الآن تقرأ
هيكتور كوبر… الحياة على الشاطئ الآخر من “جامايكا”

مستندًا إلى الحائط بينما ينظر بنصف ابتسامة مُرهقة إلى نصف غرفة الملابس التي يكشفها باب غير محكم الإغلاق.

يستمع إلى ضجيج محفز بكل الأدرينالين الذي يبثه الفوز بركلات الترجيح في عضلات كاد الدم ليعجز عن تلبية متطلباتهم في رطوبة ليلة عادية في ليبرفيل. لا يُميز من الاغاني والاصوات كلمة بعينها، لكنه يلتقط من إحدى الأغاني التي يرتجلها لاعبوه راقصين على طاولة التدليك اسم دولة آخرى يتذكر أن بلاده التقت بها في كأس العالم 1998؛ يثير فضوله الأمر إلى الحد الذي يدفعه لسؤال المترجم عن السبب، قبل أن تكتمل نصف ابتسامتة التي بدا معها وكأنه يعود إلى شيء ما.

ماذا لو كنت التقيت بهذا الأمر سابقًا؟” يفكر وقتها بينما ينفث دخان سيجارة؛ حرمه الاتحاد الأوروبي قبل أعوام من اللقاء بها على الدكة في حملة لمواجهة عيدان التبغ التى فرقت بين يوهان كرويف ومقعد المدرب.

كان الأمر ليختلف في تلك الليلة شبه الصيفية في برمنجهام في نهائي كأس الكئوس الأوروبية، وقتها كان قادمًا للتو من الأرجنتين ليقود مايوركا الإسباني أمام أشباح لاتسيو الصفراء. هدف داني جارسيا الذي رد به على افتتاح كريستيان فييري للتهديف كان بحاجة إلى شيء من ماوراء الطبيعة ليدافع عنه، شيء يتجاوز قدرات كارلوس روا مواطنه الذي يرفض العمل يوم السبت الذي كان واقفًا في مرمى فريقه يومها، والذي لم يستطع إيقاف كرة بافل نيدفيد التي أضاعت الحلم يومها، ليرفض بعدها اللعب للفريق متفرغًا للخدمة في الكنيسة، ظنًا منه أن نهاية العالم ليست سوى على بعد أشهر.

بالنسبة للرجل ذو الشعر الفضي الذي لايبتسم كثيرًا ولايكترث بشكل أصيل بالود بينه وبين المشجعين، لم يكن للعالم أن ينتهي في عام 2000 لكنه كان يبدأ بالنسبة له في مكان آخر من شبه جزيرة إسبانيا، يحصل على ثأره من لاتسيو في ربع نهائي دوري الأبطال في ليلة يقدم فيها للعالم كيف يمكن أن تخاطب الإيطاليين بلغتهم الكروية دون أن تقصر تهديفيًا.

يكتسح برشلونة بأفكار فان جال التي يروق له ضربها في نصف النهائي، يذهب إلى باريس ليُدرك بينما ينظر إلى قمصان لاعبيه البرتقالية التي تركض مذعورة خلف راؤول جونزاليس المنفرد بقميص ريال مدريد الأبيض من نصف الملعب على أرض ستاد دو فرانس أن ثمة مقامات في كرة القدم يمكنها أن تفوز بمفردها عندما تقترب من الكأس، وأن الأفضل في المشوار لن يكون بالضرورة من يحمل الكأس حتى وإن كان في خبرة انجلوما أو تمكن مندييتا أو مهارة كلاوديو لوبيز.

 

https://www.youtube.com/watch?v=wcjL20CXnCs

 

على شاشة هاتفه يعود لاسترجاع كيف ركض لاعبوه في كل الاتجاهات بعد أن تصدى الحضري لركلة برتران تراوري، يتذكر كيف سحق سيجارته بغيظ تحت حذائه بعد أن رأي قمصانًا حمراء قبل خمسة عشر عامًا تجرى نحو أوليفر كان الذي رد كرة مدافعه بيليجرينو ليضيف له مرارة ميدالية فضية آخرى كان قد ظن أنها لن تكون من طالعه عندما تقدم له مندييتا بهدف في الدقيقة الثالثة في النهائي الثاني على التوالى والأخير لخفافيش فالنسيا في دوري الأبطال، كان دون أن يدري يبدأ قصة جديدة من الانكسار على عتبة الحلم؛ على أرض ملعب جيوزيبي مياتزا التي ذهب لتوديع جماهير فالنسيا في مدرجاته بعد أن اجتمعا على لحن حطم عشاق سانتياجو كانيزاريس بما فيه الكفاية.

يدخل للمؤتمر الصحفي ليواصل الاستماع إلى أسئلة عن تقييمه لرمضان صبحي وعن حقيقة الخلاف فيما بينهما، كان قد اعتاد في بلد يعيش إيقاعه على ما أصبح يعرف “بقصف الجبهات” على هذه النوعية من الأسئلة بشأن ذوات متضخمة كحسام غالي أو ظواهر صوتية يفضلها في معسكره كباسم مرسي.

لايبدو وأن أحدهم كان متابعًا للدوري الإيطالي حيث اجتمع هو ورونالدو في معسكر واحد، لايعرفون أنه كان مسافرًا رفقة البرازيلي الظاهرة العائد من الإصابة إلى روما مع الكثير من غياب الود المتبادل والآلاف من أصحاب اللونين الأزرق والأسود للعودة بنقطة تمنح انترناسيونالي لقبه الأول في بطولات الدوري منذ آواخر الثمانينيات، قبل أن يخرج له بعبع النهايات التعيسة من جديد في ظهيرة الخامس من مايو على عشب الأولمبيكو في صورة تشيكي آخر اسمه كارل بوبوورسكي، يرد على تقدم انتر بهدفين ممهدًا الطريق لدييجو سيميوني للحصول على ثأر خاص من ناديه السابق، تاركًا رونالدو نفسه يبكي كالأطفال على دكة البدلاء.

تلك الدموع التي لم توحده مع كوبر حتى بعد أن عاد من كوريا واليابان ليُخير رئيس النادي ماسيمو موراتي بين طرد الرجل صاحب القلب المتحجر وبين مغادرته إلى جوار زيدان في سانتياجو برنابيو. بحث موراتي عن حلم الوالد في العودة لإنتر بكأس الأبطال يتحد في الموسم الثاني مع شهوة كوبر للانتقام من تلك الكأس التي استعصت عليه ليبقى الرجل محاولًا إكمال المشوار.

طبيعته الجامدة تفقده صك الغفران من جماهير انتر العاطفية التي لم تغفر نكسة الاولمبيكو ومغادرة رونالدو، يفقد شيئًا من شعبيته في فالنسيا بإقصاء فريقها من ربع النهائي في نسخة عام 2003 من التشامبيونزليج ليقف من جديد في مواجهة جار محلي هو ميلان، يدافع أمام خصم أقوى في لقاء الذهاب خارج أرضه اعتباريًا.

يدافع في لقاء الإياب عندما يتلقى هدفًا سيخرجه من البطولة، يواصل الحذر حتى عندما يدرك التعادل الذي لايُعني سوى وداع البطولة أيضًا، بدا وكأنه يُفضل أن يخرج من البطولة مرتاحًا لكونه طبق ما أراد ولم يصل به إلى مايجب أن يحدث عن أن ينجح بمجازفة ليست مقنعة له من الأساس.

 

في عام يصعد فيه كلاوديو رانييري بابتسامة غير مصدقة؛ لحمله جائزة أفضل مدرب في العالم وكأنه ينتصر لهؤلاء المفلسين الذين خرجوا من قائمة المطلوبين بعد أن أرهقتهم مشاهد النهاية التي لم يتزوجوا فيها بالبطلة أبدًا، يعود كوبر إلى الواجهة مستبدلًا السيجارة على الخط بنظارة تتماشى مع كونه في الحادية والستين.

يعود بعد عشر سنوات من التيه على مقاعد فرق المؤخرة في إسبانيا وإيطاليا متراجعًا حتى إلى مطرود من اليونان والإمارات وحتى من منتخب بلد لم ينجب سوى لاعب واحد في تاريخه هو جورجيا، تلك السنوات التي لم تغير كثيرًا على أي حال من مفهومه عن الكرة كلعبة لايفترض فيها أن يحبك أحدًا طالما تفوز.

يرى أن اللعب كرد فعل حتى في غياب الفعل من المنافس هو ما يصلح للعباقرة في كرة القدم. بنفس القدر الذي يصلح لمن هم دونهم من محدودي الإمكانيات.

يبتسم بشكل متوتر لكنه أوضح كثيرًا في إفريقيا بعد أن رأى ماهو أسوأ بين الخسارة في المشهد الآخير مع الكبار والصعلكة على مقاعد فرق الصغار؛ مرتاحًا للقاءه بالأمر الوحيد الذي حال بينه وبين المجد في وقت سابق. تحت اسم دولة أنجبت بوب مارلي و ويوساين بولت، وفي صورة كهل في الرابعة والأربعين بدا في لحظة وكأنه يدير أمور الكرة في إفريقيا قادمًا من كفر البطيخ قبل أن يكون على موعد نادر مع الدموع بالنسبة له، ومعتادًا بالنسبة لرجل شاب شعره بينما رأى مرة بعد الآخرى الذهب مارًا من أمامه دون اكتراث.

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
مروان قطب