الآن تقرأ
الممحُو من الذاكرة في مسيرة باجيو

(1)

وقف الفتى النحيل مُطأطأ الرأس شارد الذهن بعد أن أطاح بأحلام شعبه.. في الجوار شخص جاثم على ركبتيه يرفع كلتا يديه للسماء بفرحة يغلبها الذهول.. اكتملت بذلك إحدى أشهر لوحات كأس العالم لكرة القدم على مر التاريخ. لحظة فريدة كان فيها ومايزال حضور الطرف الخاسر طاغياً في الذاكرة على حضور الفائز.

من المُؤسف، أن يكون المشهد السابق هو أول ما يتبادر إلى مُخيلتك عندما يمُر على مسامعك اسم روبيرتو باجيو. هذا يحدث على الأرجح سواء كنت ممن عاصروه، أو كنت من جيل «اليوتيوب». الإيطاليون أنفسهم انقلبوا على باجيو.. نسوا كل ما قدمه في أمريكا 94 وأصبح فجأة الرجل الذي أضاع كأس العالم!

لم يكن باجيو مهووساً بفكرة أن يُصبح محبوباً للجماهير، بقدر ما سعى للعيش في حالة من السلام الداخلي. مع هذا، نال قدراً كبيراً من الحُب.. لقد أسر قلوب الجماهير رغم الصعوبات التي كبلت مسيرته.. تلك المسيرة التي تبدو كما لو كانت “ممحوة من الذاكرة” إذا ما وضعناها في كفة مُقابلة لركلته الخالدة التي ذهبت للسماء.

يقول الإيطاليون: “لقد أضاعها لأنه لم يُصلي للمسيح.”

حسرة باجيو بعد ضياع حلم الفوز بكأس العالم 94

(2)

بدأ باجيو مسيرته مع كرة القدم في مطلع الثمانينيات. وُلد في شمال إيطاليا، هناك في فيتشينزا، ودافع عن ألوان فريقها، قبل أن تأخذ حكايته منعطفاً آخراً عام  85.. عندها فقط بدأت رحلة مزجت بين الألم والابداع.

هو يرى أن النصف الثاني من الثمانينيات يُعد الفترة الأكثر أهمية في حياته. يوماً ما، وبينما هو غارق في ظلام روحي حالك وصلته هدية من أحد أصدقاءه المقربين كانت بمثابة نقطة التحول في حياته كإنسان. هذه الهدية كانت سبباً لمزيد من اللعنات التي انهالت عليه بعد ركلة الجزاء الضائعة في نهائي كأس العالم.

في عام 90، وجدت إيطاليا في باجيو طوقاً للنجاة، ووجد باجيو في الهدية التي استلمها من صديقه ملاذاً لروحه المُعذبة. على الأرجح لم يكن يخطر ببال موريكيو أن تقلب هديته التي كانت عبارة عن كتاب يتحدث عن الديانة البوذية حياة باجيو رأساً على عقب.

تحول باجيو إلى الديانة البوذية.. خطوة أربكت حياة عائلته، وعرضته لسيل من الانتقادات والتُهم والترصد في البلد التي تُعد معقلاً للكنيسة الكاثوليكية.

(3)

فلافيو بونتيلو، مُهندس معماري مرموق ينتمي لعائلة تعمل في مجال المعمار. أحدث ثورة منذ وصوله إلى رئاسة فيورنتينا في الثمانينيات. كان له الفضل في استقدام باجيو من فيتشينزا عام 85.

عام 90 نجى فيورنتينا بصعوبة بالغة من الهبوط للدرجة الثانية، مع ذلك تمكن فريق مدينة فلورنسا من بلوغ المحطة النهائية لكأس الاتحاد الأوروبي، لكنه فشل في الفوز في النهائي على يوفنتوس.. الفريق الذي أُشربت قلوب جمهور فلورنسا كراهيته بعد أن حرمهم من الفوز بلقب الدوري عام 82. لقب مازالوا يصفونه بالمسروق إلى الآن.

مر بونتيلو بضائقة مالية عام 90، فاتخذ قراراً بقبول العرض القياسي الذي تقدم به يوفنتوس لضم باجيو. قدموا له 16 بليون ليرة إيطالية، ما يُعادل 10 ملايين يورو آنياً.

سرى الخبر في مدينة فلورنسا كانتشار النار في الهشيم.. لم يكن بونتيلو يتصور حجم الغضب، قبل أن يدفع منصبه ثمناً للصفقة ولإخماد نار المدينة بعد رحيل موهبة إيطاليا الأولى إلى صفوف السيدة العجوز.

(4)

باجيو يحمل وشاح فيورنتينا في ملعب أرتيميو فرانكي

عاد باجيو، لاعب اليوفي، إلى فلورنسا للمرة الأولى في أبريل 91. كانت المدينة بأسرها في انتظاره. تقدمت فيورنتينا، قبل أن تلوح فرصة إدراك التعادل لليوفي من ركلة جزاء. رفض باجيو التقدم للتنفيذ.. تولى المهمة زميل له لكنه أهدرها. تم تغيير باجيو، وأثناء خروجه حمل وشاحاً بنفسجياً من على الأرض مُحتفظاً به على مقاعد البدلاء.

وجدت السيدة العجوز في باجيو ضالتها بعد فترة من البحث عن وريث للأسطورة الفرنسية ميشيل بلاتيني. باللونين الأبيض والأسود حقق صاحب ذيل الحصان الإلهي لقب الدوري وبكأس الاتحاد الأوروبي، وتُوج بالكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم عام 93.

و لأن تقاليد يوفنتوس تضع إدارة النادي دائماً أمام ضغط استقدام أبرزالنجوم الواعدين في إيطاليا، فقد بدأت عملية السعي باكراً لاستقدام نجم جديد. أراد الرئيس جامبييرو بونيبيرتي أن يُوفر لاعباً قادراً على استكمال مسيرة باجيو، لكنه لم يتصور أن يكون ذلك الشاب اليافع الذي رأه في بادوفا سبباً في إزاحته هو شخصياً من على صدارة الهدافين التاريخيين للنادي.. إنه أليسندرو ديلبييرو.

يقول الأفوكاتو جياني آنيللي، الرئيس الرمز لليوفي: “ديلبييرو مثل بينتوريكيو”. كان جياني، الذي تولى رئاسة شركة سيارات فيات لاحقاً، ثاقب الرؤية للحد الذي سمح له بتشبيه باجيو وديلبييرو باثنين من أعظم فناني عصر النهضة.. رافايلو وبينتوريكيو. وهكذا كان ديلبييرو تلميذاً نجيباً لأستاذه باجيو.

(5)

نهار 5 يوليو 94.. أجواء حارة في بوسطن.. يقف أريجو ساكي على خط التماس بلا حيلة قبل دقيقة واحدة من صافرة تُنهي مشواراً بائساً لإيطاليا في المونديال.. فجأة، الأرض تنشق عن روبيرتو موسي، الظهير الأيمن.. يتوغل في منطقة جزاء نيجيريا ثم يُمرر كرة زاحفة على حدود المنطقة.. هناك تمركز روبيرتو باجيو ودونما تفكير يُسدد الكرة بباطن قدمه زاحفة لتعبر عبر الأقدام وتسكن شباك بيتر روفاي.. هدف قاتل أحيا أمال إيطاليا من جديد.. هؤلاء الذين شهِدوا ذلك المونديال يعرفون جيداً أن تلك الثواني شكلت لحظة ميلاد حقيقية للأتزوري في البطولة.

لحظة ميلاد إيطاليا في مونديال 94

يقول الأرجنتيني خورخي فالدانو النجم السابق لسرقسطة وريال مدريد: “باجيو مليء باللذة والمُتعة. يُفكر في كل شيء في ثوانِ معدودة. لديه قدرة فائقة على إنهاء الفوضى الذهنية بمجرد امتلاك الكرة.. هو أشبه بعازف الهارمونيكا.”

كان ذاك أول هدف لباجيو في البطولة، لكنه لم يكن الأول له في تاريخ كأس العالم.. صاحب ذيل الحصان الإلهي سبق وأن سجل في مونديال 90 هدفاً في تشيكوسلوفاكيا عبر عن أبعاد موهبته الفذة ببلاغة.

(6)

لم تكن علاقة باجيو بالمدربين على ما يُرام. لم يُحسن بناء علاقة جيدة مع جوفاني تراباتوني في يوفنتوس، ولا مع خليفته مارتشيلو ليبي. كانت كل الأمور في اليوفي تمضي في طريق خلو الساحة ليكون ديلبييرو هو ديلبييرو الذي شاهدناه.

من يوفنتوس انتقل باجيو لميلان، حيث حقق الفوز بالدوري، وبوجود فابيو كابيلو انتقل إلى بولونيا في صفقة مجانية، والمثير أن كارلو أنشيلوتي الذي كان مُدرباً لبارما آنذاك رفض انضمام باجيو لفريقه في اللحظة الأخيرة بحجة أنه لا يتماشى مع خططه.

كان الكالتشو في ذلك الوقت يمضي قُدُماً في طريقه نحو تهميش دور اللاعب رقم 10، أو صانع الألعاب الكلاسيكي، مركز يُسمونه في إيطاليا “ترياكوارتيستا”. يقول ميشيل بلاتيني: “باجيو هو اللاعب رقم 9.5. مُهاجم مثالي، وصانع ألعاب مثالي.”

قام أريجو ساكي باستبعاد باجيو من قائمة الأتزوري المُشاركة في بطولة أوروبا 96. هل كانت عقوبة على ركلة الجزاء الضائعة؟ ربما، ولعل ساكي لم ينس ما فعله باجيو عندما تم استبداله في مباراة النرويج مُبكراً بعد طرد الحارس باليوكا.. في ذلك اليوم وصف باجيو قرار ساكي “بالمجنون”.

(7)

عام 98.. إيطاليا تستعد لمونديال جديد لكنها تفقد نجمها الأول ديلبييرو للإصابة. تشيزاري مالديني يُقرر ضم روبي باجيو، لاعب بولونيا، لقائمة الأتزوري المشاركة في نهائيات كأس العالم 98. في فرنسا، أنقذ باجيو إيطاليا من الهزيمة أمام تشيلي، لكن لم ينجح في تبديد كابوس ركلات الترجيح الذي طاردهم مرة أخرى ووضع حداً للمسيرة الزرقاء في المونديال للمرة الثالثة توالياً. رغم ذلك، سجل باجيو ركلتي جزاء في تلك البطولة ضد تشيلي وفرنسا.

عقب البطولة انضم باجيو لصفوف إنتر، لكنه لم يتمكن من اللعب مع البرازيلي رونالدو، الذي عانى من لعنة الإصابة. وبوصول مارتشيلو ليبي لتدريب النيراتزوري، قرر باجيو الرحيل إلى بريشيا.. المحطة الأخيرة في مسيرته.

في بريشيا لعب باجيو أربعة مواسم، سجل خلالها 45 هدفاً، وكان شاهداً على اللحظات الأولى لميلاد المايسترو أندريا بيرلو.

يقول باجيو: “وجدت السعادة في بريشيا، رغم أني كنت أعود للمنزل غير قادر على تحمل آلام قدمي”.. اتخذ بعدها قراره بالاعتزال عام 2004 لتبقى مسيرته شاهدة على أنه كان أحد أبرز اللاعبين الذين تجاوزوا بمهارتهم الخارقة حدود الفوز والهزيمة.

تعليقات فيسبوك

تعليقات