الآن تقرأ
” LA STRADA عندما يصاب الإنسان بالفقر ” (2-2)

تقع جلسومينا في حب الوحش زامبانو . عيناها تخطفه وتحبسه داخل أحلامها بعد أن يغسله خيالها من قذارته وعنفه . الفتاة هي المتحكمة في أحلامها التي تمنحها السعادة والقوة بأن هناك هدف لابد من تحقيقه . جولييتا ماسينا برعت في استخدام عيونها عندما تنظر لزامبانو فقد ساعدتني أن أذهب بخيالي داخل أحلامها فرأيتها تحلم أنها تزوجت من زامبانوا واستسلم لطيبتها وقرر أن يكون زوجها
ها هي تعد له الفطور وتضعه فوق المائدة الخشبية البسيطة تقوم بإيقاظه فيصحو مبتسمًا لها ويدنو من المائدة ويقوم بتلاوة صلاة الشكر للرب على فوزه بهذه الأنثي حتى ينتهي من صلاته فيقوم ويخطفها ويلف ذراعيه حولها هامسا في أذنيها بأنها أجمل ما رأت عينه من نساء ويسكر عقلها بحلو الكلام ثم انتقل إلى حلم آخر ها هي جلسومينا تقف أمام المرآة تتحرر من ملابسها ثم تفك مشد صدريتها وتتأمل ثدييها المتضخمان والدائرتان حول الحلمتين تحولوا إلى السواد فتصرخ في سعادة أنا حبلى من وحشي الأليف زامبانو . لكن دائمًا ما كان صوت زامبانو وإهانته لها يطردها من أحلامها لتصتدم بالواقع الموحش الذي يمثله والتي تحاول تجميله ظنا منها أنها ربما قد تنجح
يتم تنظيم سيرك في المدينة ويتم استدعاء زامبانو والمجنون ومن هنا تتعرف جلسومينا على المجنون الذي يحاول التنقيب داخل تلك الأنثى الذي يراها غريبة أيضا ويدرك أنها واقعة في حب زامبانو فيحاول أن يقدم لها بعض النصائح حتي يقنعها بأن زامبانو يحبها هو أيضا لكنه يمتلك دوافع تمنعه من الاعتراف لها .تطلب منه أن يقوم بتعليمها العزف علي آلة الترومبيت حتي تبرع بعض الشيء في استخدام هذه الآلة وتقوم بتأليف لحن بسيط . يجتمع زامبانو وجلسومينا والمجنون وصاحب السيرك للاستعداد والتدريبات قبل العروض فلا يستطيع المجنون السيطرة علي نفسه من الضحك يحمل المجنون وعاء ماء ويقوم بسكبه فوق رأس زامبانو ويهرب مما يجعل الأخير يصاب بالغضب والرغبة في الانتقام . فيتم طرد المجنون وزامبانو من السيرك
يقع المجنون في يد زامبانو فيحاول الأخير الانتقام منه وسط صرخات جلسومينا التي حاولت تحذير زامبانو من بعيد لكن دون جدوى ، يقتل زامبانو المجنون دون قصد . تصاب جلسومينا باليأس والاكتئاب حيث تكتشف أنها مخلوقة ضعيفة فقيرة لم تستطيع أن تحمي المجنون من غضب زامبانو. يكتم زامبانو علي جريمته ويلاطف جلسومينا حتى لا تقوم بإبلاغ البوليس عنه . جلسومينا لا تستطيع العمل كما كانت قبل واقعة قتل زامبانو للمجنون . هنا تدرك بأن عليها الاستسلام لبرودة الحياة الذي عبر عنها فيلليني من خلال الشوارع المليئة بالثلوج والشجر الذي هجرته أوراقه حتي يقرر زامبانو تركها وحيدة مع آلة الترومبيت التي أحبتها وقد ظهر عليه أنه قد تخلص منها متأثرًا وحزينًا لربما أحب أن يهرب بعدما حطم حياتها لقد ظن أن هروبه منها ربما يعيد لها حياتها القديمة الساذجة البسيطة فالبحر والاطفال والطبيعية كانوا العالم الأفضل الذي كان يجب ألا تخرج منه جلسومينا . ليستكمل حياته لما يمتلك من برودة في المشاعر وغلاظة قلب والقدرة علي نسيان من يقوم بتحطيهم . هذا ما قد ظن
يستكمل زامبانو حياته ويستعين بامرأة أخرى تدق له علي الطبلة وفي أحد الأيام يسمع صوت لحن مألوف له فيتذكر أنه لحن جلسومينا فيذهب إلى اتجاه الصوت حتى يجد فتاة تقوم بعزف اللحن وتستخدم نفس ترومبت جلسومينا فيسألها عن جلسومينا فتخبره أن عائلتها عثرت عليها وكانت مصابة بالحمى فقامت أسرتي برعايتها وكانت تعزف جلسومينا لنا لحنها الجميل حتى ماتت . بدون أي مقاومة يستسلم زامبانو ويلتف حوله الحزن والندم والضعف وكأنه يتعرف علي هؤلاء الزائرين لأول مرة والذي عاش حياته هاربًا منهم فيكتشف أن امتهان القوة في ذلك العالم ليست سوى مخدر قصير المدى مهما ظهر عكس ذلك… الإنسان لن يستطع اكتشاف عالم جديد مناسبًا لنفسه ولما يطمح مهما كانت قوته . فخلية النحل التي تسكن شجرة جوفاء معتمدة على ” الشغالة ” لحراستها عن طريق لدغها للأعداء لن تستطع حماية نفسها من خطر الفيضانات
لماذا ماتت جلسومينا دون ان نرى مشهد موتها ما الذي قصده توليو وفيلليني من ذلك ؟ اعتقد أنهم قد تعمدا ذلك لمفاجأتنا بأن العالم لا يشعر بأحد ولا يبكي علي أحد برغم أن إنسانة طيبة مثل جلسومينا قد ماتت وغادرته
يحاول زامبانو نسيان كل شيء ونسيان هذا اليوم شديد الإرهاق فيذهب إلى حانة ليلية ليسكر لكنه يفشل فيهرب إلى البحر وحيدًا متألمًا عكس ذلك البحر الذي خلقه الله راضيًا بوحدته . فلو كان البحر يشعر بجميع من عشقوه لأغرق الأرض من حزنه عليهم . وهذا ما وضعنا فيلليني وتوليو أمامه عندما يتمشى زامبانو بأقدامه علي شاطيء البحر فتلامس المياه أقدامه فينظر إلى قلب البحر صامتًا بكل حزنه فلا يجيبه البحر مثلما فعل مع جميع من سبقوه من الحزانى والنادمين والمهمشين والمظلومين . الإنسان يمتلك الإجابات لكل شيء لكنه يحاول إغفال ذلك ليشرك معه أي شيء ليشعر بالتعزية حتى ولو كانت وهمية أو مزيفة
يخرج من البحر بلا إجابة فيرتمي علي الرمال يتذكر السماء مسكن الرب فيرتفع برأسه نحوها ويركز نظره عليها فيشعر بالخوف من الرب ومن خطاياه فلا يجد أمامه إلا البكاء والإمساك بالرمال . فلقد تسببت حماقته في مغادرة جلسومينا من كوكبه القبيح . زامبانوا شعر بالندم على قتله دون قصد للمجنون لكنه استطاع أن يعيش ويستكمل حياته عكس جلسومينا لأنه بكل بساطة أحبها . وهذا يعكس حياتنا جميعا نحن قد نتأثر بموت فنان نحبه لكن ذلك النوع من الحزن لن يمنعنا من تناول وجبة العشاء علي عكس من نحبهم بشدة ولا نتخيل حياتتا بدونهم . وأخيرًا لم تستطع قوة زامبانو التغلب علي طيبة وسذاجة جلسومينا
حصل فيلم la strada على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 1954 . والعديد من الجوائز العالمية . وتم تجاهل أبطاله هؤلاء المشخصاتية العظماء من جوائز الأوسكار مثل غالبية فنانين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. الجدير بالذكر أن أكاديمية وعلوم الصور الأوسكار قامت بمنح فيلييني أوسكار شرفية قبل وفاته مثلما فعلوا مع ألفريد هيتشكوك وغيره من عظماء المخرجين والمؤلفين والممثلين . ماذا لو لم يحصل فيلم الطريق علي أوسكار أفضل فيلم أجنبي ؟ الأوسكار أو أي جائزة ليست هي الهبة التي تقيم الفيلم وإذا اختارت أي فيلم سوف تحيه أو تقتله ، فالمشاهد يشاهد الفيلم أولا قبل ترشيحه للجوائز ويدافع عن فيلمه الذي فضله وانتقاه من بين العديد من الأفلام عن طريق دوافع الاتجاه المسبقة لديه والدليل علي ذلك أنني قمت بإعادة مشاهدة الفيلم منذ سنتين وأتذكر عند مشاهدتي الأولى للفيلم أحببته دون أن أعلم بالجوائز والشهرة التي فاز بها . ومن اسبوع شعرت برغبة الكتابة عن شخصيات الفيلم وأن ابتعد عن النقد الأكاديمي قدر المستطاع .، لذلك دائما ما أؤمن بأن الفيلم الجيد خير من يخلد نفسه سواء حصل علي جوائز أو لم يحصل .

لقراءة الحلقة الأولى اضغط هنا

عن الكاتب
رومان صبري
التعليقات

أضف ردك