الآن تقرأ
هو الذي لا يخشى التورط.. أصغر فرهادي – ريان جيجز

( 1 )

يقول المخرج الإيراني الشاب أصغر فرهادي أن : ” ثمة علاقة بين الشغف والحرية، حين سرى نسيما من الحرية أضحى الانتاج السينمائي وفيرا . أما الآن فتقريبا لا تتوفر الحرية ، وفي ظروف كتلك لن يكون بمقدورنا إنتاج سينما رفيعة . يمكن مقارنة المخرج في الظروف الحالية بعداء في ملعب، قد ينجح هذا العداء ويحصل على الجائزة الأولى مع أنه لم يحظ بحذاء مناسب ولا مدرب مؤهل ولا على قسط من النصائح والخبرات “.

(2 )

2

لم يكن مانشستر يونايتد قد فاز بالدوري الانجليزي منذ عام 1967 حين قرر عام 1986 أن ينصّب الاسكتلندي الناجح أليكس فيرجسون مديرا فنيا للفريق، تلك الفترة التي انتهج فيها العالم مسارا جديدا لكرة القدم، تلك اللحظات التي قرر فيها العالم أن يتوقف قليلا عن مهاجمة البلدان الأخرى و أن يذهب قليلا في كرة القدم إلى النصف الآخر من الملعب .. جاء فيرجسون إلى أولد ترافورد خلفا للعجوز قليل الحيلة رون أتكينسون .. جاء فيرجسون باحثا عن أسطورته الخاصة، ولكنه قرر حينها أنه يحتاج لصنع أساطير أخرى كي يحقق ذلك .. ذلك عندما قرر الذهاب إلى كارديف.

فقط .. ليحصل على ريان جيجز.

( 3 )

3

ربما هذا ما يجعل فرهادي أكثر شغفا بأبطاله من غيره من المخرجين، وهو ما قد يتضح لنا دائما في أفلامه، فنظرة فرهادي للحياة، قد تححقت بفضل اعترافه باختلاف نظرته كإيراني للمسألة الاجتماعية التي يراها  العالم تجاه ايران وسينما ايران.

تحققت كنظرة محايدة لا تعتبر نفسها مظلومة دائما ولا قادرة أبدا، فيرى فرهادي أن ما يراه العالم مشكلة، لا يراه الإيرانيون كذلك فيقول أيضا: *
” لعل ما يقال عن صعوبات العمل في إيران نابع من نظرة الأجانب أو مفهومهم حول إنجاز الأفلام، فما يعتقده الغرب صعوبات ضخمة، لا تعتبر كذلك بالنسبة إلينا ”

( 4 )

4

كارديف مدينة بسيطة هي عاصمة مقاطعة ويلز .. إحدى دول مملكة بريطانيا العظمى . لم تكن تعلم كارديف التي اشتهرت وقتها فقط بقلعتها الخالدة وجامعتها الشهيرة أن لون السماء اليوم أحمر لسبب ما، لم تكن تعلم أنها بصدد أفق جديد اليوم ربما يجعل منها المدينة الأشهر في بريطانيا كلها وأن يتردد صدى اسم ويلز نفسها واسعا بسبب لاعب كرة قدم.

– غريب ! لون السماء عندكم أحمر في كارديف !

سألها الرجل القادم من مانشستر من أجل مهمة للسائق المحلّي الذي رد بابتسامة ويلزية باردة .. قبل أن ينظر إلى السماء قائلا:

– يبدو أن التنين الأحمر غاضبا من زيارة الاسكتلندي يا سيدي

– لا أعلم .. أشعر أنه يرحب بي

( 5 )

5

في فيلمه  ” الماضي ” وكعادته، يتورط فرهادي كثيرا في مشاعره تجاه شخصيات العمل ويدافع عنهم جميعا، وهو الأمر الذي بدا واضحا في شخصية فرهادي وعلاقاته بالأشياء في حديثه عن السينما الايرانية ككل، ببداية موفقة يخبرنا فرهادي في أول الفيلم وبشكل طليعي للغاية عن ما سيصطدم به أبطال العمل في باقي أحداث الفيلم ” الماضي ” هذا الاسم اللعوب الذي تدور حوله في حياء أحداثا يتورط فيها جميع شخصيات الفيلم .. وصولا إلى نهاية شبه مفتوحة .. باستمرار الماضي كمحرك أساسي للأحداث ..

فالماضي .. هذا الجسد النصف ميت، هذا الجسد الذي نشعر تجاهه بالمسئولية ويحملنا هو بالتبعية مسئولية وجوده، سيضغط على يدنا ليذكرنا بأنه ما زال موجودا

أرى فرهادي وهو يغفر لأبطاله جميعا بعد ما ورطهم جميعا في كل أفلامه كمسيح يختبر الصفح كما يختبر الألم والمعاناة.

(6)

6

أُدرك هذا التشابه العظيم بين حياة الإنسان العادي وبين حياة لاعب كرة القدم، لاعب كرة القدم الناجح يبدأ حياته صغيرا يتهافت عليه الجميع كطفل، الكل يريد التودد إليه، الكل يريد الحصول عليه .. الكل يود لو يكون هو الذي أوجده والكل يريده أن يلعب معه

بعد فترة يشعر هذا الطفل بأهميته لدى الجميع، ثم يبدأ في التذمر، يرفض، يبكي، يشعر بالغيرة من أي طفل جديد، يفعل كل شيء لجذب الانتباه .. يفشل.

ولكنه في النهاية لا زال في مرحلة من مراحل طفولته فلا يستطيع أحد أن يزايد على غضبه وتذمره .. بالعكس قد يحاول البعض تهدئته حينا .. أو معاقبته حيناولكنه في النهاية .. طفل عبقري.

يتجاوز الطفل العبقري كل تلك التفاهات ويخبر الجميع إن خبرته في الحياة الآن فقط تسمح له بالتخلي .. وما أدراك ما التخلي، تلك فترة المراهقة العنيفة .. أنا رجل كبير ولا يعجبني الحال.

هذا بالظبط قبل أن يقتنع الجميع ويقتنع هو نفسه باقتراب مرحلته الأهم

النجم..

ربما هي المرحلة الأهم .. هي مرحلة الأب .. مرحلة المسئولية .. مرحلة التوقف عن الجنون  مرحلة ( الشغف )، ربما هي المرحلة الأهم بالنسبة للجمهور ولكن ليس لدى اللاعب

هل جلست مع نجم كرة قدم قبل ذلك!

نعم ربما بالتأكيد شعرت بتلك النظرة الحزينة التي ترقص على كل أبعاد الحكمة،  تلك النظرة التي ينظرها ربان سفينة .. يشعر فيها بأنه يسيطر على كل شيء تلك النظرة الأخيرة التي ينظرها لطاقمه .. ولسفينته .. قبل أن يعاود النظر إلى جبل الثلج الذي لن يستطع تجاوزه..

تقترب النهاية بالطبع .. إنها الحقيقة التي يدركها هو وحده .. يدركها في ههتافات الجماهير ,  يراها في آهاتهم مع كل لمسة للكرة

يعرف أنها لا تدوم .. ولكنه مستمر حتى الآن على الأقل . أنا مازلت هنا

العقد الثاني في ممارسة كرة القدم هو العقد الأخطر .. هو الشيخوخة الكاملة هو لا معنى لاصابتك بكدمة في ساقك اليسرى سوى أن السفينة ستصطدم بالنهاية في أي ثانية

يلعب القبطان بكل ما أوتي من قوة .. حتى لا يشعر بالعجز أو اقتراب النهاية .. يصفق الجمهور , تصرخ الفتيات , يحرز القائد هدفا .. فيتحول لأسطورة

( 7 )

ربما يعد ريان جيجز اللاعب الأكثر تورطا بمشاعره في تاريخ كرة القدم، على الأقل بالنسبة لمشجعي مانشستر يونايتد، وربما هناك من هو أكثر منه في فرق أخرى .. ربما أليخاندرو جونزاليز إيناريتيو أكثر شغفا بأبطال أفلامه من فرهادي

ربما بول توماس أندرسون أيضا

ولهذا .. حديث آخر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كلمات أصغر فرهادي من كتاب السينما الإيرانية الراهنة لندى الأزهري .

 

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
ممدوح زيكا
التعليقات

أضف ردك