الآن تقرأ
لاهوت الإرهاب

“الإرهابي هو فظ المعجزات”

أوديسياس إيليتيس – من ديوان (ماريا نيفِلي، 1978)

ليست الكوارث الطبيعيّة هي ما يقابل المعجزات. فالكوارث الطبيعيّة تتّبع وتسير حسب النظام الطبيعي للأشياء، لكن فقط في حالتها القصوى. أما الأفعال الإرهابيّة، في مضمونها اللاهوتي، فهي المضاد الدقيق للمعجزة؛ ليس لأنها فقط في تضاد مع قوى الحياة كطاقة إزدهار، لكن أيضاً لأنها بشكل مبدئيّ ضد السير الطبيعي لمجريات الأمور، أي إنها خارقة للطبيعي. والنقطة الأهم هي أنها تستهدف الحياة الإنسانيّة في ذاتها مثل المعجزة، ومثل المعجزة لن يكون لها معنى أو وجود بدون الحضور البشري. لهذا تأخذ الهجمات الإرهابية الشكل الديني في أغلب تجلياتها، حتى لو لم يكن لها غطاء أيديولوجي ديني، بما إن لها نفس البنيّة.

فيما يتعلق بتلك البنيّة، يقول شاعر آخر، وهو رينيه ماريا ريلكه: “كل ملاك مُرِهب.” (مرثيات دوينو، 1923) واضعاً الخارق للطبيعي في نفس فئة المُرهِب والإرهابي. وكلمة “ملاك” في أصلها اللاتيني-اليوناني تعني المُرسَل، أي حامل رسالة، لكن ما الرسالة التي يحملها الإرهابي؟ يطرح الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه روح الإرهاب (2003) فكرة أن الرسالة التي يحملها الإرهابي هي تحديداً الموت؛ الأمر الذي يتم استبعاده بضراوة من منطق الواقع في النظام العالمي الحالي بشكل مستمر.

يتكرر في أفلام الأبطال الخارقين الأمريكيّة تسلسل ما بشكل شبه ثابت: المباني النيويوركيّة السوداء السامقة وهي تدمّر جزئياً من هجوم جويّ (من قِبل وحش خارق أو مركبة فضائية..إلخ..) ويتم التركيز على المارة في الشوارع المحيطة وهم يركضون بوجوه مليئة بالفزع والخوف يتخبطون في كل إتجاه خالقين فوضى مرورية شاملة، وبعد الهجوم الأول يحدث هجوم ثاني من نفس النوع يزيد من تدمير المباني وانهيارها ويعلق الأفراد في حالة من الشلل التام وعدم الفهم.

هذا التسلسل يستدعي بالضرورة هجمات “11 سبتمبر” بعناصرها: الهجوم الجوي، تسجيلات الفزع في الشوارع المحيطة، فوضى السير المروري، الهجوم الثاني الذي يحدث بفاصل زمني..إلخ.. وهو ما يطلق عليه فرويد “إجبار التكرار”؛ حين تحدث صدمة تخرق السير العادي للأمور، يحدث أن يتم تكرار هذه اللحظة الصادمة بشكل قهري بمختلف الأشكال، وفي أحد تفسيرات هذا التكرار تكون محاولة ترميز وعقلنة هذه اللحظة التي لاتغطيها خريطة الواقع، أي محاولة للسيطرة عليها وتجاوزها. في تلك الأفلام، أي أفلام الأبطال الخارقين، يُصلِح البطل الخارق الأمور وينتقم من الأشرار ويعيد خط سير الحياة الطبيعية في النهاية (بغض النظر عن التعقيدات الإضافية الدرامية في تنويعات السيناريو). لكن كيف يمكن إيقاف الإرهابي، وهو لا يريد شيئاً آخر سوى الموت؟ إن ما يقوم به لا يقل عن معجزة، فهو صانع معجزة الموت، وهو أيضاً ملاك-مُرسَل ينتهي من إيصال رسالته فينتفي سبب وجوده، ليختفي عن طريق رسالته بالذات.

تتم التعازيم والتعاويذ ضد ملاك الموت؛ إجراءات أمنيّة أكثر تشدّداً على الحدود (الجوية والبرية والبحرية)، بناء حوائط، قرارات وتحريات فوق قانونية، توسع غير مسبوق في المراقبة (كماً وكيفاً)، لكن ملاك الموت يتسلل دوماً، فهو كما إنه خارق للطبيعة فهو أيضاً إنسان، فرد عادي يعيش ضمن مجموعة أفراد حتى تتم لحظة النداء الإلهي. إنه كابوس الزومبي –الموتى الأحياء-: أفراد مننا، يعيشون بيننا، يتعرضون لإصابة خارقة فيتحولون إلى وحوش ضارية تتغذي على البشر وتسعى لفنائهم بحقد مقدس.

رسالة الإرهابي إذاً هي رسالة الملاك، رسالة توجه إلى شخص – جماعة بعينها في مكان وزمان بعينهما، لكن مضمونها يوجه للعالم كله، لجميع البشر. تُرسي الرسالةُ الملائكيّة حقيقة كونيّة جديدة في كل مرّة. في حالة الإرهابي تكون الحقيقة الجديدة: الموت يعود في قلب الواقع من جديد، وبشكل عشوائي تماماً، ومن حيث لا يُحتسب. والمطلوب استلام الرسالة لا غير؛ استلامها وتجرع مراراتها الصادمة لتتكرر في إجبار لا نهاية له.

في النسق العولمي وتراتبيّة العالم اليوم التي تقوم بإقصاء الموت وملائكته إلى مكان بعينه -الشرق الأوسط- والقيام بإستغلالهم وتضمينهم وفق خطط تلك التراتبيّة، تمثل “داعش” جماعة من المُرسَلين المطورين جينياً في سلسلة أجيال من الجماعات الإرهابية المدعمة دولياً؛ السلاح البيولوجي الذي خرج عن كل طور ليصبح مملكة من “الملائكة والزومبيز” التي حصلت على مكاسب مادية غير مسبوقة في أي جيل سابق من أسلافها، نسخة من التوحش والتطرف الأيديولجيّ الدينيّ مثيرة للذهول حتى من قبل تنويعاتها المحيطة بها، نسخة مرعبة وملائكيّة -فوق بشريّة وفوق طبيعيّة- تجتذب وتفتن مثلما ترهب وترعب، يأتيها المُرسَلون والمتحولون من كل مكان. وهي كبنيّة قد أخذتْ مميزات كيان الدولة العينيّة ومميزات كيان خارق يتكوّن بالأساس من ملائكة موت وموتى أحياء، يتغذون على لحم “الآخر” الذي يكاد يشمل البشر كلهم، إن لم يكن هذا هو الحال بالفعل.

يبرز في المسألة دوماً تساؤل أساسي بشكل ملح: إذا كان الإرهابي ملاك الموت، فظ المعجزات كما يطلق عليه الشاعر إيليتيس، فمن هو رب هذا الملاك، رب الموت، الذي يرسل رسالته الشنيعة أو ينزل بالتحول المرعب على أحد عباده؟ وهذا لتتاح فرصة التفاوض معه أو حتى القضاء عليه. الإجابة التي يلقيها البعض بشكل أوليّ هو أنه رب الإسلام، مبررين ذلك بالهيمنة شبه التامة للصبغة الإسلامية على الإرهاب اليوم، وكثرة عدد جماعات الإرهابيين الإسلاميين، وبتقديم نصوص أساسيّة ترتكز على إرهاب العدو-الآخر والهيمنة عليه، لكن تلك الإجابة بها العديد من المعضلات التي لا يمكن إغفالها، أولها أن رب الإسلام هو أيضاً رب مسالمين، ويوجد نصوص أساسيّة أخرى تعضد تلك المقولة، وثانيها إن الإرهاب لا ينحصر لا تاريخياً ولا نظرياً في الإسلام، بل يمتد تقريباً لكل أطياف الأديان والمعتقدات الأخرى. وثالثها إن التأكيد على صحة هذه الإجابة يصل بالمسألة برمتها إلى نتيجة رهيبة لا فكاك منها، وهي أن هناك أكثر من مليار ونصف ملاك موت محتمل أو زومبي على أهبة التحول المتوحش، وهو وضع لا يمكن التعامل ولا التفاوض معه.

من هو رب الموت إذن؟ هذا السؤال الذي يجتهد الجميع للإجابة عليه. يجاوب البعض بإنه الظلم (السياسيّ والإجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ، إلخ..)، أو إنه الرأسماليّة، أو الإيمان بصيغته الصافية (في قول آخر الايديولوجيا)، أو استراتيجيات وترتيبات النظام العولمي، ويطرح آخرون إجابات أخرى.. ربما تكون الإجابة في النهاية هي خليط من كل هذا، لكن ما يتبقى واضحاً هو أن لا أحد يريد الاقتراب من ممالك الموت المصنوعة، كأن التقسيم والفصل بين مملكة النور ومملكة الظلمة ممكن اليوم، أو أن البطل الخارق سيأتي ليقضي على ملائكة الموت والزومبيز.

عن الكاتب
مينا ناجي
التعليقات

أضف ردك