الآن تقرأ
dmc  إعلام البهرجة فى دولة التقشف الضائعة

(1)

انطلقت “dmc” القناة المنتظرة طويلًا. تشوقنا لأن نرى الإعلام الجديد للنظام، الذى قالوا عنه أنه نموذج للإعلام الوطنى الذى يسند الدولة، وقال البعض أنها ستكون بديلًا للتليفزيون المصرى المترهل (أداءً وإدارةً) وسوّق أنهم سوف ينفقون أمولًا طائلة، من أجل رِفعة اسم مصر، وتلقين الإعلام المصرى التقليدي درسًا نموذجيًا فى الميديا، بعد أن صور لنا أن هذه القنوات عصر جديد للإعلام.

(2)

رامى رضون، مقدم البرنامج الصباحى للقناة، لخّص بعفويةٍ طافحةٍ الهدف الضمنى من إطلاق القناة. قال معلقًا على صورة منقولة بث حي من الطائرة الهليكوبتر: “برضه القاهرة من فوق حاجة تانية، حاجة جميلة، حاجة فخيمة، بس طبعًا لو الطيارة عملت “زووم أوت” شوية هيبان شوية عشوائيات، بس خلينا فى الكادر ده. نبعد عن كده هنزعل. خلينا فى الطريق ملناش دعوة بالباقى” (الدقيقة 2.45 من الفيديو)

 “رامى رضوان يلخص بعفويةٍ طافحةٍ الهدف من القناة”

تلك هى القضية الخلافية المغروسة فى لحم نظام متحفظ ومتململ من الإعلام، أنهم يريدون الوطن “زووم إن” ونحن نريده “زووم أوت” حتى لو به عشوائيات، ومساوئ، وفشل فى الإدارة. أنها بلدنا التى تحتاج منا كل الدعم لتنهض وتقف على قدميها، لتصل للمكانة التى تستحقها. إننا نريد الصورة الحقيقية للوطن، حتى لو كانت مؤلمة.

لا أعرف ماذا كان يقصد “رضوان” بعبارة “نبعد عن كده هنزعل”. يتكلم باسم مَن عندما قال “هنزعل”؟ مَن أنتم يا رامى؟؟

فالمصريون يعرفون مصرهم جيدًا، حتى وإن كانت صورتكم “زووم إن”، ولا يحزنهم أن يكون بها عشوائيات وأخطاء، لأن من آليات الإصلاح والبناء أن يعرف الناس مواطن الضعف والقوة فى بلدهم حتى يستطيعوا مساندتها بشكل فعّال، صادق، واعي.

لقد أفصح هذا الموقف العفوي البليغ عن سياسة القناة المستجدة، ففيها ستجد مصر منتقاة، مصر على الكيف، مصر التى فى خاطرهم وفى فمهم، حتى وإن نُقلت لك “ليف فيو” كل صباح من كاميرا داخل طائرة هليكوبتر. هناك مُخرج فى الكونترول يصنع لك المشهد. لتجد مصر صورة مقصوصة ومهذبة، بعد أن أُضيف إليها “فلاتر” ومحسنات، لكى لا تمت للواقع المؤلم بصلة.

(3)

دعكم من “رامى” و”زووم إنّه”، وتعالوا نطل على الخريطة البرامجية للقناة الفريدة التى يقال أنها ستُظهِر  بوطنية وجه مصر الحقيقي.

الخريطة البرامجية المعلنة تحوى التالى: برنامجين توك شو (صباحي ومسائي –  يمثلان 13 % من محتوى القناة)  و7 برامج منوعات (تمثل 47% من محتوى القناة هى “قعدة رجالة – شيري ستوديو –  ده كلام – عيش الليلة – بيومي أفندي – تع اشرب شاى – السفيرة عزيزة”) وبرنامجى “لعلهم يفقهون” و”رؤى”  (13% من محتوى القناة دين إسلامى) و4 مسلسلات “جراند أوتيل، حجر جهنم، الأب الروحي، اختيار إجباري” (27% من محتوى القناة).

أين مصر فى الخريطة البرامجية؟ هل رأها أحدكم؟

مَن قال للمخطط الذى يعد قناة تعبر عن الدولة أن الإعلام المصرى ينقصه 11 برنامج منوعات (74% من محتوى القناة)؟ وماذا ستقدم نافذتي التوك شو للمجتمع المصري في ظل وجود شخصيات إعلامية محروقة، جرّب الناس مذاقهم الإعلامي من قبل، ولم يتأثر مزاجهم عندما غابوا عن الساحة الإعلامية سواء بالانسحاب أو بالطرد من القنوات التى كانوا فيها.

ما المتوقع أن يقدم هؤلاء لمصر؟

(4)

الغريب أنك تكتشف أن ما يسمونه “إعلام الدولة” يسير عكس توجيهات الدولة.

فيدهشك أنه بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس (من داخل الكتدرائية)  عن الشروع فى بناء أكبر مسجد وكنيسة فى مصر، (للتأكيد على إيمان الدولة بوحدة الصف الداخلى، والعمل على تدعيمه) رغم ذلك نجد القناة تخرج بخطة برامجية متخمة بالترفيه ولا تحوى برنامجًا واحدًا عن الإخوة المسيحيين ليعادل البرنامجين الإسلاميين الموجودين فى الخريطة البرامجية، ليكون دليلًا على التجسيد الحقيقى للرمزية التى يحبها الرئيس ويستخدمها دائمًا للتأكيد على توجهات الدولة.

بعكس توجه الدولة، هل القناة الوطنية لا ترى فى المجتمع غير المسلمين؟`

بعكس توجه الدولة، هل القناة الوطنية لا ترى فى المجتمع غير المسلمين؟

ليس ذلك فحسب بل قامت القناة بإضافة تحابيش فى الفواصل الدعائية، لشيخ قاعد فى مسجد ويجلس حوله أطفال، هذا طبعًا بخلاف لقطة افتتاح القناة بآيات قرآنية. “طب مافيش لقطة كده لقسيس فى كنيسة؟”

هل القناة لا ترى فى المجتمع غير المسلمين؟ توجهات الدولة لا تقل ذلك طبعا!

أمر أخر يكشف أن القناة التى من المفروض أنها معمولة لتعبر عن توجهات الدولة، تفعل عكس ما يريد الرئيس، بل وتضعه بسياساتها فى موقف محرج أمام الشارع.

ففى الوقت الذى يطلب فيه الرئيس من المتخصصين إيجاد طريقة للحصول على الفكّة (المكملة لرواتب المواطنين الضعيفة) من أجل توظيفها لسند المشروعات القومية التى تقام، نجد البرنامج الصباحي للقناة يستأجر طائرة (بالشىء الفلانى) تحلق كل صباح بدعوى إطلاع الناس على الحالة المرورية (!!!)

كم ألف جنيه تتكلفها الطلعة الواحدة لهذه الطائرة؟ وما هى الفائدة التى سوف تعود على المواطن والوطن من مشاهدة الطريق من فوق؟ هل البلد يا إعلام الدولة الرشيد فى حالة تسمح للتعاطي مع هذا الرفه والبذخ؟ أليس صندوق “تحيا مصر” أولى بهذه الأموال المهدرة فى “الفشخرة”؟

فبعيدا عن طاقم أقلام “المونت بلانك” الثمينة، المرشوشة فى أيدى مذيعى القناة، سيلاحظ أى متابع أن الميزانية المخصصة للقناة هى الأضخم فى الإعلام، يظهر هذا فى حجم الصرف الموجود فى البرامج، وتعاقدها مع نجوم (ترفيهيين) لامعين معروف أن أجورهم مرتفعة.

كيف سيقنع هذا الإعلام المواطنين بالاقتصاد، وترشيد النفقات، والصبر على الغلاء؟ فى حين يرى المواطن يوميًا كيف يرمى “الإعلام الوطنى” آلاف الجنيهات  على الأرض من أجل استعراض عضلاته التى خلقت بالبهرجة فى “وطن ضائع” (بحسب الوصف الدقيق للرئيس).

(5)

دعكم من محاولات تخدير أعصاب المشاهد بتغليف القناة بنفحات من أيام الزمن الجميل، تلك الرومانسية التى تتجلى فى موسيقى كلاسيكية مصاحب لبرنامج التوك شو المسائي، والذى يخيل لك أنها مقصوصة من فيلم على الكسار “سلفنى 3 جنيه” أو الجملة الموسيقية الخاطفة فى الفواصل “جفنه علم الغزل”. ودمج مقدمات برامج إذاعية تراثية شهيرة (خاصة بالإذاعة المصرية) فى فواصل توزع هنا وهناك لكى يشعر المشاهد أن هذا الإعلام هو ما يفتقده ويحن إليه. دعكم من كل هذا ودعونا نطرح السؤال المهم:

– ما المحتوى الذى تقدمه القناة المستجدة؟

 

 “أسامة كمال يشرح للجمهور أهداف القناة”

– “نحن نقدم إعلام مختلف، إعلام حضرتكم منتظرينه بقالكم فترة، إعلام هادف، إعلام لا يجرح، إعلام يقدم الحقيقة” هكذا قدّم الإعلامى أسامة كمال قناة “دى إم سى” للجمهور، مردفًا:

“أهم حاجة فى dmc أن حضرتك، بمنتهى الأمان، تقدر تقعد تتفرج عليها مع أسرتك من غير ما تقلق، لا لفظ هيجرحك، ولا كلمة هتتقال، ولا اتجاه ممكن يتشاف فيه أى شىء إلا انتماء شديد جدًا لمصر، ولشعب مصر، وبالتالى انتماء كبير جدًا لأمتنا العربية، وانتماء كبير جدًا لأسرة الإنسانية”

لقد خطف “كمال” الناس بالكلمات الرنانة من نوعية “إعلام مختلف” (دا كلام بلح 74% من محتوى القناة ترفيهى) “يقدم الحقيقة” (لا يوجد إعلام فى الكون يحتكر الحقيقة، هذه أكذوبة) “لا لفظ هيجرحك” (القناة الثالثة المحلية لا يرد فيها أى شىء يخدش الحياء بالمناسبة)!!

كل المواصفات التى أشار إليها “كمال” فى معرض حديثه عن سياسة القناة موجودة فى التليفزيون المصرى، ورغم ذلك فشل بجدارة فى مساندة الدولة، لأن هذه الصفات لا تعبر عن وطن ولا تصنع إعلام مختلف ومتميز كما يدعى.

أعتقد أن راسمى سياسات هذه القناة لم يخططوا للأهداف التى قالها “كمال”، بل كانوا يهدفون إلى شفط الجمهور من كل القنوات الأخرى ليدخلوه حظيرة الإعلام الآمن، ذو الصوت الواحد، فارتأوا أن جذب المواطن لن يكون إلا بالأبهة (هكذا يفكرون) حتى وإن غاب عنها المحتوى الذى يفتقده الإعلام المصرى.

 

نبطشية الإعلام المصرى.. أزمة دولة لا صوت لها

نبطشية الإعلام المصرى.. أزمة دولة لا صوت لها

لقد سبق وكتبت هنا مقال عنوانه “نبطشية الإعلام المصرى.. أزمة دولة لا صوت لها” شرحت فيه كيف أن مصر ينقصها إعلام معبر عن سياساتها، يسندها خارجيًا قبل داخليًا، وكنت أتوقع أن تكون dmc شبكة قنوات تقوم بهذا الدور الغائب، أن تكون إعلام عابر للحدود المصرية، أكثر نضجًا وأكثر انفتاحًا على العالم الخارجي والداخلي، وأكثر تقبلًا للأصوات الأخرى، ولا يدعى احتكار الحقيقة والوطنية. كنت أتوقع من dmc أن تكون إعلام وطنى بحق، وليس وطنى بالفموية، إعلام رصين غير متطرف، فنجده يجنح للاستظراف فى الصباح ثم يختمها بثقل الظل، وما بينهما ضحك وفرفشة لفصلك عن الواقع.

“ابعد عن السياسة يا حبيبى”

“وماتنساش تغسل رجليك قبل ما تنام”

(6)

لقد ألمح الرئيس فى حديث سابق له أن إعلام الستينات كان مساندًا للوطن،  وكانت الدولة كلها على قلب رجلٍ واحدٍ وفى حال اصطفاف، والآن نجد القناة (المحسوبة على النظام) هى أول مَن يكسر حالة الاصطفاف التى تسعى لها الدولة، بانتهاج أفعال ضد أفكارها.

الإعلام الوطنى الذى يسند الدولة قائم على المعلومة وليس التوجيه، قائم على الخبر وليس التكهنات، مصر غارقة فى إعلام الرأى والفموية، قنوات مع، وأخرى ضد، لا يوجد إعلام يقول الحقيقة كما يدعى الأستاذ أسامة كمال، بل ويحتكرها لقناته!

لقد عظّم جرح “النكسة” حالة الكذب والتضليل التى كان يمارسها الإعلام بدافع الوطنية، ظلوا يكذبون ويكذبون إلى أن وصل بهم الكذب إلى حائط مسدود تنحى “ناصر” ـ مسكوفا ـ عند جداره.

 “أحمد سعيد نموذجًا، مذيع ثورة 52 أحد أسباب سقوط الحلم المصرى فى بئر النكسة، بإذاعته بيانات النصر فى زمن الهزيمة”

لقد كسر التضليل، والإخفاء والتوجيه، حلم ونَفس جيل كامل. لأن الإعلام وقتها كان يدار باستراتيجية الـ “زووم إن” بينما كانت الهزيمة فى الـ “زووم أوت”.

(7)

هذا الإعلام لن يسند وطن.

أنتم فاهمين الوطنية غلط!

 

عن الكاتب
أحمد الرومي
صحفى ومذيع مصري
التعليقات

أضف ردك