الآن تقرأ
كأس الأمم الأفريقية: مصر (1)

الجمعة – 21 مارس 1986

تقبلت الأم المصرية خسارة أضواء الاحتفال بيومها لصالح الحدث الرياضي الأبرز في تاريخ الكرة المصرية منذ وقت طويل. مائدة افطار العائلة تحمل وجبة رئيسية من النقاش حول ما يجب أن يتم خلال الساعات المقبلة بواسطة ذلك الويلزي “مايك سميث”. رنين تقليب المشاريب في المقهى وسط الأبخرة يتقاطع مع أصوات تقليب صفحات الجرائد والأعين منصبة على القسم الرياضي في الأهرام لمتابعة ماذا كتب “المستكاوي” اليوم.

ستاد القاهرة يزأر بأكثر من مائة وعشرين ألف مشجع. صورة بالحجم الكبير لـ “بيبو” تزين مدخل الدرجة التالتة. أفراد الفرقة العسكرية الموسيقية يتأكدون من جاهزية الاتهم قبل بداية مراسم المباراة النهائية. المشهد مشابه كثيرا لما حدث قبل أسبوعين في مباراة افتتاح البطولة الافريقية العريقة. النتيجة جاءت صادمة لوعي كل تلك الجموع عندما أطلق الحكم “ايديوين بيكون-اكونج” صافرة نهاية اللقاء والنتيجة تشير  إلى تقدم السنغال بهدف مقابل لا شيء كان قد جاء بعد لحظات من جملة كابتن “لطيف”: “الكورة إجوان أنا تملي بقول”.

الانكار كان رفاهية نفسية لتقبل ما حدث، طال الانتظار طوال ربع قرن من المعارك في ادغال أفريقيا انتهت جميعها بالفشل في اعتلاء منصة التتويج، تم استهلاك كل الأسباب الممكنة السابحة في فلك الحظ، تعنت التحكيم، والمؤامرات الكونية، وحان وقت مواجهة كل تلك اللحظات التي تجرعنا فيها مرارة الخسارة لنقول بأننا الأن نستطيع، نحن جيدون، إيمان يقوده تأكيد تحيزي بأن في هذه المرة الحظ، الحكم أو القدر لن يجرؤ على الوقوف أمام تلك الرغبة. انقسمت موجات الغضب والمشادات طوال الثلاثة أيام التالية بين عتاب هاديء مع ضرورة التركيز في المباريات المقبلة، وبين المطالبة برأس كل لاعب ومسؤول في الرياضة المصرية. بينما ظل دائما جوكر آراء تلك المواقف المتمثل في “ضرورة الاعتماد على المدرب الوطني”.

أعاد “شوقي غريب” الأمل للجميع بعد انتظار طال حتى الدقيقة 73 عندما تجاوز دفاع ساحل العاج بتمريرة بالكعب من “الخطيب” مسجلاً أول الأهداف المصرية في البطولة لينفجر الاستاد وشاشات التلفزيون بصرخات يمكن بالكاد تمييز صوت “حماده إمام” بينها وهو يجاهد لكي يعيد وصف ما حدث، احتاج الملعب لعشر دقائق اضافية لينفجر مرة أخرى مع قدم “جمال عبد الحميد” اليمنى وهي توجه ركنية “مصطفى عبده” الملعوبه “واو لفة” بحسب وصف “حمادة إمام” نحو مرمى “زاجولي جبوليه” حارس الأفيال.

عادت الدماء للوجوه تزينها ابتسامات بهيجة احتفالا بصدارة المجموعة، بعدما احتاج “طاهر ابو زيد” أقل من ربع ساعة ليقصف مرمى موزمبيق بهدفين بكلتا القدمين وصوت أحمد عفت يتغنى “يا سّلام”. تبقت غصة مقلقة بعد فشل “بيبو” في التسجيل للمباراة الثالثة على التوالي، وتضاعف الشعور بالقلق بعد معرفة الطرف الآخر في مواجهة نصف النهائي.

“بادو الزاكي” يحمل شارة القيادة لجيل تاريخي للمغرب. أسود الأطلسي تقف بهدوء في جحيم كوليسيوم بالقاهرة من دون الجوهرة “التيمومي”.   القائم وأطراف أصابع “الزاكي” يمنعان يسارية “الخطيب”. كابتن “لطيف” يحذر من إنطلاقة “عزيز بودربالة” بعد تجاوز “ربيع ياسين” من منتصف الملعب. “جمال عبدالحميد” يناوش بشخصية شمال افريقية. خطي المرمى يتوهجان بفلاش الكاميرات وهي تستعد لتسجيل لحظه تاريخية. القلق يتسرب في المدرجات، الفرص ستتضاءل لصالح المغرب عند الوصول لركلات الترجيح، قبل أن تخفق القلوب مع احتساب الإثيوبي “جبريسيوس تيسفاي” ركلة حرة مباشرة من على حدود منطقة جزاء المغرب وسط اعتراضات منطقية تتهم “جمال” بتمثيل السقوط مرة أخرى بعد أن فعلها قبل دقائق دون الحصول على شيئ. “بادو” ينظم الحائط وهو يشاهد “طاهر ابو زيد” خلف الكرة. التحدي هو أن يمسك تسديدة “طاهر” ولا يكتفي بابعادها ليوجه رسالة للجميع بعدم جدوى السلاح المصري الفتاك. المواجهة تتجاوز ثنائية التنافس بين ابن “أسيوط” وابن “سيدي قاسم”. الكرة تنطلق من يسار “طاهر”، “بادو” يتخذ خطوة غريزية لليمين بعد قرار تحليلي بكل خبرات العشر سنوات الماضية في الجمعية السلاوية، وداد كازابلانكا والمنتخب الوطني٠ بداية منحنى الكرة يؤكد حدس “الزاكي” بأن الكرة تتجه نحو الزاوية اليمنى العلوية. شبح ابتسامة تتبخر، منحنى الكرة يتغير ليأخذ الطريق نحو الجانب الأيسر من المرمى، الزمن يتوقف للحظات أمام عدسات العيون والكاميرات عند اصطدام الكرة بالقائم الأيسر، الشباك تهتز والبقية تاريخ.

بالتزامن مع كل الصخب في القاهرة، كانت كرة القدم الأفريقية تقدم أحد أقوى فصولها على بعد 230 كم شمال العاصمة فوق عشب ملعب الأسكندرية. المدينة الساحلية تحتضن مجموعة حامل اللقب الكاميرون بقيادة “روجيه ميلا”، الجزائر بقيادة “رابح ماجر” من دون “بلومي”، الرصاصات النحاسية الزامبية بقيادة “كالوشا بواليا”، والمغرب بـ “الزاكي” و”كريمو”.

“ميلا” يلتهم الجميع مع استمرار ظهور اسمه على لائحة التسجيل للمباراة الثالثة على التوالي، الفرنسي الأشقر “كلود لو روا” من خلف الخطوط يقود الزحف نحو صدارة المجموعة بجيل لمنتج عالي الجودة، صنع في المنشأ “كانون ياوندي”. احتواء انتفاضة زامبيا، “بواليا” مع أكثر من 20 ألف مشاهد آخر يتابع “مفيديه” يؤمن نقاط اللقاء بهدف ثالث، “الزاكي” يحضر الكرة من شباكه قبل نهاية اللقاء بدقائق و”ميلا” يحتفل بهدف التعادل، “ماجر” يعيد التفكير فيما حدث في الدقائق العشر التي تلت هدفه الافتتاحي في شباك “توماس نكونو” وكيف كان يمكن تفادي ثلاثة أهداف متتالية للكاميرون. الأفيال قطعت المسافة من القاهرة للأسكندرية لتصمد شوطا كاملا قبل أن تسقط بهدف لـ “روجيه” كان كافيا لمنح الكاميرون فرصة اثبات استحقاق الكأس الأفريقية أمام الاف ستاد القاهرة.

الشيفونية تحكم المشهد، النشيد الوطني يعزف والجميع يردد، صوت “حسين مدكور” يقرأ التشكيل، المدرجات وجلسات البيوت والمقاهي كانت ولا تزال تتناقش في كيفية رقابة الثلاثي “صدقي”، “عمر” و”قاسم” لـ “روجيه ميلا”، اجترار حلاوة هدف “طاهر” في المغرب بين كل لحظة وأخرى، صافرة البداية ولحظة الحقيقة. ساعدت أصوات المدرجات كثيرا في التأثير على قوة الكاميرون، الشحن المعنوي للاعبين المصريين طوال الأربع والعشرون ساعة الماضية كان أكثر من كافيا ليمنح كل لاعب حياته طواعية لفرصة صناعة هدف قبل تسجيله. “توماس نكونو” يغالب انفعاله ليبدو هادئا بعد يسارية كربونية لـ”طاهر أبو زيد” ردها القائم الأيسر. “مجدي عبد الغني” يتخيل كيفية استقبال أهالي وراق العرب له لو كانت انحرفت تسديدته سنتيميترات قليلة نحو اليسار لتدخل المرمى دون الاصطدام بالقائم. “مصطفى عبده” يبذل كل ما تبقى من أنفاس في مسيرته طوال الثمانية عشر عاماً السابقة. “علي بن ناصر” يغتال فرحة المدرجات بإلغاء هدف لـ “طاهر أبو زيد” . “بيبو” يهدر انفراد بالمرمى ويعاود الكرّة لاحقا والجميع لا يصدق ما يحدث، “مدكور”يصرخ: “مش معقول يا خطيب.. مش معقول”.

الأنظار تتابع “ثابت البطل” و”توماس نكونو” عند مرمى المدرج الجنوبي يمين المقصورة الرئيسية استعدادا لركلات الترجيح. “طارق يحيى” يقف على بعد احدى عشر مترا من أفضل لاعب في أفريقيا 1979 وينجح في التسجيل. “لويز بول مفيدي” لاعب “رين” الفرنسي متخصص ركلات الترجيح يسجل أمام صافرات ودعوات الالاف في المدرجات. “مجدي عبد الغني” يرفع عن كاهله حمل ثقيل بالتسجيل رغم اقتراب “نكونو” من ابعاد الكرة، و”كوندي” يتعادل. “المجري” يشاهد شريط حياته يمر أمام عينيه منذ التمرين الأول في نادي شمال القاهرة وحتى لحظات قبل أن يوقف “نكونو” ركلته، وأحلام المجد برفع كأس أفريقيا بشارة قيادة المنتخب الوطني تستبدل بأخرى تبقيه فقط يتنفس، قبل أن تعود له الحياة  مع ايقاف ثابت لركلة “إمبيدا” لاعب فريق “دانكيركيه” الفرنسي  وصوت “حسين مدكور” يدوي: “برافو يا ثابت”. الواعد “علاء ميهوب” يسجل و”روجيه ميلا” يتعادل، الدكتور “علي شحاته” يسجل و”اودو” يتعادل. الأعصاب المنفلته للمتابعين تعاود رسم سيناريوهات تبرر الخسارة المحتملة. “مايك سميث” و”شحته” جزء من الجماهير، “أشرف قاسم” يرسل “نكونو” للجانب الخاطيء ويرفع يده اليمنى بالتحية، السيناريوهات الأن تعد للإحتفال. الصورة في شاشات التلفزيون تثبت على دائرة منتصف الملعب، فقط من في الملعب وعينه كانت على المرمى شاهد ما حدث، الشاشة عرضت قفز هيستيري للاعبين المصريين وجري باتجاه المرمى وصوت “حسين مدكور” يكافح لتكوين جملة “برافو يا ثابت.. برافو يا ثابت”.

ربما لعبت مصر مرات أفضل وأخرى أسوأ، ربما كان استحقاق الفوز في أيام مضت ليس كافيا للحصول عليه، وتبقت الدموع ومرارة الهزيمة لسنوات واقع لا جدوى في رفضه، ولكن ليس اليوم وليس الآن. “مصطفى عبده” و”محمود الخطيب” في مقصورة ستاد القاهرة  كانا يرفعان أكثر مما تمثله كأس افريقيا.

… يُتبع.

عن الكاتب
أحمد الشمندي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق