الآن تقرأ
أين تقف الأنثى؟

في طريقي  اليومي من البيت إلى المترو ,ومن المترو إلى البيت تخترقني عشرات النظرات التي تحتلها البؤس والفراغ , فأعود إلى غرفتي متكدرة المزاج أحاول اكتشاف ما سر هذا التفحص الغريب الذي يصحبني أينما مررت. لا أذّكر بأنني قمت في مرة برقصة استعراضية  بشوارع القاهرة ,ولا مرة فكرت بأن أغني أو أضحك بصوت مسموع في المترو ,ولا سبق لي بأن غازلت رجل في الشارع ,فلم كل هذه الضجة حول كائن مسالم يمضي بخطوات قصيرة ثابتة معتدلة في طريقه إلى بيته؟.

ختان الأنثى ,قضية التحرش ,الزواج المبكر ,تهميش المرأة ,تعدد الزوجات ,العنف ضد المرأة ,وغيرها من القضايا التي تثيرها الجمعيات النسوية من حين إلى أخر متحدثين نيابة عن الشعب-نسائه ورجاله-  المتمثل في جهله وإهدار حقوقه .وإنني لن أتطرق لواحدة من هذه القضايا في مقالي ولا أرغب في تحليل عقدتها وسرد تاريخ المرأة علي مر العصور مع توضيح ماذا حط بمكانتها في  الوحل ,لأن الإجابات ستنهال علينا بردًا أوحد ألا وهو الرجل ….الرجل الوحش الصعلوك المتسلط السافل الذي سلب المرأة جميع حقوقها وحصرها في وضعية الشيئية ليجردها من جميع حقوقها حتي من حق أن يعرف الناس ما هو اسمها….فهل فعلا الرجل بمثل هذا السوء؟ وأين تقف الأنثى من هذا النزاع العقيم القديم؟.

دعنا نتحدث بأريحية أكثر بعيدًا عن المصطلحات المعقدة ,الوضع بأننا نعيش في مجتمع يملئه الجهل والتخلف والفقر ,فأكثر من نصف الشعب لا يقرأ ولا يكتب . وأنا وأنت والشريحة الرفيعة من المتعلمين والمثقفين يجلسون فوق مكاتبهم يدونون المقالات-كما أفعل بالضبط-وغيرهم يكتبون الكتب ,و يمثلون أفلام ويخرجون مسلسلات ويؤلفون أشعار تجسد مأساة المرأة في المجتمع الشرقي ,وشكل العلاقة الاستهلاكية المقامة بين الرجل والمرأة.

-أين الحل ؟

-صوت صرصور الحقل

هذا العراك منذ بدء العائلة الحديثة وامتداد أذرعة البرجوازية ,حيث استحال كل ما هو أضعف الي اشياء تكتب باسم صاحبها ,وهنا تحولت المرأة إلى عورة وإلى ملكية خاصة, فشبت مشكلة أخري أكثر تعقيدًا ألا وهي الزني والبغاء كما أشار أنجلس.

*هل السينما المصرية مسؤولة عن عدم مروري بسلام من المترو إلى البيت ؟

ربما ,فإن للأدب والفن دور محوري في تشكيل الثقافة وتكوينها وترسبها علي مر العقود ,فإن كنت ضعيف النظر فلك أن تشم رائحة الفن النفاذة بطيات الشارع المصري ,خاصة السينيما .فالصورة هي أكثر ما يؤسر المشاهد ويتأرجح علي الحدود الذهنية للإدراك ,فبالأساس السينما المصرية  لا تقف في أرض الحياد بين الطرفين ,وكانت ومازالت تظهر الرجل والمرأة في صراع أبدي فتشرخ المجتمع إلى كتلتين :كتلة الرجل وكتلة المرأة ,ونظل طوال الفيلم محمولين فوق أعناق الأبطال المبتورة لنصل إلى نهاية سخيفة بانتصار أحدهما ,والانتصار يتمثل في أن يمارس إحدى الجنسين سلطته علي الأخر ويحوله من “ذات” إلى “شيء”, أو ينتهي الفيلم بخسارة كلا الفريقين ولكن هل  يربح الفريقين ؟,هذا مستحيل!

فالسينما هي خيال المرأة الحديثة في إشهار سيفها الوهمي بوجه الرجل المتضائل تدريجيًا .وهذا خيال ,مجرد خيال تثار علي ضفافه الشفقة من اعتراف المرأة بضعفها فتهرب إلى خيالها لترسم بعض من القوة التي تستحقها وتقنع نفسها أنها فعلا تملكها ,وما تلبث إلا وهي تفيق علي اضطهادها من مجتمع ذكوري أو هكذا توهم نفسها لتحيا في هذه الهالة الشفافة المنبوذة الملفوظة من المجتمع المحيط. فهل هناك مشكلة حقيقية في طريقي من البيت إلى المترو ,أم هذه  مجرد اختلاقات مبالغ فيها يصورها عقلي؟

السينما المصرية في بدايات السبعينات أتت بضجة نسائية مكتومة للذات الأنثوية المتعطشة لإثبات وجودها حتي لو كان  من خلال بعض الرجال المزيفين الذين يدّعون المطالبة بحقوق المرأة .

فنري في فيلم “الغرباء”1973 بطولة سعاد حسني وشكري سرحان ,صراعا محتدما لا ينتهي  لصالح أي منهما .فقد جسد الفيلم مكافحة المرأة للمجتمع الذكوري ومحاولتها للتحرر اقتصاديا ,وذلك لأن  التحرر الاقتصادي يعد الدعم الأساسي لتحرر أفكارها ,فيشجعها أبوها علي ذلك ,وهذا يعد رمزا بأن جزء من المجتمع حتي لو كان ضئيلا لا يمانع عمل المرأة بل يرحب به ويشجعه .بينما أخيها يعرقل طريق تحررها زاعما بأن عمل المرأة ينافي إيمانها بالله ,حيث يحاول ابتزازها عاطفيًا مُدعيًا الحب والخوف عليها .فحينا يعنف أخته لتعود إلى صوابها وحينا أخرى يلاطفها ويودها أي أنه يحاول استعمال شتي الطرق للتحايل ضد تحرير المرأة وخروجها من الشرنقة التي غزلها لها رجل منذ قرون مضت وظل أعواما يقنعها بأنها هي التي غزلتها حتي لا تلوم إلا غبائها.

 *فهل المرأة فعلا مسئولة عن دني مكانتها؟

يقول أنجلس في كتابه “أصل العائلة” أن المرأة هي التي تنازلت عن مكانتها في طور المدنية أو العائلة الحديثة حتي أصبح حقًا للرجل في خيانة زوجته مادام لا يحضر بعشيقته إلى منزل الزوجية ,وهذا ما ينص عليه قانون نابليون ,ولو تعلم بأن القانون الفرنسي مازال مستخدما في مصر منذ الحملة الفرنسية. كما اضاف أن الزواج لعب دور أساسيًا ومحوريًا في أن تقع المرأة تحت سطوة الرجل وتصبح شيء من أملاكه الخاصة ومن هنا والمرأة مازالت أقدامها تتعثر في خراء طور التحول من “ذات” إلى “شيء”.

ويمكن أن نرى تمرد المرأة على مؤسسة الزواج في فيلم  الفانتزيا “السادة الرجال”1987للمؤلف والمخرج رأفت الميهي ,الذي حاول أن يجسد سخط المرأة ومحاولتها المتكررة الفاشلة في الخروج من الأزمة التي تطحنها, فالطريقة الوحيدة للخروج من دائرة المجتمع الضيقة هو التحول إلى ذكر ,فكونك أنثى هذا يجعل منك كائن ملفع بالخوف والمسؤوليات دائمًا ,ولكن الذكر فهو حر طليق لرغباته وطموحاته التي لا تستطيع أن تكبح جماحها أنثى .فقررت البطلة “معالي زايد” في أن تثور وتواجه المجتمع فأجرت عملية للتحول إلى ذكر حتي تتمكن من المطالبة بحقوقها المهدورة. وهذا يبلور فكرة بغاية الاهمية ,وهي انها حتي في ثورتها كانت لا تستطيع في أن تثور علي الوضع الراهن في زي أنثى ,فإن الثورة علي الكبت يلزم لها شكل ذكر بصوت أجش حتي يأتينا من مجيب.

فعادة صوت الرجل يقلب الدنيا ويقعدها ,أما المرأة فصوتها عورة!.

واعتراضها  أيضا عورة.

عن الكاتب
نورا تميم
التعليقات

أضف ردك