الآن تقرأ
ما هو عدد اللادينيون بالمغرب؟ !

تشكل الأرقام في البحث والدراسة، دلالة هامة في الفهم والتفسير، فحتى التحليل الكيفي يحتاج إلى الكمي لاستكماله. وفي علم الاجتماع يشكل التحليل الكمي أو الاحصائي جزء أساسي لا بل مركزي.

وبالعودة إلى كلاسيكيات علم الاجتماع نجد أن الإحصاء محدد في وصف وتفسير الظاهرة الاجتماعية، ففي كتابه “الانتحار” اعتمد إميل دوركهايم على معدلات وإحصائيات الانتحار في أوروبا ليستنتج مثلًا أن الانتحار في المدن أعلى منه في البوادي، ومعدل الانتحار مرتفع عند المذهب البروتستانتي منه لدى الكاثوليك، وانطلاقًا من تلك المعدلات سيصوغ فرضياته، مثل: إذا كان الدين أكثر تأثيرًا في الأفراد وفي سلوكهم قلت نسبة الانتحار وإذا كانت قبضته ضعيفة زادت هذه النسبة.

وفي كتاب ” الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” سينطلق ماكس فيبر من إحصائيات معينة ليصوغ فرضياته الكيفية، منها أن البروتستانت يقبلون على التخصصات العلمية والاقتصادية بينما الكاثوليك يقبلون على الدراسات الأدبية والدينية، وانطلاقا من هذا العامل وعوامل أخرى خلص إلى أن الأخلاق التي يتوارثها البروتستانت ساهمت في تراكم الرأسمال الذي سمح ببروز شكل جديد من الاقتصاد هو الاقتصاد الرأسمالي.

ومن خلال هذين المثالين يتبين دور المعدلات الإحصائية في دراسة الظواهر الاجتماعية. غير أنه في البلدان التي تفتقد إلى العقلانية والحداثة الفكرية والتقنية يصعب فيها انجاز بحوث كمية، وهذا شأن موضوع الإلحاد أو اللادينية الذي نحن بصدده.  وقد يجد الباحث، بالاعتماد على الانترنت، بعض الأرقام  والإحصائيات، لكنها كلها تشترك في عدم ذكر كيفية ولا منهج قيامها بهذا الإحصاء، وهو ما يفقدها أية مصداقية، وهذا شأن الأرقام التي صدرت عن دار الإفتاء المصرية أو عن الخارجية الامريكية.

عنوان مقالنا هذا باللادينيين عوض الملحدين لسبب أساسي، وهو أنه بدا لنا من خلال بحث سابق[1] أن وصم الملحد athée أو الإلهي Le déisme أو اللاأدري Agnosticisme غير ثابت،  فقد تجد شخصا يصف نفسه اليوم أنه ملحد لا يؤمن بوجود خالق، بعد ذلك تجده يصف نفسه باللاأدري وذلك لعدم حسمه في سؤال من أين جاء الكون…، إضافة إلى أن جل هذه التصنيفات تجمع نفسها في خانة واحدة، كأن تجد مجموعة فيسبوكية تضمهم كلهم تحت اسم الإلحاد. وبالتالي الحديث عن اللادينية أفيد للبحث.

ولإعطاء بعض الأرقام أو الإحصاءات لم نجد غير الاستعانة بوسائل التواصل، لأنها تعطينا أرقام وإحصائيات لا مجال للشك فيها، وغير هذه الطريقة لم نجد. وسنعتمد على صفحات أو تجمعات اللادينيون المغاربة ومقارنتها بعدد المغاربة الذين يملكون حسابا فيسبوكيا.

أولا، في إطار بحثنا وجدنا مجموعة مغلقة لا ينخرط فيها سوى اللادينيون المغاربة تحت اسم ” مملكة الملحدين في المغرب” تضم أربعة ألاف لاديني ” 4000″ وهو رقم للاستئناس كما سنبين، لأن المجموعة تضم نخبة من الناشطين والمناضلين وغيرهم. هذا الرقم بالنسبة لي محسوم وأي رقم تحت نسبته بلا مصداقية.

ثانيا، أكبر صفحة خاصة بالملحدين المغاربة هي ” مغاربة بدون ديانة ” تضم مائة ألف متابعة 100000″، وعلى أساسها نقترح الحساب التالي:

وفق آخر إحصاء لعدد المغاربة الذين يملكون حسابا على موقع فيسبوك قامت به شركة ميديانيت التونسية المختصة في خدمات المعلوميات (Medianet Société de Services en Ingénierie Informatique)[2]، فإن عددهم سنة 2017 هو” ثلاثة عشر مليون حساب 13.000.000″ كما هو موضح في الشكل الآتي:

أي أن نسبة المغاربة المنخرطين في الفيسبوك هي 39% بحسب نسبة السكان والتي هي 32.987.206.

بالعودة لصفحة “مغاربة بدون ديانة”، وكما يتضح من خلال الشكل أسفله، فهي تحظى بإعجاب اكثر من 100.000 معجب. غير أنه ليس كل من ضغط زر الاعجاب  بالصفحة فهو لاديني مغربي، فقد يكون ذلك للمتابعة فقط، هذا شأن جل الصفحات على موقع فيسبوك. لكن من العادي أن تكون النسبة الغالبة ضغطت على زر الاعجاب لأنها فعلا معجبة بمحتوى الصفحة. والآن لنفترض أن حوالي 20.000 متابع للصفحة هو متدين ويتابعها فقط من أجل المعرفة، فتضل لدينا 80.000 معجب لاديني، لكن السؤال هو: هل جل اللادينين الذين يتوفرون على حساب فيسبوكي يعلمون بوجود هذه الصفحة ؟ بالطبع الجواب هو لا، ولنقدر عددهم ب 20.000 وهو نفس الرقم الذي أزلناه من الصفحة، فتكون النتيجة هي أن اللادينيون المغاربة الذين يملكون حساب فيسبوكي هو 100.000وعليه نقوم بالعملية التالية :

من أصل  13.000.000 الذين يملكون حسابا فيسبوكيا فإن حوالي 100.000 منهم لادينيون.

فهل كل اللادينيون يملكون حسابا فيسبوكيا ؟ الجواب هو لا، ولا يمكن معرفة عددهم.

سنفترض أن 19 مليون من المغاربة غير المتوفرين على حساب فيسبوكي تحتوي هي أيضا على 100 الف لاديني، ونزيل من ذلك العدد نسبة الأطفال، على سبيل المثال 6 ملايين، فتظل لدينا 13 مليون مغربي بدون حساب فيسبوكي منهم 100 الف لاديني، أي 26 مليون مغربي تحتوي على 200 الف لاديني. وتكون بذلك :

النسبة التقديرية لعدد اللادينين المغاربة هي : 200 ألف لاديني مغربي، بنسبة 0,76%

أخيرا، تبقى هذه الطريقة مجرد محاولة في غياب مراكز دراسات تتوفر على العدة اللوجيستيكية و الإطار المنهجي. أما بالنسبة لي فالأرقام المذكورة مقنعة مع الأخذ بنسبيتها، وللقارئ الاختيار الأخير.

 

 

 

[1]  لادينيون مغاربة: دراسة في الالحاد من خلفية إسلامية، مراد لمخنتر 2016. لتحميل نسخة من الكتاب من هنا:

https://drive.google.com/file/d/0B_K3m72eWkF2QlM2N0FqY2hNbFk/view

[2] http://blog.medianet.com.tn/blog/chiffres-cles-sur-les-reseaux-sociaux-en-afrique-facebook-linkedin-instagram-presentes-lafrican

عن الكاتب
مراد لمخنتر
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق