الآن تقرأ
“جراد البحر” .. نقد السلطة والقهر

جراد البحر هو خامس فيلم طويل للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس والفيلم الثاني الذي أشاهده له بعد فيلمه الناب .. كما عودنا لانثيموس يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي غريب وغير مفهوم لامرأة تقود سيارتها حتى تصل إلى مكان منعزل به حمارين وتغادر سيارتها لتقتل أحدهما ثم تعود .. بعد ذلك تتوالي المشاهد الغريبة الغير مفهومة التي ترسم ملامح عالم لانثيموس الجديد والذي يشبه عالم فيلمه الناب من حيث كونه عالم فريد من نوعه وفرادته ترجع إلى القواعد والقوانين التي تحكم هذا العالم.

في ذلك العالم نرى أنه لا يستطع شخص أن يعيش منفردا أو منعزلا وبالتالي إن انفصل عن شريك حياته يجب عليه أن يذهب إلى فندق _ يديره رجل و زوجته _ حيث يبحث عن شريك خلال مدة 45 يقيمها هناك وإن لم يستطع أن يتوافق مع أحد سيتحول إلى حيوان ما يختاره هو في بداية إقامته.

وذلك ما حدث للشخصية الرئيسة للفيلم ديفيد (كولين فاريل) الرجل الأربعيني الذي اضطر إلى الذهاب للفندق بعد انفصاله عن زوجته بعد زواج دام 12 عامًا يرافقه أخيه الذي تحول إلى كلب بعد أن ذهب إلى الفندق سابقا وفشل في إيجاد شريكة .. في الفندق نقابل المزيد من القواعد الغريبة مثل تقييد يد الشخص في يومه الأول حتى يدرك أهمية وجود شريك، والمشاهد التمثيلية التي يقوم بها خدم الفندق حتى يوضحوا لرواده أهمية وجود شريك حياة والحرمان من أية أنشطة أو ممارسات جنسية إلا بعد الحصول على شريكة وكذلك العقاب الذي يناله من يقوم بالاستمناء بأن تحرق يده في محمصة الخبز ورحلات الصيد التي يقوم فيها الرواد باصطياد بعضهم البعض ومن يصطاد شخص تزداد عدد ايام إقامته وبالتالي فرصه في الحصول علي شريك مناسب.

حتى الطريقة التي يتم على أساسها تلاقي الشركاء هي أن يتشابهون في صفة من الصفات وإن كان ذلك يشبه العالم الواقعي إلا أن تلك الصفات في عالم لانثيموس قد تكون عرج أو نزيف متكرر من الأنف أو حب نوع معين من الطعام .. وعندما يتم إيجاد شريك يقضي الزوجان معًا مدة في يخت ثم يعودان إلى المدينة.

يعرض يورغوس خلال الساعة الأولى من الفيلم حياة ديفيد داخل الفندق ونشاهد العالم من خلال كاميرا المخرج وزواياه الغريبة والقريبة من الشخصيات وأجسادهم والتي تظهر غالبا منكمشة علي ذاتها في وضع الجلوس والأحاديث الباردة المنطوقة بشكل متقطع وميت معبرة عن اختفاء الشاعرية ومعبرة تعبيرًا حادًا عن الشعور بالخوف والقلق والاحتجاز ويساعد في فيض تلك المشاعر الإضاءة الطبيعية التي تشعرنا بالتلقائية وتدعم الشعور بالتشاؤمية التي تطل بوجهها بقوة بالرغم من الكوميديا الناتجة عن غرابة الأحداث والقواعد .. نرى المشاهد والأحداث تتابع والفندق الذي يمثل أداة تستخدمها سلطة المدينة لتنزع عن الأشخاص فرديتهم وهويتهم المميزة لتستدمجهم في المنظومة الاجتماعية من خلال توحيد الملابس ورحلات الصيد وطرق التلقين والسيطرة التي تذكرنا بمجتمع فرويد الذي ينظم طرق إشباع الرغبات الجنسية ونظامها كي يسيطر علي الأفراد  ويخضعهم لإرادته .. فالأحداث تدور في إطار الحرية التي يتم تقييدها والفردية التي يتم انتزاعها عن الإنسان والهوية المميزة له كفرد التي يتم محوها ليصبح مجرد رقم غرفة وسط مجموعة كبيرة سعيدة بغفلة تقوم بكل ما تمكنه من أمور مشروعة أو خدائع لتحصل على شريك وتنجو من مصير التحول لحيوان وقد تم رفضهم كأفراد من مجتمع المدينة وقوانينه الصارمة.

نرى بعد ذلك ديفيد يهرب من الفندق بعد محاولة فاشلة بالارتباط بالمرأة عديمة القلب انتهت بقتلها لأخيه لتختبر صدق زعمه بكونه مثلها عديم المشاعر فيقوم ديفيد بمساعدة خادمة الفندق بتخديرها وتحويلها إلى حيوانًا ما .. يهرب ديفيد من عالم الفندق الذي هو فيه مضطر إلى أن يبحث عن شريكة أيًا كانت الطريقة بدون أي اعتبار للمشاعر والحب وصدق العاطفة بين الزوجين وبصورة تمسخ العلاقة الإنسانية التي تقوم بين فردين، إلى عالم أخر نري فيه الوجه الأخر للعملة وتكتمل به الثنائية القديمة بين التماسك الاجتماعي والفردية عند الفلاسفة اليونان فنرى عالم الغابة الذي تحكمه سلطة أيضا تمثلها قائدة المجموعة (ليا سيدو) ونرى القواعد الجديدة التي تحكم على الأفراد أن يبقوا منعزلين  ولا يمكن أن يختاروا شركاء أو أن تقوم بينهم علاقة عاطفية أو جنسية ومن يخالف ذلك يعاقب بصور مخيفة من قبل قائدة المجموعة حتى عندما يرقص الأفراد يرقصون فرادى على موسيقى إلكترونية وحتى قبورهم يجهزونها بأنفسهم ويذهبون إليها حين يشعرون باقتراب ميعادهم.

من هناك وخلال رحلات القائدة للمدينة وبرفقتها ديفيد وقصيرة البصر (راشيل ويز) نري لأول مرة المدينة وينشأ شعور بالحب بين ديفيد وقصيرة البصر حين يكتشفا أن كلاهما قصير البصر ويجد ديفيد الحب الذي كان يبحث عنه منذ أن انفصل عن زوجته متحديًا قواعد وقوانين العالم الجديد الذي انضم إليه .. حينما تكتشف القائدة من خلال خادمة الفندق التي كانت جاسوسة لها العلاقة بين ديفيد وقصيرة البصر تحاول أن تبعد بينهما من خلال عملية تسبب في عمى قصيرة البصر وبذلك يختفي السبب والعامل المشترك الذي جمع بينها  وبين ديفيد ونري الاختبار الحقيقي للحب حين يكون علي ديفيد أن يفقد هو أيضا بصره لكي يظل هناك ما يجمعهما خاصة وبعد أن أدرك أن كل ما يجمعه مع قصيرة النظر هو تلك الصفة وحسب والتي فقدتها .. حينها نري المشهد الختامي وقصيرة النظر جالسة في مطعم منتظرة ديفيد الذي ذهب ليفقد نفسه البصر بسكين لكنه جبن وأدرك إنه لن يستطيع أن يفعلها و غادر تاركًا قصيرة النظر تنتظره ..

الفيلم بالرغم من كوميدياه السوداء و بالرغم من عبثتيه الفجة و غرابته إلا إنه ممتلئ بالمعنى فعبثية لانثيموس وعوالمه السريالية ليست مجرد عوالم فاقدة المعني منفصلة ومنعزلة عن العالم الواقعي وإنما هي انعكاس وتعبير حاد (حاد علي مستوي الشخصيات والأحداث والصفات والقواعد) عن بعض صفات ومظاهر عالمنا الواقعي.

إن لانثيموس يستقي مظاهر شخصياته وقيم وقواعد عالمه من الواقع ثم يذهب بها إلى أقصي حدودها و يضفي عليها من خياله الجذاب المبدع فتظهر الصورة في النهاية غريبة وعبثية لكنها معبرة بصورة قوية .. ففي هذا الفيلم أو في فيلم الناب ناقض لانثيموس فكرة السلطة التي تقهر الفرد وتسجن حريته وتسيطر عليه .. أما من خلال التلاعب بالمعرفة واساليب الترغيب والعقاب كما في الناب أو من خلال توحيد الملابس ونظام اليوم والأنشطة المشتركة واساليب التلقين والقواعد الجارية التي يعاقب مخالفيها .. فيلم يورغوس هذه المرة يلعب على أكثر من وتر أدمجهم المخرج بصورة متقنة في سيناريو وحوار أجاد خلقهم، فنري فكرة السلطة بين عالم الفندق المنظم الذي يبدو حضاري ومرفه ومزخرف لكنها منتجات حضارة لتغييب وتجميل الصورة الموحشة للسلطة التي تسلب الإنسان حريته وبين عالم الغابة الذي يبدو كملاذ من ضغط و قهر متطلبات وقواعد مجتمع المدينة لكنه أيضاً نظام سلطوي في حقيقته ويقهر الأفراد ويسلبهم حرية الإرادة ويتخلل كلا العالمين عناصر فقدان العواطف وهزال العلاقات الإنسانية وضعف الأساس الذي تقوم عليه وأليتها الشديدة التي تمسخ روحها وفي خلال ذلك هناك تلك الرغبة الباهتة وذلك الصوت الخافت الباحث عن الحب لكنه وإن كان استطاع فهمه وتحقيقه حيت عارض قوانين الغابة إلا أنه فقده مرة أخرى حين أقامه على أسباب التشابه السطحية ويجمع ذلك كله النظرة التشاؤمية لمستقبل تحكمه السلطة و تفقد فيه العاطفة ولا ملاذ فيه للإنسان كي لا يفقد إنسانيته التي يرسمها الحب والحرية ..

الفيلم حاز على جائزة الفيلم الأوربي لأفضل سيناريو وأفضل مصممة أزياء (سارة بلينكنسوب) التي قامت بعمل أكثر من رائع في تصميم أزياء الفيلم ليتناسب مع كلا العالمين و يعبر عنهما .. كذلك نالت أوليفيا كولمان جائزة السينما المستقلة البريطانية كأفضل ممثلة مساعدة ..

بالنسبة إلى الفيلم يعتبر واحد من أفضل الأفلام التي شاهدتها في حياتي على مستويات عدة لمسة الموسيقي المضافة للمشاهد واختياراتها سواءً كانت الأغاني أو المقطوعات الكلاسيكية لبيتهوفن وسترافنيسكي التي عمقت الشعور بعزلة الأفراد .. والأداء التمثيلي العظيم بشكل خاص من كولين فاريل وانجيليكا بابوليا وان كان يظل اختيار موفق لباقي فريق التمثيل الذي شمل نجوم مثل بن ويشا وراشيل ويز .. الخلاصة فيلم عبقري بامتياز يستحق المشاهدة أكثر من مرة .

 

عن الكاتب
أيمن ماهر