي، كنت أدخن بشراهة، شراهة لم يسبق لي أن وصلت لها، مضى الوقت، توهجت الحفلة، دخنت ثلاث علب، ولم تأتِ أيضا.

بدأت الموسيقى في العلو، بدأت بأغانٍ مألوفة لي، ومحببة، عشت معها، اندمجت، قلبي صار ملتهبا، أحسست به يكاد يحرق ملابسي الشتوية، ولساني بدأ في الهذيان، رحت أدندن ما أسمع بصوت عالٍ، الحفلة كانت صاخبة، لذلك، لم يسمعني أحد، لم يلحظني أحد، لم يلتفت لي أحد، لا أحد هنا يعيرني اهتمامه، فقط أنا، وسجائري، وأعقاب سجائري، وانتظارها، ولاشيء آخر.

الحفلة تزداد صخبا، كلهم يتراقصون، تشعر أنهم فوق بعضهم، أو أنهم جسم واحد، الموسيقى الحلوة اختفت، وبدأت موسيقى أخرى صاخبة، تناسب تلك الفوضى، موسيقى رديئة، صحت اصمت بربك، في البدء موسيقى حلوة أشعلتني، وجعلتني أتوسل الساعة، أتوسلها أن تمر كي تأتي، وأتوسلها أن تتمهل كي لا تنفض الحفلة قبل مجيئها، والآن موسيقى رديئة، تزيدني وحشة وغربة، تزيدني عزلة.

أخيرا صمتت، وانهمكو جميعهم في تناول العشاء، أما أنا رحت أدخن في العلبة الرابعة، ربما صارت الخامسة، ووجدت صوتا أسمعه داخلي، نعم، نعم، أعلم ما يقال، توقفت موسيقى الحفل، وبدأت موسيقاي الخاصة، أشعار محمود درويش وأمل دنقل بدأت في زياراتي، تتهافت علي؛

“انتظرها،

ولا تتعجَّلْ، فإن أقبلَتْ بعد موعدها

فانتظرها،

وإن أقبلتْ قبل وعدها

فانتظرها،”

هذا كان درويش، ثم جاء أمل

“إنك لا تدرين

معنى أن يمشى الإنسان .. ويمشى ..

(بحثا عن إنسان آخر )

حتى تتآكل فى قدميه الأرض،

ويذوى من شفتيه القول !”

حتى كلماتي الرديئة – أمامها – جاءتني

فجأة! حل صمت في المكان، وجدت قلبي يهتز، وشيء خفي يشدني باتجاه باب القاعة، لقد جاءات، أخيرا، جاءت. دخلت القاعة، لم يلحظها أحد، لا، لا، أنا الذي لم ألحظ أحدا منذ أن دخلت، جلست في مكان ليس ببعيد عني أبدا.

الآن بيني وبينها، مقاعد، طاولات، أعقاب سجائر، أكواب فارغة، أطباق، ممتلئة، غير ممتلئة، الآن بيني وبينها، قهقهات عالية، قرع كؤوس، أحاديث عالية، أحاديث جانبية، الآن بيني وبينها أنا. قررت أن أحادثها، أيا ما يكون، سأحادثها، لاوقت لمقدمات، أو أحاديث عامة، سأكلما مباشرة، إن وافقت، حسنا، ستصنع الليلة، وإن رفضت، لا بأس، هي ليلة ليست لي، رب شوارع خالية، ستحضنني، ذهبت لها، لا أذكر إن كانت تقف مع أحد، أو تحدث أحدا، لا أذكر، أذكر أنني قلت لها جملة واحدة، قلت لها لنرقص رقصة! وانتظرت ردها، فأشارت لي بالموافقة، هنا وفي تلك اللحظة، في تلك اللحظة تحديدا، ضبطت روحي عائدة إليّ.

قبل بداية الرقصة، كانت عيناها مطفأة، كلمبات الكيروسين القديمة. بدأت الرقصة، فالتقينا، عندما التقينا، ذوبنا، أقسم أننا ذوبنا، كالتقاء ثلجتين في كأس شعير في جو حار ذوبنا. أفقت كأنني ماء القطب الذائب العائد إلى التجمد، وكبرودة القطب كانت أعصابي، قلت لها أحبك! هل تقبلي؟! أعلم أنك تعلمين أنني أحبك، ولكنني كنت أريدك تسمعيها مني مباشرة، تريني كلي يقولها، تشعرين بها، ترسلها لك أنفاسي الحارة، وتصدق عليها عيناي، ويضرب لها قلبي طبول الاستعداد، ما قولك؟! وجدت عينيها تلمع وتضئ، أقسم أنها أضاءت إضاءة فاقت إضاءات القاعة، قالت لي أحبك، ألم تعلم بعد أنني أحبك، ألم تلاحظ؟! عرفت عني حبي لأشياء لم أصارح سوى نفسي بها، ولم تعلم أنني أحبك؟! قلت لها كنت أعلم، كنت أشعر، لكنني كنت أكذبني، كنت أوهم نفسي بأنها محض خيالات، أوهام، إنك لا تدرين لكم خيانات الحب قاسية، و.. وضعت يدها على فمي وقالت يكفي، نحن الآن معا، دعك من ليالي الانتظار، وأحاديثنا العامة التي كنا نختبئ وراءها، دعك من كل شيء، نحن الآن معا. أنهت حديثها، وكانت موسيقى الرقصة انتهت منذ مدة، ولم نشعر، لم نكن في القاعة في تلك اللحظة.

انتهت الحفلة، خارج القاعة ودعتها، قالت لي أنها ستذهب مع صديقة تنتظرها. كانت الأجواء باردة، أقسم أنها أجمل برودة لامستني في عمري، وروحت أطأ كل شارع أقابله أمامي، بدأت تمطر، قطرات المطر كانت كالجموع المحتشدة، للاحتفال بالملك المتوج. فردت ذراعي، رفعت رأسي لأعلى، كما أحب أن أفعل دائما عندما تمطر، ورأيت وجهها مطبوعا على وجه السماء، رأيته مطبوعا على قطرات المطر، وعلى السيارات المغسولة بماء المطر، والشوارع، والأشجار السعيدة كسعادة طفل يستحم ويلهو ابتهاجا بالعيد، رأيت وجهها مطبوعا على كل الأشياء، لا أدري إن كانت كذلك، أم أنه مطبوع على عيني، فصرت أرى في كل الأشياء وجهها.

عن الكاتب
محمد حسنين
التعليقات

أضف ردك