الآن تقرأ
على الجانب الأخر

 

كُنت أجلس بصالة المنزل الصغير بعد أن خلعت قميصي الصيفي، أشعر بجسدي لزجًا من عرق العمل وأتربة الشارع، تُعد زوجتي كوبًا من الشاي الساخن لأجلي، كُنت قد تأخرت عما يجب أن أقوم به بعد اجتماعٍ أصر صاحب المدرسة التي أعمل بها أن يعقده بحضور جميع العاملين بعد يوم عملٍ شاق لسببٍ أجوف، لكنني لم أستطع عدم ألتقاط أنفاسي.

لم اختبر المرض مِن قبل، فبأستثناء نزلات البرد والإنفلونزا والصُداع المُفاجئ لم أتورط أكثر، أعتدت على العمل المتواصل والسعى المُستمر، لا أمكث بمنزل سوى قليلًا، وعندما ماتت والدتي وشِختُ فجأةً كما يقول المثل، لم تتوقف قدماي عن الركض بالطرُقات.

في الشهر ذاته من العام الماضي سقط والدي، كان قد رفض ترك منزله بعد وفاة والدتي وقرر أن يستمر به وحيدًا، وهو ما جعلني أتناوب زيارته مع زوجتي يوميًا للأطمئنان على أحواله والتي لم تتغير على مدار أشهر، حتى ذلك اليوم الذي لم يفتح الباب في استجابةً لطرقاتي كما أعتاد أن يفعل كُل مساء، ظننته نائمًا لتأخر الوقت، وحينما أقتربت من منزلي الذي يبعد مسيرة الربع ساعة على قدماي عُدت أدراجي، فتحت الباب بالنسخة التي أملُكها من مفتاح منزل تربيت وعِشتُ به حتى زواجي، كان والدي يغُط في شِبه نومٍ عميق أعلى كُرسي كبير بالصالة، ناديته بهدوء وهززته بقوة فلم يستجب، قُمت بحمله والإسراع به للمستشفى الحكومي القريب، ليُصبح معها بقائه وحيدًا أمرًا يعني الموت حرفيًا له.

أنتقل والدي للعيش معنا، فيما انصرف إخوتي بعد زيارته بالمستشفى كُلٍا إلى حياته، وأطمئن أخي المُقيم بالسعودية على حالته هاتفيًا، أعلم صعوبات الحياة وأزقاتها المُزدحمة.

على مدار حوالي العام تغيرت الحياة، يقول أحدهم أن الحياة هي مجموعة العادات التي نؤديها، فتتغير حياتنا بتغيُر عاداتنا بها، وهو ما كان، لم أعُد أستطيع ترك المنزل كثيرًا، أضطُررت للتخلي عن عملي الإضافي بفترة ما بعد الظهيرة لأكون متواجدًا بجواره، أنحسر دخلي كما أنحسر تفكيري عن الدواء الغير مُتوافر والأطعمة التي تُسبب له الإسهال، الحفاضات والإستحمام، الفوط الخاصة به وملاءات الأسرة والملابس المغلية في المياه، لم تستطع زوجتي الحصول على أجازة بدون مُرتب لا تعلم مُدتها، وقررت أنا إثنائها عن قرارها بترك عملها للتفرغ لرعايته ونجحت في ذلك، أعود مُسرعًا من العمل، فاتناول كوبًا من الشاي لألتقاط الأنفاس ثم أقوم بإطعامه مما قامت زوجتي بتحضيره فجرًا قبل خروجها للعمل، لأنتظر بعد ذلك عودتها لتقوم بإعداد الحمام ومُساعدتي في إحمامه والبدء في إعطائِه الأدوية بأنتظامٍ على مدار اليوم، تخليت عن أندهاشي من عمل المُمرضات، كيف يستطعن الإستمرار وسط كل تلك الويلات والمشاهد التي يحيون بها، إنها العادة وفقط، أحترفت تغيير الحفاضات والتنظيف وكيفية التعامل مع نوبات الإغماء التي تنتابه من حين لأخر بسبب مرض السُكري والتي لا نعلم سببها مع تناوله الدواء الخاص بها بأنتظام، كما أعتدت تجاهل صرخات ألمه التي كُنت أهرع لها في البداية، والتي أخذت في التعالي والتكاثف مع مرور الأيام، أصبح لا يقوى على قضاء حاجته وسط تلك السكاكين التي يسببها الورم الخبيث بالمثانة، وأصبحت أحلامي تنحصر في تدبير المال اللازم للأشعة باهظة الثمن، تحاليل الدم والبول والأدوية التي أُهاتف معارفي وأقرباء زوجتي لمساعدتنا في إيجادها، وفي التسكع من محل لأخر بشارع القصر العيني للسؤال عن أسعار الكراسي المُتحركة والوسادات الهوائية الحامية من قُرحة الفِراش، والتعجُب مما أفعله وأنا أُغلق باب الغرفة التي خُصصت له ليحميني من آناته التي لا تنقطع.

كُنا في السابق ثماني إخوة، نتكدس بمنزل صغير بإحدى ضواحي القاهرة الفقيرة، لوالد فقير يعمل كموظف حكومي بمصلحة السكة الحديد، لنخرج منه فقراء بالتوارث كما كُنا، مُتوسطي التعليم والدخل والحياة، يموت إحدانا في محاولته للهجرة والهرب دون أن يشعر والدي، وتموت أُخرى تحت وطأة المرض والفقر دون أهتمامٍ مِنه، ويعمل الأخرين بالورش والمحال لتوفير القوت ومصاريف الملبس والمقهى دون أن يسأل والدي يومًا لما فعل بِنا كُل ذلك، لكني سألت كتيرًا، وظللت أسأل حتى تزوجت وأستقليت بفقري وحاجتي، حتى أتى اليوم الذي غرقت به في دوامة المرض دُفعة واحدة، أرعى فيها مريض أكاد لا أعرفه، أُحاول الحفاظ على حياة من أراه السبب في كُل ما مرِرت ومازلت أمُر به من صعوبات، لم أكن يومًا أحبه أو أكرهه بالمعنى المعروف عن الحُب والكُره، أرعاه ولا أدري لماذا أستمر أو كيف أتملص من تلك المسئولية، فأستمر بها أكثر، وتتسمر حياتي أكثر، وأنفجر لكوب الشاي الغير ساخن لدرجة كافية، ولضوء الحُجرة المُضاء بأستمرار وللطعام الغير جيد، أكره اتصالات إخوتي الباهتة للاطمئنان على والدهم، وأود لو أصرخ بأنني أحتاج لدعمٍ أكثر من مادي تافه، أو أنفجر أن أرحموني من حياة يورق بها الموت، نعم، سئمته وسئمت صراعي وحيدًا بتلك المعركة الخاسرة.

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
أحمد شعير
أحمد شعير
لأن الحياة يجب أن تتحدث