الآن تقرأ
أسرار نسائية من داخل غرفة الجلوس

قد يكون العنوان مخيبًا بعض الشيء لأنها ليست أسرارًا بمفهومها المعتاد، ولكنها حقائق نتجاهل رؤيتها دومًا. كما إنني لا أجد متعة تفوق متعة خوض الطرق المجهولة، والحكي خاصة لو كان متعلقًا بأحداث حقيقية. لذلك ليس هناك متسعًا لمقدمات درامية، فالأحداث هي أبرز مقدمة لأفكار صارت ضبابية بحكم ما وصل إليه حالنا.

كان ذلك عندما انضممت إلى مجموعة من الفتيات اللاتي اقترحن إيجاد مساحة تفاعل أكثر أريحية. وجدنا فيها حرية التعبير عن حاجاتنا الأنثوية من زهق أو ملل أو حتى التحدث عن تغيّراتنا الهرمونية غير المفهومة للرجال- فبالطبع “إحنا سيد من يفهمها”. أسباب اقترابنا كانت أبسط مما قد أتصوره حال وجودي وسط مجموعة، فالرغبة في الحديث الحر دون قيد أو إصدار أحكام كانت أقصى طموحنا وأخيرًا حققناها. أصبحنا نتبادل أحاديث نتجنب الخوض فيها مع المحيطين، فتلك تسترعي نظرات الشفقة من أحدهم أو الامتعاض لشعوره بتفاهة الفكرة، أو لأننا نتوقع سماع خبراتهم الحياتيه متبوعة بدفعنا للامتثال لها. تناولنا مشاكل لمتزوجين ومررنا بالتعبير عن مختلف المشاعر وصولًا للتحري عن عريس كهيئة استخبارات عالية الكفاءة. فهنا نستطيع الجزم بأن القاسم المؤسس لعلاقة بتلك القوة هو أننا من دوائر بعيدة ومختلفة، فكانت الرغبة في الحديث عما يخصهن متواجدة باستمرار، حيث الأريحية الملازمة لسريّة الحكي. قاربت الأحاديث بيننا وجعلتنا نحاول تضييق المجموعة قدر الإمكان، حتى لا تفقد هدفها الرئيسي وهو إيجاد مساحة راحة كما نراها ونطلق عليها دومًا.

بعد فترة تمتد لشهور من التعارف الذي بات حميميًا بعض الشيء واستطاعت الثقة تخلل أجوائه، بادرت إحداهن- بدافع جذبنا من انشغالاتنا- بالسؤال عمّا إذا تمتلك إحدانا سرًا لم تبح به من قبل، توالت تعليقات إيجابية مصحوبة برغبات في الحكي، فوجدنا طريقاً – يضمن السرية – نفرغ من خلاله تلك الأحمال الثقيلة. فوجود مساحة آمنة تستطيع خلالها الحديث دون استباقك بأحكام أو وضعك في تصنيف معين بات دربًا مستحيلًا.

كان الألم صاحبًا منذ تلقينا الرسالة الأولى ومفادها كان تعرّض صديقتنا للتعدي من قبل شخصين محاولين ممارسة الجنس معها أو عليها- إذا شئنا الدقة. تلتها رسالة من صديقة أخرى تتحدث عما حدث لها في سن الثامنة تقريبًا، حيث كانت تقطن بمنزل للعائلة بمنطقة حديثة نسبيًا، فكان من السهل على بائع الألبان المتردد عليهم استدراجها وسط انشغال الأهل ومحاولة الاعتداء عليها، ربما كان الألم الحقيقي هو حمدهما الله أنه لا يعلم السر إلا هو.

تتابعت رسائل أُخر بحوادث تأثيرها جسديًا لا يُذكر بقدر تعلقها بالأذهان. كدنا نستمع تنهيدة وراء كل موقف أو ذكرى مؤلمة دفنت منذ سنوات. تناولنا الاعتداءات التي تحدث في المدارس أو من الجيران أو حتى الأقارب على مختلف مستوياتهم الاجتماعية، حادث واحد على الأقل مرت به كل صديقة، ولكننا تعلمنا بالفطرة أنّ طَرق أبواب الحديث فيما يتعلق بالجنسين معّا يفتح الأضواء الحمراء. ترسّخ داخلنا أن الفتاة هي حاملة شرف الأسرة، وأنها جُبلت على حمايته، سواء بالصراع أو بالصمت عما يحدث، فكان الصمتُ حليفًا. لم نستطع مواجهة تلك الحوادث والحديث عنها إلا في مجموعة ضئيلة أو غرفة الاستماع للأحاديث النسوية كما كانت تطلق جدتي على غرفة الجلوس. بدت لي حقيقة الخرس الذي يعيشه جيل من الفتيات خلف أسوار العادات والتقاليد المتوارثة دون تفكير.

روايتي هنا ليست لذكر المزيد من الحوادث اليومية التي أصبحنا نسمعها بشيء من اللامبالاة ونتخطاها. ما كتبته هنا هو محاولة للوقوف على الموروثات البالية التي أصبحت أشبه بالدومينو، فكل موروث بالي يدفع بآخر أكثر اهتراءً، منظومة تبنّت الحفاظ على مسميات مفرغة من محتواها ولكنها تضمن شكلًا اجتماعيًا محافظ. أصبحنا جزءًا منها ولا نستطيع الهرب، حتى محاولات التغيير الفردية باتت مستهجنة ودائما ما تُقابل بالهجوم. منظومة تسعى في محاولات دؤوبة لمواراة عوارها وتُصدم بالنتائج التي وصلتها، فبالرجوع لتقرير المجلس الدولي لحقوق الإنسان لعام 2014 هناك واحدة من كل ثلاث فتيات مراهقات تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عامًا وقعت ضحية العنف العاطفي أو الجسدي أو الجنسي على يد أزواجهن أو عشرائهن. صار المعتاد هو الصمت تجاه ما يحدث لأننا لن نجد من يتفهم أن واحدة لم تستطع مواجهة ومنع ما حدث. نعلم جيدًا أننا لا نستطيع الحديث، نفتقد أبسط صور التواصل، شعور الأمان، الرغبة في الحكي لشخص يعرف بدوائرك الشخصية دون أن يحمِّلك فساد أجيال ويشفق عليكِ محاولا وأد ما حدث، أن هناك من يرغب في سماعك على الأقل! لا أعتقد أننا قدمنا كثيرًا لواحدة من صاحبات تلك القصص إلا رغبة استماع جادة ومساعدات في تخليصها من الشعور بالذنب والخوف لأنها تمتلك جسد أنثوي في مجتمع شرقي. لست بصدد تبني خطابًا نسويًا فأنا أعلم جيدا أننا-رجالًا ونساءً- نتشارك الإثم, وأن إصلاحه لا يقع على عاتق جنس بعينه. لكني لا أعلم إن كانت مجموعات الحكي هروبًا من الواقع، أم محاولة للالتفاف على ما يفرضه، لكنها – بالتأكيد – محاولة نسائية فردية لاستئناف الحياة بأقل ضرر.

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
سمرعبدالله
التعليقات

أضف ردك