الآن تقرأ
رؤى ارسين الأخيرة في لندن‎

متعجلًا للقاء بصافرة النهاية للحكم اليوناني بشغف أكبر من ذلك الذي ظنّه سيلاحقه عقب افتتاحية ثيو والكوت في بداية اللقاء تأهبًا لهدفٍ رابع في الدقائق الأخيرة يحوله إلى فصل آخر من فصول معجزات ماري ويبرلي، يستند إلى أحد مقاعد الخطوط الخارجية محدقًا ناظريه بجدران ملعب الإمارات المغمورة بصور لكأس دوري الأبطال، ضحكات اليكسيس سانشيز تثير شيئًا ما لديه يجبره على اتباعها بأخريات تشير إلى ثمة احتمالية بأنه لا يمر بالأمر للمرة الأولى؛

تلك الأمسية التي ألهب فتيل الطموحات بها حارسه المونيا بعد أن كان قد منّع كل محاولات المنافس باستثناء محاولة عشوائية أتممها جون أوشي في الأولد ترافولد في مباراة الذهاب، يعود إلى ملعب الإمارات لتكرار محاولته الناجحة أمام فياريال بالدور السابق، في عامه الثالث عشر مع الجانرز يلاحقه أحد أولئك المعدودين الذين اقتنوا ذلك الرقم قادمًا من شرق آسيا بسرعة تجبر كيرين جيبس على الارتباك أمام آخر عثرات ارسين بالدور نصف النهائي لدوري الأبطال، واضعًا الحضور أمام عمل أكثر تشويقًا من ذلك الذي توّج الأخوين كوين بالأوسكار حينها،

سيناريوهات إيثان و جويل تجبره في العام التالي على إيثار العافية و استبدال جيبس بجايل كليشي للانتصار في نهاية الفيلم المعتادة، تُخرجه بتعادل مرضٍ على ملعبه أمام البطل بينما تؤمن في لحظات التصالح مع الواقع في الكامب نو بأن أشياءً خُلقت للتحكم في مسارات الكاتب لا للانصياع لرؤاه كذلك الطوفان اللاتيني الذي أثاره بيب جوارديولا ليحكم العالم برباعيته في مرمى تشيزني،

طوفان ليونيل الذي لم يكن هدفا أرشافين و فان بيرسي ليخمداه بعد عام كامل بلقاء الذهاب، يظهر للفرنسي في صورة كابوس لفظه في سن الخامسة عشر، يعود إليه في الثالثة والعشرين محملًا بكرتين ذهبيتين على كتفيه و كأس لدوري الأبطال أرهق آماله في الحصول عليها بثنائية جديدة في مرمى حارسه البولندي، و ثلاثية أخرى بعد أن ضاعف محمله من الألقاب في مرمى بيتر تشيك بعد ثلاث سنوات؛ استيقظ خلالها على وقع كابوس آخر يدعى بايرن ميونيخ، تحرمه لوائح الاتحاد القاري المعنيّة بحسابات الأهداف خارج الأرض من إنهائه بعد أن رد ثلاثيته في لندن بثنائية اقتسمها جيرو و لورينت كوسيلني  في الاليانز ارينا دون جدوى .

بشيء من الرغبة و كثير من الحذر يخرج من فصول التنكيل بحلم اللقب القاري إثر صافرة حكم اللقاء إلى صافرات أخرى تطالبه بالخروج من العاصمة، يصعد إلى غرف خلع الملابس للحفاظ ببضع كلمات على ما تبقى من أشلاء للموسم المهترئ في وقت تكفّلت فيه النظرات بالمهام كاملةً ، أعين اللاعبين تذكره بتلك التي حضرت في أجساد أسلافهم ليلة الهروب الأعظم عقب ضياع حلم الأبطال أمام برشلونة قبل عشر سنوات؛

يانس ليمان الذي بدا متأثرًا أكثر من أي وقت مضى عقب مشاركته بالنصيب الأكبر في الخسارة بقرار العرقلة السخيف على قدم صامويل إيتو يراه حيًا في هيكل دافيد أوسبينا الذي يخشى أن يسلك طريق الألماني بالرحيل إلى بلاده و إن صمد لعام آخر، لورينت كوسيلني يذكره بسول كامبيل الذي فضل اللعب في مستوى أقل عن الاقتراب من الحلم ليلة بعد الأخرى دون اقترافه، يرتجف حينما يتذكر روبيرت بيريس المرتحل إلى فياريال وقت النظر إلى مسعود أوزيل ، يرى مصير تيري هنري أكثر واقعية لسانشيز من الاستمرار في القتال وحده ، يتشكّك حيال إمكانية تأجيل بداية النهاية للجيل الحديث أكثر من ذلك، في حين يذكره موعد المؤتمر الصحفي بأن نهايته أقرب من نهاية لاعبيه ربما .

داخل النفق المؤدي نحو معقل اللقاء الصحفي يمتعض حين يرى خصمه أنشيلوتي ملاحقًا بسيل من الكاميرات التي ظلت تتبعه لاصطياد حدث مكتسب القيمة من بطل الليلة و ليس من ذاته ، تلك النظرات العابسة تعاود احتلال قسمات وجهه من جديد، نسمات إبريل لم تكن لتحد من حرارة لقاء الإعادة بنصف نهائي الكأس المحلية أمام قطب مانشستر الأبرز حينها بالفيلا بارك، بيركامب بعد إحراز التعادل كان بحاجة إلى أعصاب فولاذية، كتلك التي امتلكها بيتر شمايكل عند التصدي لركلة الجزاء بينهما ، يتساءل كيف كظم غيظه حينما رأى السير فيرجسون يتسلل هربًا من الإعلام عند سؤاله عن ماهية القوة التي امتلكها ريان جيجز آن اقتحامه لخطوط الجانرز بأكملها دون رهبة ،

مقامات الحبكة الدرامية لم يكن لها أن تنتصب دون أن تُكلل بالثأر لعجوز ستراسبورج ، يتذكر هدف ويلتورد الذي منع بريقه بالأولد ترافولد من الانطفاء على يد فيرجسون من جديد، فينجر المتوج بلقب البريميرليج للمرة الثانية يومها أصبح محلًا سائغًا لمطاردات شبكات الإعلام الانجليزي بأكملها، يُطل بابتسامته المعهودة على مشاهدي سكاي سبورتس قبل دقائق من النزول بمسامع مستمعي راديو بي بي سي  متحدثًا في كليهما عن دهائه في الخداع بالاحتفاظ ببيركامب على مقاعد الاحتياط ، يخرج على قارئي التايمز و الجارديان في الصباح بتصريح مقتضب عن شيء ما سيحدثه في المستقبل القريب يقتحم به أبواب التاريخ من باب غير مسبوق المساس في إنجلترا .

يعاود إدراك سرب كارلو أمام عينيه مرة أخرى، لاعبو البايرن في هذه اللحظات كانوا على غير استعداد لانتظار التوجه نحو الحافلة للاحتفاء بمدربهم، تياجو و روبين يكتفيان بمداعبة انشيلوتي في حين لم يحتمل ليفاندوفيسكي أن تمر هذه النشوة دون تخليدها بالقفز على كتفي مدربه، يستمع في أذنيه إلى صرخات جيرار هولييه مدرب ليفربول المتألمة بنفس القدر من السعادة من ملامسة أقدام مايكل أوين لذراعيه الهشين في كارديف ليلة السحق بأحلام فينجر في استعادة الكأس مرة أخرى، تلك الأقدام التي لم تدع الكرة تتعرف على عشب ستاد الميلينيوم وقت أن ركلتها في الهواء إلى داخل شباك يحرسها دافيد سيمان، الذي بدا و كأنه كهل حتى بعد الاستعانة بالعشب أمام يسارية ذلك الفتى الانجليزي المتوج بالكرة الذهبية حينها ،

أوين لم تكن كرته الذهبية لتشفع لفريقه ليفربول من الانهيار بعد ثلاث سنوات أمام ذلك الفريق الأسطوري لفينجر؛ الذي بدا أكثر سعادة حينما عاد به عقله إلى ذلك اللقب ، يتذكر كيف طالته أيدي سول كامبل الصلبة لتعتلي به ظاهريًا أيادي البقية لكنها دونها أن تدري كانت تصعد به إلى الدرج الأعلى من التاريخ الكروي بالبلاد ، يتخطى عقبتي إيفرتون و السيتي في البداية، يظن الجميع أنه قارب السقوط بعد التعادل أمام بورتسموث و مانشستر يونايتد لكنه دون تعريف مسبق يتحول إلى قطار طائر يسحق نيوكاسل و بولتون و تشيلسي المتجدد على يد رومان إبراموفيتش، يستعين بهنري قبل السقوط أمام تشارلتون و ليدز بينما يتكفّل ليونبيرج و بيريس بمهام الوايت هارت لين، يستمر في دهس العقبات تباعًا بما في ذلك هدف لويس ساها المتأخر الذي لم يتركه هنري يعكر الصفو ، يسحق ليدز و فولهام ليحقق ما كان قد وعد به قبل أعوام؛ يحصل على اللقب دون أن يحظى بهزيمة واحدة في ليلة أبى فيها فييرا أن تستند الكأس إلى كتفيه دون أن يكللها بهدف الفوز في شباك ليستر .

يتقدم إلى غرفة المؤتمرات منتظرًا سؤالًا من أحد الحضور عن موعد لقائه الأخير بهم كمدرب للجانرز في حين يذكره وجه مات سكوت باللقاء الأول؛ يتذكر كيف عاد من شرق آسيا بشعرٍ كثيف و نظارة عريضة يدفعانك للوهلة الأولى لتفحصه من أسفل لأعلى للتأكد من كونه الرجل الأول بالنادي العريق أم معلم لمادة الفيزياء بالمدرسة المجاورة ، يجيب على سؤال مات عن طموحاته مع النادي وقتها عن رغبته المولعة بالصعود به إلى عرش القارة العجوز بينما يوقظه الصحفي بالسؤال ذاته ليرد بأنه تركه قاريًا كما أتاه بلا ألقاب ، يبادر فينجر بالسؤال عن معيارية النجاح في بريطانيا و هو الذي لم يفارق الربع الأول من جدول البريميرليج لقرابة الربع قرن قبل أن يذكره الصحفي بعجزه عن اقتناء الألقاب ليستطرد بدوام الاقتراب منها دون أن يقرب مراكز الوسط أو الهبوط كمن ينعت ذاته بالرجل المميز ، وحده يؤمن بأن المداخيل الطائلة التي يزفها إلى جيب ملاك النادي دون أن يبتعد كثيرًا عن منصات التتويج مسهمًا بقدر في صناعة النجوم من العدم ما هي إلا أشياء تدعو الأنصار للفخر به في حين يذكره سكوت بأن الجماهير لا تقتئت على كاهل الإدارة بل تثمنه، بينما ينهي انقضاء موعد اللقاء النقاش المحتدم .

دقائق الخروج إلى حافلة الفريق تعود به مُجبرًا إلى أرض الواقع على وقع ذلك الضجيج المنبعث من مطالبيه بالرحيل الذين ملأوا جنبات العاصمة بأكملها

يصل ارسين إلى منزله بينما تذكره زوجته على الفور بأوان الراحة استعدادًا لبدء رحلة استجماع رمايا اشلي كول في الصباح من درجات الهواة في صورة يافع يدعى كوهين برامال بدلًا من إنفاق عشرات الملايين كعادته لاستقطاب ريكاردو رودريجيز و قرنائه، بينما يجهز ستان كرونكي لحفله الصاخب استعدادًا لاقتحام القائمة النصف مئوية الأولى لأثرياء العالم .

هاجس ما بعد دقائق الإنغراق في وقائع الرحيل إلى النصف الآخر من الحياة يتضح على هيئة كابوس خروجه من ملعب الإمارات ولو لساعات الغفلة فقط ، يخرج من لندن بعد أن عثر في رحلته الطويلة على مختلف مفارقات اللعبة؛ بين لحظات النشوة حتى في غياب الانتصار ليلة اقتسام النقاط مع توتنهام في الوايت هارت لين و الحياة على وقع جحيم الهزيمة غير الاعتيادية أمام جالاتا سراي مطلع الألفية، رأى كل ما أبت الكرة أن تبوح به لغيره بدءً من عزف سيمفونية نوعه الخاص من الكرة ما قبل ميلاد سحرة الإقليم الشرقي بإسبانيا رفقة بيب وصولًا إلى تعاليم الاكتفاء الذاتي حتى في عصر سيطرة رأس المال،

مثقلًا بما لا يُقدّم في أرذل العمر سوى للنابغين أمثاله من ملاذ المجد في باريس أو الصين، و في ليلة يدرك فيها السواد الأعظم من الحضور تراجيديا الختام للمرة الأولى في ذلك الحيز من حدود الكرة الداعي إلى تنصيل العاطفة و الاستئثار بحسابات الورقة و القلم التي لم تكن لتنصفه بقدر إنصاف مجريات الأحداث ، يودّع كادرات الإخراج الأمريكي الرديئة التي بدا متشبثًا بها حتى المشهد الأخير،

يدخل إلى الهايبري للقاء الأخير بشغف مراهق في العشرين من عمره، تتبدل النظرات إليه ما بين ملائكية عقده الأول و الاستسلام الفطري للنزوات في الثاني، ، بين كهل لم يعتد للخطوط الخارجية رأسًا غيره و يافع يستبعد وجودها بدونه، يتوحد الهتاف المنقسم سلفًا بين مطالبته بالرحيل أو التصديق به إلى آخر يطالبه بالصعود إلى المدرج الشمالي المحبّذ للاستمتاع باختصاص الحياة له ببطء النهاية و لين القلوب بالرمق الأخير .

عن الكاتب
حسام إبراهيم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق