الآن تقرأ
خِيرت ڨيلدرز .. خسر الانتخابات وفاز بحكم هولندا (5-5)

هل حقا لا يستطيع المُهاجر المُسلم الاندماج في مجتمع أوروبا العلماني؟

القدرة على الاندماج:

زار “تراوب” مسجد “السلام” وهو المسجد الأشهر في “روتردام” والمعروف بطابعه المغربي، هناك التقى “تراوب” بمواطن كردي هولندي، ومعه مواطنين اثنين من كوسوفو وبنجلاديش.
شهد “تراوب” على وسطية مسجد “السلام”؛ حتى أن حَبْر معبد “روتردام” اليهودي “ألبرت رينجر” يحرص على زيارة المسجد لتبادل الحوار مع إمامه، كما سبق وأن حضر مائدة إفطار خلال شهر رمضان العام الماضي.
يتولى إمامة المسجد المواطن “عزالدين كارات” – والذي يبلغ من العمر 30عاما –يعيش في هولندا منذ أن كان بعمر العاشرة، وحين أخبره “تراوب” عن خطته لكتابة مقال عن “الاندماج”، أجابه “عزالدين” قائلا: “ليس من المعقول أن تكتب عن هذا الأمر، فنحن لسنا مهاجرين، نحن جزء من المجتمع وحين يسألني أحدهم عن موطني أقول له أنا هولندي مسلم أحمل أصولا مغربية”

خارج أروقة المسجد التقى “تراوب” بالمواطن “إدريس تيرهي” – وهو مهندس كيميائي هاجر إلى هولندا بصحبة عائلته حين كان بعمر العاشرة، يأتي إلى المسجد بصحبة والده وابنه “سهيل” طالب الماجستير.
يعتبر “تيرهي” نفسه مواطنا هولنديا، فهو يتحدث اللغة بطلاقة ويعرف أجيال كثيرة من المهاجرين يعتبرون أنفسهم مواطنين هولنديين، ويعتقد أن أعضاء حزب “ڨيلدرز” لديهم مكانة تعليمية متواضعة ولذلك يسعون إلى التنافس مع المهاجرين لنيل وظائفهم.
وحين سأله “ترواب” عن نيته للتصويت لحزب “دينك” – وتعني بالهولندية فكر – وهو حزب أسسه مهاجر تركي يؤكد محاربته لليمين ورفضه فكرة الخوف من الأجانب – أكد “تيرهي” أن هذا الحزب شوفيني لا يختلف كثيرا عن حزب “ڨيلدرز”.

لا يمثل مسجد “السلام” الدليل القاطع على بطلان إدعاءات “ڨيلدرز” بل أيضا وجود شخص مثل “أحمد أبوطالب” – عمدة مدينة روتردام – المسلم المتدين صاحب الأصول المغربية – والذي لا يفوّت فرصة إلا وينادي بحرية التعبير وحرية الاعتقاد بل ينتقد المسلمين الذين يفشلون في التعاطي مع تلك الأمور.

لكن الأمر ليس بهذا القدر من المثالية، فقد ذكر “مارتن زيجرز” – في كتابه “كنت واحدا منهم- ثلاث سنوات سرية بين المسلمين” – أنه نجح في اختراق المجتمع المسلم في مدينة لاهاي وأكد أنهم يمثلون أكثر المجتمعات الانفصالية في هولندا.
ذكر “زيجرز” أن المدينة تعج بالسلفيين وبصفة خاصة بين الشباب المغربي والذي يرفض تماما فكرة الاندماج مع المجتمع الهولندي العلماني، كما شهد بنفسه خروج مظاهرات داعمة لتنظيم “داعش”، ومن بين 300  هولندي سافروا إلى سوريا للمشاركة في عمليات القتال هناك، عاش نحو  90 منهم في لاهاي.
يرى “زيجرز” أن الرؤى التقدمية التي تقول بأن المهاجر المسلم سوف يندمج مع المجتمع الهولندي هي إنكار للواقع ورفض لمواجهة المشكلات، وعلى الرُغم من عدم تأييده لأفكار “ڨيلدرز” إلا أنه يراه شخصا شديد الواقعية.
فالحل يكمن في محاولة خلق هوية قومية، مع مراعاة عدم الترسيخ لمجتمع مُستقطَب دينيا.

هولندا- الدولة السعيدة:

لطالما كانت هولندا موطناً للتعايش؛ فبعد نهاية “الحرب العالمية الثانية” حرص أصحاب العمل هناك على توظيف عمالا أجانب وكانت البداية من جنوب أوروبا ثم تركيا ثم المغرب وجمهورية السورينام وجزر الأنتيل. وقد عاد معظم الإيطاليين والإسبان إلى بلادهم فيما استمر الباقون وأرسلوا إلى عائلاتهم للعيش معهم، والآن أصبح المهاجرون يشكلون نحو نصف سكان “أمستردام” و”روتردام” و”لاهاي”.

وخلف حملة “ڨيلدرز” المعادية للمهاجرين والإسلام، تركزت الحملات الانتخابية الأخرى على أمور مثل الرعاية الصحية والمعاش والتهديدات الروسية وكل الموضوعات التي ساهمت في تشكيل الانتخابات الأوروبية خلال الفترة الماضية؛ فهولندا تعد من أفضل البلاد في العالم، تحظى بثراء معتدل وسلام واستقرار وطبيعة خلاّبة، كما ذكر تقرير للأمم المتحدة بأن الطفل الهولندي هو الأكثر سعادة، إلى جانب ريادة الدولة في التعليم والرفاهية، واحتلالها المكانة الرابعة فيما يتعلق بالسكن والبيئة والمرتبة الخامسة في الرعاية الصحية والأمان.
تتمتع هولندا بروح التسامح والانفتاح وهي مباديء تشكّل جزء كبير من هويتها القومية لكن الحاضر المُعبَّأ بانغلاق الآخر ساهم في اقناع الهولنديين بأن التسامح هو الطريق المؤدي إلى الانتحار الثقافي.

أن تكون مواطنا طبيعيا:
يتبنّى رئيس الوزراء الحالي “مارك روته” عبارة “إما العيش بسلام أو الخروج من البلاد” لكنها ليست نفس الرسالة التي يتبناها ” ڨيلدرز” والتي تركز فقط على “الخروج” من البلاد.
لذلك يركز منتقدي ” ڨيلدرز” على أنه يخلق المشكلات ولا يقدم الحلول، لكن السياسة هي الوسيلة غير المألوفة لحل مشكلات الثقافة والهوية.
يرى “چيمس تراوب” أن رئيس الوزراء الحالي “مارك روته” لن يسعى إلى طرد الغوغائيين من البلاد أو تغيير القانون الجنائي أو قطع برامج المساعدات المالية أو حتى الدفع برجال الشرطة إلى الشوارع؛ فكل ما يسعى إليه هو حث المهاجر على أن يكون مواطنا طبيعيا ؛ ودعوة المواطن الهولندي إلى التوقف عن انتظار المُنقِذ ؛ فالتصرف بطبيعية والعيش بسلام هو السلوك الأفضل للحقبة التي نعيشها الآن.

الرابط الأصلي
http://foreignpolicy.com/2017/03/13/the-geert-wilders-effect/

 

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

أضف ردك