الآن تقرأ
عودة مارد أفريقيا المبجل (مصر في الجابون )

يشترك المصريون مع الأفارقة في شغفهم بكرة القدم؛ فقطعة الجلد المُستديرة تلك، تُذكي في نفوسهم جُذوة الأمل، وتُحررهم -ولو حيناً- من طاحون الحياة.

هي اللُعبة التي تنقلهم إلى عالم آخر أكثر حرية وسعادة. في بطولتهم المفضلة يُلقي  أبناء القارة عن كاهلهم هموم العيش، ويجتمعون في مباريات يمتزج فيها صدى آلاتهم الموسيقية الشعبية مع ركلات اللاعبين.. فيما تكتسي مُدرجات الملاعب الريفية بألوان زاهية دافئة.. وتعُج جنباتها برقصات بدائية غير عابئة بما يحدث فوق المُستطيل الأخضر.

ولكن مرت ست سنوات عجاف غابت فيها مصر عن الظهور في كأس إفريقيا، وها هي تعود مع مطلع عام 2017 للظهور مُجدداً في البطولة التي تحتضن الجابون نُسختها الحادية والثلاثين.

واقع الحال هو أن المصريين، على وجه خاص، أُشربوا حُب هذه البطولة في قلوبهم. كيف لا، والبلد التي لم تتأهل إلى كأس العالم سوى مرتين فقط طوال تاريخها، تُوجت بالكأس الإفريقية «سبع» مرات. كما تنفرد بمشاركتها في 22 نُسخة من البطولة، متقدمة على جميع دول القارة.

و فيما يبدو، فإن هذه البطولة أبت إلا أن تبقى وفية للبلد التي لعبت دوراً رئيسياً في ميلاد نُسختها الأولى عام 1957. وكما هو معروف، فاز المنتخب الوطني المصري بالكأس عدد مرات يفوق أي منتخب آخر. كما أنجبت مصر عدداً من اللاعبين الذين سطروا أسمائهم بحروف من ذهب في تاريخ البطولة.

المُثير في الأمر هو أن اللاعبين المصريين نجحوا طوال عقود في تعويض الفوارق البدنية الهائلة بينهم وبين أقرانهم من أصحاب البشرة السمراء، مُعتمدين على طريقة لعبهم الجماعية وعلى حماسهم الكبير وذكائهم في التخطيط للمباريات. هذه السمات الخاصة مكنتهم من الفوز باللقب ثلاث مرات خارج أرضهم، متفوقين على منتخبات مُرشحة تعتمد على اللاعبين المُحترفين في قارة أوروبا.

الديبة يُمهد الطريق.. الجوهري يتفرد.. شحاته يثأر لنفسه

و يشهد تاريخ البطولة على التألق اللافت للاعبين والمُدربين المصريين. فأهداف «الديبة» منحت مصر لقبها الأول عام 1957. ومن بعده جاء محمود الجوهري، الذي ينفرد بين المصريين بتحقيق الكأس لاعباً في 1959 ومُدرباً في 1998.

نُسخة 1963 شهدت على تسجيل حسن الشاذلي 6 أهداف، اعتلى بها صدارة هدافي القارة، غير أن مصر اكتفت بالمركز الثالث خلف غانا والسودان. كما لم يكن المُهاجم حسن شحاته أفضل حظاً في البطولة كلاعب؛ إذ حرمته زائير من بلوغ نهائي 1974، بعد أن قلبت تأخرها بهدفين في مباراة نصف النهائي على ستاد القاهرة إلى فوز تاريخي. خسارة تركت أثراً صادماً على المصريين، الذين كانوا يعيشون حالة نشوة وطنية بعد حرب أكتوبر 1973.

و عاد شحاته، الذي تولى تدريب المنتخب الوطني في 2006، ليرد الدين إلى زائير، بعد ثلاثين عاماً، ويقود مصر للاطاحة بها تحت مُسماها الجديد “الكونغو الديمقراطية” في الدور ربع النهائي، وليمنح الفراعنة لقبهم الخامس بعد الفوز على كوت ديفوار بركلات الترجيح.

لقب أول خارج الحدود يُبدد حقيقة مُزعجة

غياب مصر عن منصات التتويج طوال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تبعه العودة للتوهج في نُسخة 1986، لتنتزع الكأس على ملعبها بعد تفوقها بركلات الترجيح على أسود الكاميرون. بطولة شهدت تألق طاهر أبوزيد، الذي سجل هدفاً “خالداً” في شباك المغرب في مباراة نصف النهائي.

و على الرغم من أن الفوز بالكأس الثالثة تحقق عن جدارة بعد التفوق على منتخبات كبيرة، إلا أنه ظل مشوباً بحقيقة عدم قدرة مصر على التتويج سوى في البطولات التي تستضيفها. حقيقة بددها محمود الجوهري، الذي سافر بلاعبيه إلى بوركينا فاسو عام 1998، وسط حالة تشاؤم وعدم اكتراث من الجماهير المصرية، فإذا به يعود مُتوجاً بالكأس بعد الفوز على جنوب إفريقيا، حاملة اللقب، بهدفين في المباراة النهائية. بطولة اهتزت فيها شباك مصر بهدف واحد فقط في ست مباريات، فيما تألق الثنائي الهجومي حازم إمام، وحسام حسن، الذي سجل سبع مرات ليُشارك الجنوب إفريقي الواعد مكارثي صدارة الهدافين.

الكأس الأغلى

و يُكن المصريون محبة خاصة للقب السادس، الذي يصفه قطاع عريض من المُولعين بكرة القدم بأنه الأجمل على الإطلاق. فالبطولة التي استضافتها غانا في 2008 تكاد تكون أحد أقوى النُسخ على مر التاريخ. فيها تُوج حسني عبد ربه بجائزة أفضل لاعب إفريقي.

في كوماسي افتتح المصريون مبارياتهم بالفوز على الكاميرون برباعية، قبل أن يشقوا طريقهم نحو نصف النهائي، حيث كانت كوت ديفوار بانتظارهم.

و على الرغم من أن الترشيحات كانت تصُب باكتساح في صالح الأفيال، الذين كانت الرغبة لديهم عارمة في الثأر من مصر بعد خسارة 2006. إلا أن حسن شحاته نجح في تكبيدهم خسارة صادمة بأربعة أهداف. مباراة شهدت تألقاً استثنائياً من الحارس عصام الحضري، الذي برع في لتصدي لمحاولات المهاجم الإيفواري الفذ دروجبا، الذي قال: “سيكون بمقدرونا الفوز بكأس العالم إن امتلكنا الثلاثي الحضري، ووائل جمعة، وأبوتريكة”.

المباراة النهائية أُقيمت في العاصمة أكرا، حيث كرست مصر عُقدتها للكاميرون وفازت عليها بهدف محمد أبوتريكة، الذي ترجم مجهوداً استثنائياً من زميله محمد زيدان.

الكأس السابعة الأسطورية تُداوي جراح أُم دُرمان

فوز المنتخب الوطني بنُسختين متتاليتين عزز آمال المصريين في تحقيق حلم آخر، تمثل في العودة بهذا الجيل المتميز إلى نهائيات كأس العالم. حلم كان فريق حسن شحاته قاب قوسين أو أدنى من تحويله إلى حقيقة، لولا التعثر في الخطوة الحاسمة أمام الجزائر.

ترك فشل التأهل إلى مونديال 2010 حالة إحباط كبيرة للجمهور، ولهذا الجيل الفذ من اللاعبين. الخسارة أمام الجزائر في أم درمان بهدف في نوفمبر 2009 سببت جُرحاً عميقاً في نفوس اللاعبين، الذين كانوا يستعدون للسفر إلى أنجولا للدفاع عن لقبهم كأبطال لإفريقيا.

و في الوقت الذي كانت غالبية الجماهير ترى فيه أن ضياع حُلم المونديال وضع حداً لإنجازات هذا الجيل. كان لحسن شحاته ولاعبيه رأي آخر، إذ افتتحوا مباريات بطولة إفريقيا 2010 بفوز كبير على نيجيريا، ثم الكاميرون في ربع النهائي، قبل دك شباك الجزائر برباعية تاريخية في نصف النهائي، مُتقدمين لمواجهة غانا في المباراة النهائية، التي حسموها أيضاً بهدف أحرزه اللاعب محمد ناجي جدو، الذي تصدر هدافي البطولة برصيد خمسة أهداف.

صحيفة «فرانس فوتبول» الفرنسية العريقة وصفت فوز مصر قائلة: “المارد جدو يخرج من قمقمه ويرفع مصر إلى عنان السماء السابعة”.

غروب مُفاجيء

وُصفت الألقاب الثلاثة المتتالية التي حققها حسن شحاته مع مصر بالإعجازية. لكن أعقبها غياب مُفاجيء عن المُشاركة في ثلاث نُسخ متتالية. يُفسر بعض المصريين هذا بأنه جاء نتيجة لاندلاع ثورة 25 يناير 2011، ثم كارثة ستاد بورسعيد في فبراير 2012، والتي لقي فيها زُهاء 72 مُشجعاً حتفهم.

أحداث مُفاجئة متعاقبة داهمت مصر وتسببت في تعليق نشاط كرة القدم وتوقف الدوري، لتغيب شمس الفراعنة عن الظهور في بطولتهم المُفضلة. غياب ترك أثره دونما شك على البطولة قبل أن يُؤثر في المصريين…

 

عن الكاتب
قل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق