الآن تقرأ
الأربعون (قصة قصيرة)

أمي .. أبي .. لا أعرف إن كان لديكما علم بهذا أم لا، ولكن عمري أصبح أربعين سنة اليوم .. بدءً من الآن سأردد في داخلي برعب أقوى تلك الاستغاثة اليائسة التي ظللت أرددها لنفسي منذ عشر سنوات بالضبط؛ أي منذ اليوم الذي أتممت فيه ثلاثين عامًا: (لقد أصبحت كبيرًا جدًا) ..

نفس الكلمات المقبضة التي كنت ترددها لي يا أبي دون أن يسمعها أحد آخر .. كأنك لم تعثر على كائن تستطيع أن تخبره بهذا الذي أصبح تعريفًا لحياتك سوى طفلك الصغير .. طفلك الذي كان يتأمل نظرتك المتوسلة، وملامحك الخائفة، وصوتك الخفيض المرتعش دون أن يجد في رصيده المحدود لدى العالم ما يصلح لإنقاذك، ولو مجرد كلمة مواسية؛ فيبقى صامتًا .. نفس الطفل الذي ظل يربت على ظهرك بعدما كنت تناديه إلى حجرتك، وتطلب منه أن يغلق بابها ثم تخبئ وجهك في حضنه وتبكي بحرقة شديدة ..

كانت عينيّ تتطوحان بين أشباح الحجرة التي أغمضت بصرك عنها، محاولا استجوابها بشفتين مطبقتين عما أصابك، فلا تخبرني بشيء .. كانت تتوالد من عينيّ حينئذ أكثر من عين باطنية، تفتش بجزع في اللحظات والأيام السابقة لهذا الطقس السري المتكرر بيننا دون أن تعثر على سبب لبكائك .. تعوّدت أن أربت على ظهرك فقط وراء الباب المغلق، ولا أحكي لأحد، وأشعر كل مرة أن يديّ الصغيرتين مقارنة بظهرك الضخم غير كافيتين للقضاء على آلامك، بينما بقي نحيبك مبهمًا في ذاكرتي لسنوات طويلة ..

سأظل أردد تلك الاستغاثة اليائسة في داخلي بذلك الرعب المتصاعد لأنه ليس لدي شخص آخر يمكنني أن أتجرأ وأقولها له، حتى طفلتي الوحيدة لا أظن أنني كنت سأستطيع أن أخبرها بذلك لو كانت تمتلك عمرًا أكبر .. لكنني في المقابل انتظرت حتى طال ذراعاها بما يكفي لأن أخبئ وجهي في حضنها، وأبكي بحرقة شديدة، بينما تربت يداها الصغيرتين على ظهري وراء باب حجرتي المغلق ..

هي لم تحك لأحد عن ذلك يا أبي، وأعرف أن لعينيها اللتين تتطوحان داخل الحجرة التي أغمضت بصري عنها نفس النظرة المصدومة، وأنها تستجوب نفس الأشباح التي لن تخبرها بشيء .. أعرف أيضًا أن بكائي لن يظل مبهمًا في ذاكرتها كل هذه السنوات الطويلة .. (لقد أصبحت كبيرًا جدًا) .. إنها الكلمات الأكثر رحمة لأن تقول لشخص ما ـ كأنك تعترف بحقيقة مؤكدة ـ أنك ستموت قريبًا.

إبنتي (ملك) ولدت في نفس يوم ميلادي، وأصبح عمرها ست سنوات اليوم .. كبرت يا أبي رغمًا عني بسرعة لا يمكنني استيعابها .. أصبح بإمكاننا أن نخرج سويًا، ونمشي وحدنا، ونتكلم .. أن نبدأ رحلة جديدة لفقد الأحلام التي لن يمكننا حتى امتلاكها .. نمشي في الشوارع يا أبي التي تعرفها .. التي تغيرت، ولكنها لم تتبدل ..

الشوارع التي لم نمش فيها معًا كثيراً، وهي ذاتها التي كنت تسير فيها وحدك بعد أن تهرّب منك من كنت تريده أن يكون صديقًا لك، ولم تجد بعده من يشاركك المساء .. كنت تصادفني أحيانًا مع أصدقائي فتشعر بالغيرة .. أنا أعذرك؛ فأنت لم تكن ترى سوى مشهد تقليدي مخادع لرفقة سعيدة من الأصدقاء المنسجمين ..

كيف كان يمكنك يا أبي أن تدرك بأنني كنت أستعد كي أكون مثلك .. بلا أحد .. أتجهّز للتيقن من أنني طوال الوقت كنت مثلك، وأنني فقط كنت أقاوم هذا .. كان ينبغي في تلك اللحظة أن أتركهم يا أبي، وأن أذهب إليك تحت هذه السماء المظلمة، وبين مصابيح المدينة الساطعة، التي لا تقدر على إضاءة أي شيء .. كان يجب أن أتأبط توهانك وعدم تصديقك، وأن أعود بك إلى المنزل، وأن أجلس معك .. أقسم لك يا أبي أنني كنت أفكر في هذا كلما تقابلنا في تلك المواعيد الخبيثة، التي كنت تمشي خلالها على رصيف، وأنا وأقراني نتنزه على رصيف آخر .. أقسم لك أنني تمنيت أن أفعل هذا، ولكنني لم أستطع .. الآن بعدما أصبحت لا أقابل أحدًا، ولا أتحدث مع أحد، يمكنني أن أستوعب أكثر من أي وقت مضى لماذا كنت ترفع يدك بالسلام وأنت سائر وحدك لعابرين لا تعرفهم .. ربما تصورتهم أشخاصًا آخرين، أو ربما كنت تتحجج بهذا التشابه كي تشير إليهم .. كنت ترفع يدك بالسلام لعابرين لا تربطك بهم سوى علاقات شاحبة، جعلتك منسيًا تمامًا في أذهانهم، أو على الأقل جعلتهم لا يتذكرونك جيدًا ..

لقد قررت أن أبقى في البيت محاولا ألا أُكمل الطريق إلى ذلك المصير .. كي لا أرفع يدي بالسلام للعابرين الذين قد يكونون أبناءً لأولئك الذين كنت تشير إليهم، فيقابلونني بمثل ما كان آباءهم يواجهونك به .. يتجاهلون تحياتي، أو يبتسمون في وجهي بسخرية دون رد، أو يرفعون أيديهم بشفقة متعجبة .. لقد قررت ألا أخرج من بيتي لأنني كنت قد بدأت أعيش هذا المصير منذ زمن طويل يا أبي دون أن أخبر أحدًا .. نعم يا أبي، كنت أفعل ذلك حتى وأنا أمشي أو أجلس وسط ما كان يبدو أنها صحبة متناغمة لن تتفكك .. كنت ستعرف كل هذا بمفردك لو كان بوسعك رؤيتي الآن بينما أوزع (صديقي الغالي)، (صديقي العزيز)، (صديقي الحبيب) على كل هؤلاء الذين يدّعي فيسبوك أنهم (أصدقائي) .. لكن البقاء في البيت لن ينقذني من تلك اللحظات النادرة التي أخرج خلالها فأجدني دون انتباه أحاول تبادل دعابة صغيرة مع بائع الجرائد مثلما كنت تفعل مع العامل أمام ماكينة عصير القصب في ظهيرة الثمانينيات ..

لن ينقذني من تجهم بائع عصير القصب الذي امتد عبر ثلاثين سنة ليستقر في وجه بائع الجرائد .. لن ينقذني من الحرج النادم الذي كان يخفض رأسك وأنت تسير مبتعدًا، كأنك تحاول تثبيت إيمانك بأن طعم القصب هو كنزك الوحيد من الدنيا مثل صفحات القصص القصيرة التي أعود بها إلى منزلي .. البقاء في البيت لن ينقذني من احتضارك وموتك يا أبي.

أنت لا تعرف أم (ملك) .. إنها الفتاة التي كانت تنتظرني دائمًا تحت لافتة (كلية التجارة) في نهار التسعينيات .. التي لم يكن معي ذات يوم نقود للذهاب إليها، وحينما رفضت أمي أن تعطيني؛ حطمت اللوح الزجاجي لباب حجرة الصالون، وسالت دماء غزيرة من يدي .. أنت لم تكن تفهم كل هذا .. كل ما رأيته وأدركته أن طفلا أصبح رجلا فجأة؛ يزعق ويسب ويحطم الأشياء ويُخضِع هواء البيت بجرأة دمائه .. كنت ترى وتدرك نفسك جيدًا أيضًا .. عجوز ضعيف، حائر، غير قادر على التحكم في شيء، حتى جسده .. هذا ما جعلك بعد ذلك المشهد بأيام قليلة، تنتهز غضبك من أمر ما لتضرب اللوح الزجاجي لباب حجرتك، فسالت الدماء من يدك .. لم تكن هناك فتاة في انتظارك كي تفعل هذا من أجلها يا أبي .. لكنك في المقابل، وبعد أن أجلستك أمي على حافة السرير، لتحاول تضميد جرحك، ظللت تصيح في وجهها بعتاب مذهول، طالبًا منها أن تتذكر كيف كنت تصحبها مساءً للتمشية في شارع البحر، وكيف كنتما تعبران كوبري القطارات إلى الجانب الآخر، ثم تعودان من كوبري السيارات في الليالي القديمة .. كأنك كنت تريدها بكل ما تختزنه من لهفة وفزع أن تُخرج من الدولاب حقائبك التي لم تُفتح منذ زمن بعيد، وأن تضع صور الأبيض والأسود أمام عينيك، وأن تساعدك على الدخول إليها سويًا .. لم يكن في يدها شيء من أجلك يا أبي، لذا لم تجد ما تفعله بتلك اليد الفارغة سوى أن تربت بها فوق كتفك حتى أطبقت شفتيك، ولم تتكلم طوال ما تبقى من سنوات عمرك أبدًا.

 

(ملك) تسألني عنك يا أمي .. لم تشاهدك إلا في الصور، ولكنها حينما تريد أن تتحدث معكِ؛ تأتي وتسألني عنكِ .. تريد أن تعرف كيف كنتِ؛ فلا أعرف بماذا أجيبها سوى بأن أنتزع ورقة من كراسة، وأصنع لها مركبًا صغيرًا مثل الذي كنتِ تنشأينه من أجلي، ومع كل ثنية للورقة في طريق الحصول على المركب؛ أستعيد يديك، ونظرتك الساهمة من وراء النظارة ذات العدستين السميكتين .. كأنني أشكّل ملامحك الحقيقية لها عبر تلك الثنيات المتتابعة إلى أن يكتمل المركب، وتتبدد ملامحك بينما يد (ملك) تحركه في بحرها المتخيل .. تتبدد ملامحك يا أمي ليس فقط لأن المركب لن يساعدها على رؤيتك بالفعل، مثلما أعجز أنا أيضًا عن استردادك، ولكن لأنه لن يصل بها كذلك إلى الشواطئ التي لم نستطع أنا وأنتِ بلوغها .. (ملك) تشبهك كثيرًا، كأنها نسخة مصغرة منكِ، وستصدقينني حتمًا لو راقبتِ شرودها المعتاد دون أن تشعر ..

هل تعرفين يا أمي؟ .. (ملك) تحتضنني، وتقبلني، وتغني لي (بوسة على الخد دا، وبوسة على الخد دا .. الخد دا لا يزعل، ويغير م الخد دا .. واحدة ع الشِمال، والتانية ع اليمين، والتالتة ع الجبين .. يا عيون ماما إنت، قولي طالع لمين، جميل بالشكل دا) .. كأنك تعودين من خلالها لتقومي بما كنت أتأمل (وردة) وهي تفعله في (أوراق الورد)، وأفشل في تصورك وأنتِ تحققينه لي .. لكنني لم أجد فرصة من قبل لأن أقول لكِ بأن حضنك النادر، الذي تلاشى مبكرًا كان يعوضني عن كل شيء .. كان تذكره يعوضني عن كل شيء.

هكذا ستنتهي حياتي يا أمي بتلك الطريقة العكسية .. سأعود طفلا بلا ذاكرة كما حدث لأبي، وستصبح (ملك) هي أمي .. ربما هي التي ستهرع إلى الشوارع بحذائها المنزلي، وبالعباءة السوداء فوق ثياب النوم لتبحث عني حينما تستيقظ وتكتشف أنني لست في البيت .. أنني عندما خرجت من الحمام؛ قررت بدلا من العودة إلى سريري لاستكمال النوم، أن أفتح باب الشقة، وأن أخرج حافيًا، بالبيجاما، دون أن أعرف أين أنا، وإلى أين سأذهب .. ربما سيعثر عليّ أحدهم يا أمي في نفس المكان الذي وجدوا فيه أبي .. أمشي بجوار النهر حيث تعوّد أن يسير دون كائن آخر يتكلم معه، أو يحمل عنه بعض الحيرة التي كانت تثقل ابتسامته المرتبكة دائمًا ..

ربما سأرجع معها يا أمي، هادئًا كما يليق بطفل افتقد سريره، وبنفس الصمت القديم، وبالنظرة ذاتها التي كان يتطلع بها أبي إلى الوجوه والأشياء من حوله وهو عائد إلى البيت، كأنني أحاول العثور على ما لا يمكن وصفه .. (ملك) يا أمي، هي التي بعد فترة قصيرة من ذلك اليوم ستحكم إغلاق باب البلكونة في مساء ممطر كي لا يتسلل البرد الذي لن أتمكن من التعبير عن شعوري به، وهي التي ستطفئ ضوء الحجرة حتى أنام، وهي التي ستحكي عن تلك الدموع التي رأتها في عينيّ المفتوحتين حينما أرادت أن توقظني في نهاية هذا المساء، ولكنني لم أصحو أبدًا.

أنا لا أعرف ماذا ستفعل (ملك) من بعدي يا أبي .. أنا لا أعرف ماذا ستفعل وأنا مازلت معها يا أمي .. أنا لم أعد أفعل شيئًا في حياتي سوى الكتابة والبكاء .. أكتب كثيرًا، وبسرعة متزايدة، كأنني أحاول ألا أنسى شيئًا .. كأنني أحاول اللحاق بكل شيء .. كأنني أحاول الوصول إلى شيء غامض سينقذني قبل انتهاء الوقت .. أصبح كل شيء يجعلني أبكي: تأمل الماضي .. مشاهدة الناس من الشرفة .. النظر إلى الغيوم .. الاستماع إلى الأغنيات القديمة .. التفكير في الموت .. الجلوس بمفردي وراء باب مغلق .. كتابة هذا القصة تُبكيني .. لكنني أصبحت أيضًا كلما ضحكت لأي سبب أجد صعوبة كبيرة في التوقف .. أنا الذي لم أكن أقدر على التحدث إليكما وأنتما على قيد الحياة  .. هكذا، أصبح عمري أربعين سنة اليوم.

 

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
ممدوح رزق
ممدوح رزق
التعليقات

أضف ردك