الآن تقرأ
المُطارد (قصة قصيرة)

ركض بأشد ما يملك، كان مايزال داخل المحطة المُزدحمة، يحاول دفع المتوافدين عليها بكلتا يديه وهو يعبرهم قفزًا، ألا يستطيع أن يقفز فوق رؤوسهم كما يقفز فوق الحقائب والأمتعة المُنتشرة هنا وهناك، لا يعرف من المحطة مداخلها أو مخارجها غير أنه يركض ويعلم جيدًا أنه لن يتوقف عن الركض، يعلو من خلفه صوت قوي “أمسكوه أوعوا يفلت”، غير أن الصدمة ومُحاولة فهم المارة لما يحدث كانت تُكتف أيديهم عن أي مُحاولة لأيقافه، يقول الأطباء أو العلماء –لا يدري- أن عقل الإنسان يستوجب ثواني معدودة لأستيعاب المؤثرات الخارجية قبل أن يُعطي الإشارة اللازمة لباقي أعضاء الجسد للتحرك والتعامل تجاهها، وهي ما كانت كافية لعبوره وسط من تلفتوا حولهم في ذهول، بل ووسط رجال أمن المحطة الذين ترددوا بين السعي خلفه وترك مواقع عملهم وبين مُتابعة الأمر بأبصارهم بعدما تجاوز أحد بوابات المحطة الحديدة متقفازًا وخرج للشارع.

تلفت يمينًا ليجد أحدهم يهرول نحوه، وهو ما أجبره على الهرولة يسار البوابة التي لفظته للخارج، لا يدري لماذا يرتدون جميعًا اللباس الثقيل داكن اللون ذاته، وتعلوا وجوههم الشارب الكث والنظرة المُتحفزة المُحتقنة ذاتها.

ركض بقوة أكبر قبل أن تسقط أحدى قدميه في بركة من مياه الشارع أصابت ساقه التي رفع الجلباب بيده عنها بالبلل، تذكر علبة السجائر وقطعة الحشيش بها أسفل شرابه الطويل، ماذا لو كان كل ذلك مجرد أشتباه وسقط بأيديهم فتورط فيما هو أكبر بسببها، لابد وأن يتخلص منها في الحال، غير أن توقفه لثواني يعني الزج به في السجن، ليُكمل ركضه.

في وقت سابق حكى صديقه محمود عن أحد مُطاردات رجال المركز له، وكيف أنه قام بتضليلهم خلفه في الشوارع الجانبية للبلد، ظل يبحث عنه بعينه حتى وجده، عبر الشارع جريًا مُبتعدًا عن سور المحطة، وسط أصوات السيارات وقبل أن يصدمه أتوبيس الهيئة الذي وصفه سائقه غاضبًا بأنه أبن لبوة، ونظر القليلون من جلوس القهوة بأستعجاب وسكينة، كان الراديو يصرخ بصوت السادات المُميز يتحدث عن نصر العام الماضي، وعقله يصدح ببداية عمله في الأستيراد عام النصر، كان العديد من أصدقائه ورجال بلدته قد بدأوا في سلك الطريق ذاته قبله بمُدة كبيرة، يعملون على أستيراد الأقمشة وعلب السجائر وزجاجات الخمر والساعات جيدة الصُنع وبيعها في مصر وأكل الشهد من ورائها، هكذا قالوا، غير أن الحقيقة كانت في تهريب تلك البضائع من السفن القادمة بثمن بخس وبيعها بأسعار أقل من سعرها الحقيقي، ظل في عمله شهورًا كانت كفيلة له أن يتخلى عن عمله كساعي بمبنى وزارة الثقافة ببور فؤاد بثلاثة وعشرون جنيه، لم يأكل الشهد ولم يُعد الألف جنيه الذين حصل عليها من أمه وذهب زوجته القليل وبعض أصدقائه ليبدأ بهم عمله، لم يشتري التلفاز، ولم يُكفِ أحتياجات منزله الصغير التي لم يُكفيها من قبل، لم يُهدي والدته جلباب قُطن من بلاد برا كما كان يتمنى، ولن يستطيع أن يُخفي عليهم حقيقة حاجته لهذا المبلغ أكثر، يحتاج من يُنقذه من تلك الدوامة.

انتهى به الشارع فجأة، مازالوا خلفه، يدخل شارع أخر على يساره، بدأت قدميه في الأرتعاش وبدأ حذائه اللامع ذو الكعب العالي والبوز الرفيع في الضغط على أصابعه أكثر، جريدة الأخبار، سمع في القبل عن عائلة أمين التي أخترعت الجرائد، هذا الشارع أهدأ من السابق، الصوت أنه “خد يالا” يتعالى ويرن، نظرات بائع الجرائد والسجائر المحلية تتفحصه، يكح مرتين فيصعد البلغم إلى حلقه، يبصقه بقوة، لماذا لا يشربون السجائر ويُصابون بأمراض الرئة مثلنا، يقول الطبيب أن هواء بلدتنا رطب، لكن ورغم اي شئ يجب ان يستمر في الهرب، فلو زُج به في السجن سوف يُكمل تربية ابنته ذات الثلاثة أشهر رجل أخر.

يركض يمينًا، هذا الشارع أوسع من السابق بكثير، هذا يعني أنه أكثر خطورة كما قال محمود من قبل، العديد من المحال والفتارين يقف أصحابها أمامها ينظرون للشارع في بحث متواصل عن زبائن، محل عصير وكباب وأجانس سيارات، ربما يكون هذا هو مقصده، لا يدري، توقف بُرهة مُحاولًا التفحص فيه، لا يوجد سوى السيارات الجديدة الصامتة الواقفة بميل لعرض وجهها وجانبها الأيسر على المارة، يُكمل ركضه وسعاله يتصاعد، أصبح أشد قسوة وأقل بلغمًا، لا يعلم لماذا أصر ذلك التاجر أن يكون لقائهم في مصر، لعنة الله عليه، قالوا أنه أفضل تاجر يدفع في السيارات المُهربة، وقال سعيد، صديق طفولته وهو يجرع كوب بيرته أن تهريب سيارة واحدة يُساوي سنة كاملة من تهريب السجائر والخمور، ، يشعر بالخدر يتناول أعلى فخذه الأيسر.

أن يُزج به في السجن يعني أن تبكي والدته حتى الموت.

مازال يبحث عن شارع جانبي أخر، تتباطء سرعته، تتعالى كحته ونبض صدره، يتعالى الصوت خلفه، يشعر بطعم الدماء في حلقه، يتوقف قليلًا لألتقاط أنفاسه واضعًا يده على صدره، مازال الثلاثة أنفسهم يركضون خلفه، نالهم التعب كما نال منه، غير أن أحد عساكر الشرطة بزيه الميري قد أنضم أليهم، أصغر منهم سنًا وأكثر منهم إرادة، في مثل عمره، تلتقي أعينهم للحظة عن بُعد، كلاهما عازمًا على تحقيق هدفه، لماذا كل هذا التصميم داخله، لا يدري.

أن يُزج به في السجن يعني أن تعوله والدته في محبسه بدلًا من أن يعولها هو بعد كل تلك الأعوام.

تتعالى أنفاسه مع استمرار ركضه، يُحاول الأستناد بيده على المارة أثناء إزاحتهم من طريقه، تتفحصه العيون وتلعنه الألسنة وتصدمهم عيونه المُشتتة في ألوان عديدة من الأقمشة الباهتة حوله، مسجد السُلطان أبو العلا، شارع ضيق أخر، يعبر الشارع وسط السيارات مرة أخرى، أمل أخر في الفرار، يصل الخدر لقدميه، يستند بيده اليُمنى على جدار المسجد أثناء ولوجه في الشارع على يساره، مستنجدًا ببركته وبالله.

أن يُزج به في السجن يعني أن يؤكد لعنات زوج أمه له.

شارع أكثر ضيقًا من الباقي، أهدأ أقصر يركضه لنهايته، يتعب، مازال العسكري خلفه، الأصوات، النساء البدينات، المياه الراكدة المُشكلةلبِرك بوسط الشارع، تغيم عينيه من التعب، يشعر بالدماء أكثر وأكثر في حلقه، تتباطء أنفاسه تحت وطأة الكحة، ينكسر به الشارع يسارًا لأخر أكثر ضيقًا، صوت الشعراوي يخترق أذنيه، كان يسمعه في الماضي يقول أن الموت حرقًا هو أشد أنواع الموت إيلامًا، لذلك أختاره الله لعذاب الغير مؤمنين به يوم الوعد، لم يتحدث الشعراوي عن الموت خنقًا.

أن يُزج به في السجن يعني أن تُصيب العنوسة أخته أكثر.

ينتهي به الشارع إلى لا شئ، عمارة تقطعه بالعرض، يصعدها دون وعي، ما أشد درجاتها على قلبه وما أطولها، يتحامل على الجُدران بكلتا يديه في صعوده، يحاول قفز الدرجات معًا، لابد أن قدميه خاليتان من الدماء وهو يجرهما تحته، يصعد ويصعد وتخفوا  أنفاسه على عتبات باب خشبي هزيل، يتحامل بجسمه عليه فينفتح، تتشابك العمائر وتتجاور، غير أن جميعها أعلى من تلك البناية، لم يحسب مخرجوا الأفلام حساب ذلك المأزق من قبل، يعود مُتحاملًا على نفسه حتى الباب، أصوات أقدام كثيرة على درجات السلم، يعود بظهره خطوات سريعة فينقلب عليه، ينهض سريعًا، لا يستطيع السير أكثر، أنتهى الركض الأن، يستند بيديه على السور المواجه للشارع، جميع الشرُفات مفتوحة تنظر أليه، وعدد كبير من الأطفال والرجال يتحلقون أمام مدخل البناية رافعين أعينهم للسماء في أنتظار ما سيحدث، لا يعلم إن كانت تلك حبات عرقه أم دموعه.

أن يُزج به في السجن يعني ان تنتهى حياته.

عن الكاتب
أحمد شعير
لأن الحياة يجب أن تتحدث
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق