الآن تقرأ
الديك و الكولونيل

“وحتي ذلك الحين ، ماذا سنأكل؟” ثم جذبت الكولونيل من عنق قميصه الداخلي و هزته بقوة:”قل لي ماذا سنأكل ؟،لقد احتاج الكولونيل لخمس و سبعين سنة دقيقة بدقيقة الي هذه اللحظة ،فأحس بالنقاء و الوضوح و بأنه لا يقهر في اللحظة التي رد فيها : خراء….سنأكل خراء“.

بهذه الكلمة اختتم جابريل غارسيا ماركيز رائعته (ليس لدي الكولونيل من يكاتبه) بعد أن انتظر الكولونيل سنين طويلة كي يصله الراتب التقاعدي فهو محال الي التقاعد و لا يملك شيئا سوي سلطته العسكرية المتقاعدة هي الأخري و زوجة لا تملك من الأمر شئ سوي القسي و الحزن من طول الانتظار و الفقر الذي ينهش في أجسامهم و مرض الربو و الشتاء الذي لا ينتهي ، قال  الكولونيل : “انه الشتاء الذي يجعل أحشائي تتعفن “.

تقول زوجته التي لم يسميها ماركيز :”عشرون سنة و أنا أنتظر العصافير الملونة التي يعدونك بها بعد كل انتخابات ، ومن كل هذا الانتظار بقي لنا ابن ميت ….لا شئ سوي ابن ميت. “

الكولونيل الذي شارك في حرب الألف عام بين الحزب الليبرالي الكولومبي و حكومة المحافظين الوطنين و من أحداث الرواية يتبين أن حزب المحافظين هو الذي انتصر و استولي علي مقاليد الحكم في كولومبيا ، فكل شئ تحت الرقابة ، الشعب يعلم عن أوروبا أكثر مما يعرف عن أوضاع الشعب الكولومبي بسبب التعتيم الاعلامي و تعطيل كل وسائل نقل المعلومات في هذا التوقيت ، ابن الكولونيل اوغسطين قتل في ليلة و هو يوزع منشورات ضد السلطة السياسية، أصوات نفير المعلن عن حظر التجوال كل ليلة قبل أن ينام الكولونيل و زوجته ، كأنه الصوت العام الذي يمتلئ به الهواء ، فوهة البندقية التي قتلت ابن الكولونيل متوجهة نحوه في هذا المساء داخل صالة البلياردو في جيبه منشور سري ضد الحكومة و بجانبه أصدقاء أوغسطين الأوفياء له و لزوجته و لكنه ينتظر ابن ميت أو ينتظر الموت هو الآخر، بعد كل هذه المعارك الطاحنة و خدمة الوطن كولومبيا من وجهة نظره ، ينتظر الموت أو التسول جوعا لأنه لا يملك ما يعيش به ، كل ما يملكه هو الانتظار للرسالة التي ستأتي ، ملايين في هذا العالم ، البشرية جمعاء تنتظر الخلاص ، الأمل في غد مشرق ، تنتظر الموت الذي حتما سيأتي ، قال الكولونيل :”بعد وقت قصير سيصلنا الراتب التقاعدي. ” يرد عليه صديقه دون ساباس العضو في البرلمان و الوحيد في القرية الذي يتغذي علي لحم أهلها “انك تقول هذا الكلام منذ خمس عشرة سنة. ” يرد الكولونيل: “لهذا لا يمكن أن يتأخر الراتب كثيرا !” ، ليس هناك عجب مما حدث ، فكل من ضحي و آمن بوطنه مشردا لا يأمن علي ما سيأكله غدا .

“ان ماعليك الآن عمله هو أن تلتهم هذه العصيدة : قالت زوجته ، يرد الكولونيل :”انها لذيذة جدا ، من أين طلعت بها ؟ ” أجابت :” من الديك ، فقد أحضروا الشبان كثيرا من الذرة ، و قرر هو الديك أن يقاسمنا اياها …..هكذا هي الحياة ” قال الكولونيل :” انه يكفي لاطعامنا ثلاث سنوات “.

وهنا تأتي حكاية الديك الذي لم نسمع صياحه طوال أحداث الرواية ، كأنه أخرس مثل الكولونيل ، الديك رمز للسيطرة و الذكورة المنسية خلال خريف العمر ، القرية كلها و أصدقاء ابنه أوغسطين و زوجته و الدكتور المعالج و الديون المتراكمة و دون ساباس منتظرين أن ينتصر الديك في حلبة مصارعة الديكة و تأتي المراهانات لتحل كل المشاكل و هو انتظار آخر ، و لكن في رحلة الانتظار تتخلي عن أشياء كثيرة و تفقد أشياء أكثر ، ففي كل يوم تخرج زوجته لتبيع أثاث المنزل ، وفي اشارة لبيع زوجته خاتمي الزواج :” لقد ذهبت الي الأب أنخل ، ذهبت لأطلب منه قرضا مقابل خاتمي الزواج ؟…قال لها الأب أنخل الذي يراقب دور السينما : ان المتاجرة بالأغراض المقدسة خطيئة ” تشعر بأن الكولونيل محبوس في زنزانة الانتظار و المرض و الوحدة ، ولكنه ليس وحيدا معه زوجته ، ذكريات المعارك العسكرية و صراعاتها ، ابنه المتوفي ، دكان الخياط هذا المحل هو مأواه الأخير منذ أن أخذ رفاقه في الحزب يموتون أو يطردون من القرية، الآمال الباقية هي في التعلق بالديك ، الحياة الباقية ان أردت أن تستمر في عزة نفس و كبرياء هي في الانتصار و بما أن الكولونيل شخص مهزوم ، فيجب استدعاء الانتصار في الفارس القادم وهو الديك !

” بكم نحن مدينون لك أيها الدكتور؟ ” قال الكولونيل ، أجاب الطبيب :” لاشئ في الوقت الحاضر سآتيك بقائمة ديون كبيرة عندما يكسب الديك .” ، ولكن لشدة الجوع و العوز أراد الكولونيل أن يبيع كل ما يستحوز علي عقل و هو الديك و انتصاره القادم ، أمل النصر هو الذي يبقينا أحياء بعد الهزيمة و الأسوء من الهزيمة هو انتظار النصر :” ان العالم سينهار بينما صديقي الكولونيل مهتم بشأن الديك.”

خرج الي الشارع يدفعه هاجس أن الرسالة ستصله هذا المساء و بما أن موعد المراكب لم يكن قد حان ، ظل تائها ، في الانتظار تيه عن الهدف ، خلاصا من النهاية التي تحيط بنا ، دعونا نقلب الصورة ، اذا كان هذا الكولونيل من الذين انتصروا و تقلدوا السلطة ، أكان سينتظر شئ ؟ هل لو نجح في الانتخابات و أصبح رئيسا لجمهورية كولومبيا ، أكان سينتظر فوز الديك في مصارعته ؟ أكان سينتظر الموت ؟ ان أصبح رئيسا للجمهورية ، أكان سينتظر رسالة ؟ أكان ليس لديه من   يكاتبه ؟ أكانت أمعائه تتعفن و ينمو فيها النباتات ؟ أكانت زوجته تصيح و تقاوم بكائها من قلة الطعام ؟ أيقتل ابنه ؟ .

الكولونيل المنتصر كالديك في حلبة المراهانات ، يستولي و يصيح ، لا ينتظر بل يخلق الانتظار و المرارة في الملايين و الكل يشاهد صامتا أو باكيا أمام حلبة المراهانات ، دامت كتاباتك خالدة أيها الماركيز.

عن الكاتب
شادي ناجي
مهندس و كاتب