الآن تقرأ
٥ مشاهد من ” حدوتة مصرية ” سترى فيها حياتك  

المشهد الأول .. يتحرك العاملون في الاستوديو بطريقة عشوائية – مرتبة وكأنهم طرفي ستار ينفتح معلنًا عن بدء مسرحية، أول ما يظهر من البطل معصمه بأكمام مشمرة وسبابة توزع الأوامر وتحمل بمعاونة الإصبع الأوسط “سيجارة” تلخص علاقة الطفل – الكبير بعالمه الذي خلقه على مدار عقود مضت من حياته.
هكذا يبدو لنا المشهد الأول في ( حدوتة مصرية ) وكأننا على أعتاب عالم يقف خالقه في قلبه مأزومًا، يكاد يلتقط أنفاسه بعد ساعات عمل طويلة، يفرغ كل توتراته من الرقابة السياسية وهو يصرخ في وجه مساعده المنهك، يعطي أمرًا للمجاميع كي تتحرك ثم يصيح فيهم ( لاااا … غلط ) وكأنه يصدر حكمًا على حياته الماضية التي منحه القدر فرصة أن يصنعها كما يريد، ثم صارت سجنًا كبيرًا يكاد يقتله.

وجوه الأبطال التي تأتيك مع موسيقى التتر مصبوغة بشيب مصطنع، وكأن المخرج لون كل العاملين بمرحلته العمرية، فلا تجد الصورة السينمائية المعتادة التي تحاول أن تحاكي حياتنا الواقعية ولكن عالم من خواطر المخرج وقد تجسدت في صورة بشر.

وتسير بك موسيقى ” نبضات القلب ” على نفس الطريق إذ تدفعك للغوص في داخل يوسف شاهين وكأنها تعبر عن الغرض الأساسي من صناعة هذا الفيلم. وعندما تنتهي أغنية التتر يتبدل إحساسك من ” الفُرجة ” إلى الانقباض .. لأنك ببساطة تدرك أن ما ستجده في أعمق نقطة بداخل يوسف شاهين، رجل يشبهك ويعاني من نفس أزماتك، ستشعر بالهلع لأن يوسف شاهين استدرجك، ببراعة، إلى مواجهة مع نفسك.

 

المشهد الأول ( كل احتياجاتي متأجلة لبكرة )

يشعر المخرج السينمائي يحي شكري مراد ببوادر أزمة قلبية فيذهب لعمل فحوص طبية، وهناك يخبره الأطباء أنه يعاني من انسداد في الشرايين ويحتاج لإجراء جراحة خطيرة في بريطانيا

يحي : إيه اللي سدها ؟  ( متحدثا عن شرايين قلبه )

الطبيب الأول ساخرًا : الـ 120 سيجارة

الطبيب الثاني بلهجة رصينة : دي طبقة من مادة بتبطن الشريان من جوة .. دا لأنك عصبي

يحي : ما الحياة كلها قمع في قمع .. من صغري للجامعة لدلوقتي .. وكل احتياجاتي دايما أؤجلها لبكرة .. متهيألي مش هقدر أغير حاجة.

 

المشهد الثاني : ( محدش ناوي يعرف التاني )

يحي في جلسة حميمية بمطبخ منزل صديقة مقيمة في لندن، في الليلة السابقة على جراحة القلب.

يحي : عارفة يا ميري لو نفدت .. فيه حاجات كتير هتتغير

ميري : هتعيش وهترجع تاني .. هترجع لفنك ولجمهورك ولحياتك .. هترجع تاني لأكرم ولجميلة ولمراتك

يحي مقاطعا في استياء : .. والكل غرباء

ميري : دول عيلتك !

يحي : ميعرفوش عني حاجة .. ولا انا اعرف عنهم حاجة

ميري : زعلان من أمال

يحي : لا .. مفيش حاجة خالص .. هي تبقى عارفة أن أنا في الحتة الفلانية لكن ليه متعرفش .. عارفاني بفكر .. في ايه ؟ بردو متعرفش .. غرباء عايشين في بيت واحد .. أنا فشلت مع أولادي وعيلتي زي ما أهلي فشلوا معايا .. عجلة الجهل تلف تلف وترجع

ميري بلهجة ناقدة وهي تتركه مغادرة المطبخ : دمك أخف في الكوميدي

يحي زاعقا : شايفة ! حتى أنتي مش عايزة تعرفي بقية الحكاية .. مش عايزة تعرفي أنا مين فعلا .. محدش ناوي يعرف التاني.

 

المشهد الثالث ( أنتو كلكوا ولا حاجة )

يدخل يحي في غيبوبة طويلة أثناء إجراء الجراحة، ويرى كل الشخصيات التي أثرت في حياته في حلم طويل يدور في ستوديو أشبه بقفصه الصدري، ويبدو المكان كغرفة محاكمة تتم فيها مسائلة يحي وهو طفل عن محاولته اغتيال يحي الكبير، وكأن البطل يعاني من صراع مع جذوره وماضيه، كما لو أن كل عواطف المحبة والمساندة والاحتياج المحيطة به تحولت لعبء كبير يكاد يقتله.

وتظهر في تلك المحاكمة شخصيات تمثل القمع الذي يلاحق البطل من المدرس المتسلط في الطفولة إلى الرقيب السينمائي، ويحتكم كل الحاضرين للقاضي الذي يمثل سلطة الدولة، ويعبر القاضي عن ازدراءه الصريح للكل من بداية المحاكمة بقوله:

الدولة أم الكل .. كلمتها هي اللي تمشي .. وطول ما أنا موجود هنا هي اللي حتمشي .. وأنا اللي حقول أه وأنا اللي حقول لأ  واللي مش عاجبه يشرب من البحر .. الدولة هي اللي تقرر هي اللي توجه .. هي الكل في الكل وأنتو كلكم ولا حاجة.

 المشهد الرابع ( لو كان الحب عندك بيدوب في ثانية .. أنا لأ )

مقطع من محاكمة العائلة ليحي

الزوجة : عايز تعرف الحقيقة .. الحقيقة أن أنا ابتديت أخاف منك .. أخاف على نفسي، على ولادك .. تعيينا بعياك  تفقدنا معاك

يحي : طاب فضلتي معايا ليه .. مسبتنيش ليه ؟

الزوجة : إذا كان الحب بيدوب عندك في ثانية أنا لأ .. مش بالسهولة  دي.. فضلت أحلم إنك تتغير

يحي ( يبدو منشغلا في عمله ولا يكترث بشكوى الزوجة ) : الواحد مش عارف يبطل سيجارة حيقدر يغير عقده وماضيه !

الزوجة بصوت يائس : بالحب أكيد .. لكن واضح إنك نسيت الأيام

الأخت متدخلة في الحديث : أنت بتنسى كل حاجة

الزوجة متحدثة عن الأخت : ونسيت البنت اللي كانت بتبكي يوم فرحها

الأخت متحدثة عن الزوجة: والزوجة اللي مستنياك في البيت .. نسيت حتى نفسك !

الصديق المثقف بلهجة ساخرة: اترميت في أحضان الحلم ثورة

المشهد الخامس ( هو أنا فاضيلك ! )

يحاول خصم يحي اللدود ، ماضيه الطفولي، أن يتقرب منه بخبث، يستميله لصفه بدلًا من أن يستمر الصراع بينهما.

يطلب منه أن يترك معاركه مع السلطة التي تريد أن تمنعه من تصوير فيلمه عن نكسة يونيو، ويثير بداخله اسئلة تؤرقه .. لماذا تباعدت المسافة بهذا الشكل بينه وبين ماضيه، لماذا صار غريبا عن عائلته لهذه الدرجة ؟

المحاولة الأولى للتصالح مع الماضي تبدو حيلة خبيثة لتعطيل يحي عن خوض معاركه السياسية وكأنه يدفعه لكي يستكين لحياة العائلة التقليدية.

يحي مخاطبا الماضي : أنت ابن لئمة طريقتك ملتوية أنا عارفك كويس تيجي في وقت الزنقة وتبوظلي أعصابي

خصوصا أن فيه حاجات أنت لسة صغير متفهماش تيجي تروح ملخبطها

الماضي : ماتعلمهالي

يحي زاعقا : هو أنا فاضيلك

المحاولة الثانية للتصالح مع الماضي تأتي بعد استفاقة يحي من العملية وإتمامها بنجاح .. يرى يحي طفل الماضي وهو واعيا .. يخرج الماضي من إطار الحلم ويتجسد في حياتنا الواقعية .

يبدو الماضي في موقف ضعف أمام المخرج الذي خرج من جراحته منتصرًا .. يتوسل إليه كي يجد مكانا في حياته المزدحمة بالعمل والصراعات السياسية .. ويوافق يحي على أن يعود الماضي لقلبه مجددًا .. ولكن هذه المرة يدخل محبًا وليس عدوًا .

 

عن الكاتب
محمد جاد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق