الآن تقرأ
ارقدي بسلام يا تركيا (1921-2017) “1-2”

ترجمة لمقال-  ستيفن إيه.كوك– فورين بوليسي
لم يفز “رجب طيب إردوغان” في استفتاء التعديلات الدستورية فقط، لكنه أغلق وللأبد فصلاً من التاريخ الحديث لبلاده
في العشرين من يناير للعام 1921، نجح “المجلس الوطني التركي الكبير” في تمرير الدستور التركي، قبل أن يمر ما يقرب من ثلاث سنوات ويُعلن “مصطفى كمال” – والمعروف باسم أتاتورك أو أبو الأتراك – تأسيس الجمهورية التركية.

كان هذا الدستور هو العلامة الأبرز للنظام الجديد الذي بدأ يتشكّل في الأناضول، إذ أصبح الاسم الجديد للدولة هو “تركيا”- دولةسوف تُبنى على أساس حديث يختلف عن الامبراطورية العثمانية، تُدار بواسطة سلطات تشريعية وتنفيذية وعبر مجلس وزراء يأتي من خلال ممثلين مُنتخَبين في البرلمان.
وما كان يوما من صميم سلطات “السلطان” – والذي كان يحكم وحده بشرعية سياسية ودينية – أصبح في يد مشرعين يمثلون سيادة الشعب.

كان الدستور التركي هوأكبر إصلاح تشهده البلاد؛ فهو يجسّد حالة الخروج من حكم العائلةوالوصول إلى الحقبة الحديثة وهي الحالة التي أضحت في خطر بسبب الاستفتاء الأخير الذي جرى في السادس عشر من أبريل للعام الحالي.
حظي هذا الاستفتاء باهتمام كبير؛ باعتباره استفتاء على سلطة الرئاسة التركية واستفتاء على السياسي المُستقطَب الذي يشغل هذا المنصب الآن وهو “رجب طيب إردوغان”. وعلى الرُغم من ذلك فقد مثّل الواقع أبعادا أكبر من ذلك بكثير.

موت الحداثة:
سواء كان الأتراك مدركينلهذا الأمر أم لا، فإنهم – وعندما صوّتوا ب “نعم” – كانوا يسجلون معارضتهم للدستور التركي الذي وضعه “المجلس الوطني الكبير”، ولنسخة الحداثة التي تخيّلها “أتاتورك” ونجح في تمثيلها.
وعلى الرُغم من الجدال الدائر وسط صفوف المعارضةبشأن النتائج النهائية للتعديلات، إلا أنه يمكن القول بأن الأترك منحوا “إردوغان” وحزبه “العدالة والتنمية” رخصة لإعادة تنظيم الدولة التركية، وتدمير القيم التي بُنيَت عليها.

حتى لو أُصيب معسكر “لا” بارتباك جرّاء هزيمته؛ إلا أنه سوف يشكل مقاومة فارقة أمام مشروع “إردوغان”.
وعلى الرُغم من ذلك فسوف تكون النتيجة المتوقعة هي استمرار عمليات التطهير، وهي النتيجة التي بدأت في الظهور حتى قبل الانقلاب الفاشل الذي وقع في يوليو من العام الماضي؛ الأمر الذي سوف يؤدي إلى زيادة حملات الاعتقال، والمزيد من نزع الشرعية عن معارضة البرلمان وهي شواهد سوف تُزيد من زعزعة استقرار السياسات التركية.

يفخر إسلاميو تركيا بالحقبة العثمانية، وهم بهذا الفخر يعبرون – وبشكل غير مباشر-  عن ازدراء مُبطَّن للجمهورية التركية.
فبالنسبة إلى “نجم الدين أربكان” – والذي قاد الحركة الإسلامية في تركيا منذ أواخر الستينيات وحتى بداية ظهور حزب العدالة والتنمية في أغسطس من العام 2001 – فإن الجمهورية تمثل حالة من التنازل الثقافي والعلمانية القمعية من أجل خدمة أفكار “أتاتورك” الممسوخة–على حد وصفه-  والتي تقول بأن الدولة التركية يمكن أن تكون غربية أو بأن العالم الغربي سوف يقبلها.
بدلا من ذلك رأى “أربكان” أن مكان “تركيا” الطبيعيلن يكون وسط إدارة “الناتو” في بروكسل بل لابد وأن تكون قائدا للعالم الإسلامي مع شركاء مثلباكستان وماليزيا ومصر وإيران وإندونيسيا.

صورة الإسلامي المُختلِف:
وحين تمرّد تلاميذ “أربكان” عليه – كان من بينهم إردوغان والرئيس السابق عبدالله غل– وأسسوا حزب “العدالة والتنمية”، تخلّصوا من نغمة معاداة الغرب التي كان يتبناها “أربكان” بل أظهروا دعمهم لفكرة ترشيح تركيا لأن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي، وبنوا لأنفسهم صورة المسلم الذي يمثل الند للديمقراطيين المسيحيين في أوروبا. وعلى الرُغم من ذلك فقد استمروا في الاحتفاظ  بالأفكار الإسلامية التقليدية المتعلقة بدور تركيا في الشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي.
كما سعى مفكرو الحزب – ومنهم رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو – إلى إخفاء تحفظاتهم حول مدى التوافق بين المؤسسات السياسية والاجتماعية الغربية وبين المجتمع الذي يمثل أغلبية مسلمة، لكن قيادة الحزب لم تمارس تلك الفكرة بل اختارتأن تركز على تقويض جوانب من إرث “أتاتورك” في ظل إطار الجمهورية وهو الأمر الذي لم يعد محل تركيز.

يعتقد حزب “العدالة والتنمية” ومؤيديو “نعم” أن انتقاد التعديلات الدستورية هو أمر جائر؛ مؤكدين أن تلك التعديلات لا تسعى إلى تقويض البرلمان المُنتخَب أو الرئيس أو حتى الاستقلال القضائي، وعلى الرُغم من حقيقة هذا الكلام إلا أنه يمثل توصيفا هشاً للنظام السياسي الذي يتصوّره “إردوغان”.
فسوف يتسع حجم السلطة التنفيذية الممنوحة للرئاسة، بما يشمل تعيين القضاة دون مشاركة البرلمان، وإصدار مراسيم لها قوة القانون، بالإضافة إلى أحقية الرئيس في حل البرلمان.

كما سوف يتمتع الرئيس وحده بامتياز تعيين المناصب العليا في الحكومة، ويمارس سيطرة خاصة على القوات المسلحة.
إلى جانب ذلك سوف تلغي التعديلات الحاجة إلى منصب رئيس الوزراء، وسوف يحتفظ البرلمانببعض السلطات التشريعية؛ ولكن إذا كان الرئيس وأغلبية البرلمان من نفس الحزب السياسي فسوف تكون سلطة رئيس الجمهورية مُطلقة.
وبالإضافة إلى عدم التوازن وعدم وجود أية آلية رقابية على رئيس الدولة – والذي سوف يصبح أيضا رئيسا للحكومة – فسوف تُعنى التعديلات الدستورية بالقانون الأساسي وبكافة الجهود اللاحقة من أجل محاكاة المباديءالتنظيمية للدولة الحديثة.
إذن ستكون النتيجة أن “إردوغان” – والذي سوف يُمنح سلطة لم تسند من قبل لأي قائد تركي منذ عصر السلاطين – سوف يكون بالفعل “عثماني جديد”.

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

أضف ردك