الآن تقرأ
الحركات الجهادية في إفريقيا .. النشأة والمصير (1-3)

خلال الفترة الممتدة من الأربعينات إلى غاية سبعينات القرن العشرين، لجأ العديد من حركات التحرر الوطني في القارة الإفريقية إلى حمل السلاح وممارسة الكفاح المسلح ضد الاستعمار بهدف تحقيق الاستقلال الوطني، وكذلك هذا ما فعلته عدة مجموعات في العديد من الدول الإفريقية، إذ مارست العمل المسلح لمواجهة الظلم والعنصرية والاستبداد.

جزء من هذه الحركات المسلحة كانت تتبع أحزاب سياسية  تقوم بتنفيذ سياسات هذه الأحزاب و تأتمر بقراراتها، وجزء آخر انطلقت كمجموعات مسلحة نظمت نفسها وكانت غايتها الوحيدة هي رفع الظلم الذي كان يتسبب به الاستعمار عن أبناء جلدتها ثم فيما بعد وأثناء قتالها ضد الغزاة الذين قسموا البلاد بشكل إثني وعرقي ومذهبي بين سكان البلد الواحد، وجدت هذه المجموعات المسلحة أن هناك حاجة لوجود قسم تابع لها يتولى الجانب السياسي والإعلامي، لذلك تم تكوين أطر أشبه ماتكون بالأحزاب السياسية المقاتلة، وهكذا فإنه حين انتصرت هذه الحركات على المستعمر ونالت الدول الإفريقية استقلالها السياسي لم يعد هناك ضرورة لحمل السلاح، ولذلك فإن جزء من هذه القوات العسكرية المسلحة التي كانت تقاتل لأجل حريتها قد رمت السلاح وتخلت عنه  وعادت تمارس حياتها الطبيعية، جزء منها تخلى عن سلاحه مقابل الحصول على وظيفة في مؤسسات الدولة الحديثة، ومنهم من تم ضمه للجيش النظامي، وهناك قسم من هذه المجموعات المسلحة رفضت تسليم سلاحها وظلت في حالة من التصادم والصراع مع حركات ومجموعات أخرى مسلحة من نفس البلد أو في بلد آخر لأسباب لها علاقة بتوزيع الملكية والحدود وصراعات على خلفيات إثنية وقومية ومذهبية، وهناك مجموعات ولدت من رحم مجموعات أخرى عبر الانشقاق عنها بفعل الخلافات والصراعات بين أجنحتها، ومنها من تحول إلى منظمات متشددة أصبحت تمارس العنف المسلح أو ما يطلق عليه الإرهاب كما يحدث في العديد من الدول الإفريقية، في نيجيريا، النيجر، مالي، تشاد، الصومال، كينيا، أوغندا، الكاميرون، الجزائر، مصر، تونس، ليبيا، المغرب..

ولكن ماهي الأسباب والدوافع التي تدفع الإنسان إلى الإيمان بالأفكار المتشددة التي تجعله يمارس العنف والبطش بحق محيطه السياسي والاجتماعي أو بحق أطراف أخرى؟

صورد لأحد الجهاديين من تشاد المصدر الوكالة الفرنسية

صورد لأحد الجهاديين من تشاد المصدر الوكالة الفرنسية

مما لا شك فيه أن من أهم أسباب التطرف هو المشاكل الاقتصادية، الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم وجود المساواة  في فرص التعلم والعمل والظلم الذي تمارسه النظم السياسية، الحرمان من الرعاية الصحية، ضنك الحياة وفقدان الحق في التعبير عن الذات، غياب كامل للحريات الشخصية وتكميم الأفواه، كل هذا يساعد على وجود بيئات حاضنة لهذه الأفكار وانتشارها، إذ أن فقدان العدالة يدفع الشباب إلى الانخراط في صفوف التنظيمات والمجموعات المتطرفة التي تتبنى الأفكار الراديكالية لانتزاع حقوقهم التي حجبتها عنهم النظم القائمة، أو حتى للإنتقام من السلطة السياسية التي سببت لهم الشقاء بالظلم الذي مارسته عليهم.

أي  متتبع لحال القارة الإفريقية يلاحظ أن جميع العوامل المسببة لانتشار الأفكار المتطرفة متوفرة في العديد من الدول الإفريقية التي تعاني من أزمات اقتصادية متفاقمة و مزمنة سببها غياب التخطيط  وسوء الإدارة وانتشار الفساد، وانشغال الأحزاب السياسية في تدبير مصالحها على حساب احتياجات الشعب، مما يعيق عملية البناء والتنمية، ويؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة  في أوساط الشباب الذي انضم جزء منهم إلى الجماعات المسلحة، وجزء منهم فر إلى دول أخرى بحثاً عن الأمن والحياة الأفضل.

البعض من هذه الجماعات  المسلحة تبنى أقكاراً دينية، مثل جماعة بوكو حرام في نيجيريا والتي تأسست في العام 2002 على يد رجل الدين محمد يوسف وهي حركة تقاتل من أجل منع التعليم الغربي وانتشار الثقافة الغربية بشكل عام، ومن أجل تطبيق الشريعة الإسلامية في نيجيريا، وكذلك متمردي الطوارق في مالي ويتزعمها “بيلا آغ شريف”  ويحارب الطوارق من أجل تأسيس دولة خاصة بهم يطلقون عليها اسم ازاواد، ففي غرب القارة الإفريقية تظهر النزعات الانفصالية هي السبب المباشر لحمل السلاح من قبل معظم الجماعات حتى لو أظهرت بعض الشعارات الدينية.

كثير من المحللين يضعون جزء كبير من المسؤولية على كاهل الاستعمار الغربي في توفير الأسباب التي ساهمت في نشوء هذه الحركات، فهل للغرب دور في ظهور هذه الجماعات المسلحة؟

حين استعمرت القارة الإفريقية من قبل الغرب في القرن الخامس عشر من قبل المستعمر البرتغالي والاسباني والبريطاني والهولندي والفرنسي اقتصر تواجدهم ولغاية مطلع القرن التاسع عشر بشكل أساسي في السواحل الإفريقية، ثم تغول هذا الاستعمار في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ووصل إلى درجة النهم، هذا الاستعمار أحدث تراكمات في الذاكرة التاريخية للشعوب الإفريقية  نتيجة سياسات التسلط  السياسي والعسكري والعبودية التي مارسها هذا الاستعمار بحق سكان القارة ومازالت آثارها باقية لدى بعض الدول الإفريقية مثل الجزائر التي تصر على أن تقوم فرنسا بتقديم الاعتذار الرسمي للشعب الجزائري على فترة الاستعمار وعلى المجازر التي ارتكبوها بحق الجزائريين.

وبالرغم من الشعارات البراقة المفعمة بالخير التي ساقتها الدول الغازية للقارة الإفريقية، إلا أن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا تحول إلى استعباد كامل واستغلال كافة موارد الدول الإفريقية، وتسخير جهود شعوبها في خدمة السيد المستعمر الأبيض، وقد أدى ذلك عبر الزمن إلى شيء يشبه حالة يفتقد معها الأفارقة معالم حياتهم الاجتماعية والثقافية وحتى الإنسانية.

المصادر:

1-د. نبيل شكري، د. ابراهيم نصر الدين، كتاب بوكو حرام.. السلفية الجهادية في إفريقيا، المكتب العربي للمعارف، القاهرة 2015

2-د. محمد صالح، تقرير بعنوان” الحركات الجهادية الإسلامية العابرة للحدود بين الدول في القرن الإفريقي، صادر هن معهد شمال إفريقيا السويدي 2011

(Nordiska Afrikainstitutet) 

 ( Transnational Islamist (Jihadist) Movements and Inter-State Conflicts in the Horn of Africa )

3- الكتاب الأبيض عن الإرهاب في المغرب، منشورات الفريق الدولي للدراسات الإقليمية والأقاليم الصاعدة، طوكيو 2015

4- حكيم خطيب، لماذا تسلط الأضواء على الحركات الجهادية دون غيرها؟

  02/03/2017 http://cutt.us/6cY0  تقرير باللغة الانجليزية :

5-علي عبد العال، خريطة معلوماتية عن الجماعات الجهادية في مالي  

http://cutt.us/0TV9n  01/02/2013

6-منى عبد الفتاح، جماعات العنف في إفريقيا.. الحصاد المر

http://cutt.us/7u2Sx

 

 

عن الكاتب
حسن العاصي
التعليقات

أضف ردك