الآن تقرأ
في غرفة العنكبوت

أول معرفتي بالأمر كانت عندما اثيرت ضجة كبيرة في مدرستنا الإعدادية، والسبب هو أن أحد المدرسين أمسك بمجموعة من الطلاب في حمام المدرسة وهم يخرجون أعضائهم الذكورية من سراويلهم ليقيسوا أيهم صاحب العضو الأكبر، بالطبع كان الموضوع مثير للضحك بالنسبة لي، ولم أفهم لماذا كبر الموضوع إلى حد يجعل مدير المدرسة يتدخل ويستدعي أولياء أمور هولاء الطلبة، وتجعله يقف في طابور الصباح يهدد بالفصل أي طالب يكرر نفس الفعل.

كان خيالي يقف عاجزا أمام تصور مشهد أن هناك علاقة جنسية تجمع بين رجلا ورجلا مثله، خصوصا إنني قد بدأت أستوعب شكل العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وأن الموضوع أكبر من مجرد قبل يتبادلها الإثنان، ثم يأتي هذا الحدث ليوسع الأمر أكثر ويزيد إرتباكي أكثر وأكثر، فكرت أن أكتب في هذا الموضوع، ولكنني لم أستطع، لنقص معلوماتي من ناحية، ومن ناحية آخرى لإختفاء عامل الشجاعة الذي يعتبر أهم العوامل التي تجعل الكاتب يقتحم بقلمه عوالم المسكوت عنهم، لم أستطع، ولكن محمد عبد النبي إستطاع.

ينسج محمد عبد النبي ببراعة خيوطه ليبني بيت العنكبوت، ورغم أن أهون البيوت بيت العنكبوت، إلا أن الكاتب أحكم بنيانه حتى أصبح من الصلابة ما يؤهله لينافس بقوة على حصد جائزة البوكر لهذا العام.

هي قصة هاني محفوظ، الرجل الأربعيني ذو الميول الجنسية الشاذة، يتنقل الكاتب بسلاسة بين الحاضر والماضي ليسرد لك تفاصيل مرضه أو مأساته سمها ما شئت، تتخللها قصص لبعض الحبايب (على حسب تعبير الرواية) الذين يشاركونه ميوله، أوضح بهم أن الأمر ليس له علاقة بطبقة أجتماعية معينة أو بتدليل زائد أو حتى قسوة في التربية، وأن الأمر له أبعاد آخرى أكبر من ذلك بكثير.

هي رواية تدرك من صفحاتها الأولى حجم المجهود المبذول فيها، لو عصرتها ستنزل عرق كاتبها، وفي نفس الوقت لا تعتبر كتابا يسعى لتحليل الظاهرة وإكتشاف أبعادها وتقديم حلول لها، إنما ينظر للأمر من منظور روائي يسرد القصة من منطقة حيادية، لا هو مع ولا هو ضد، فساعده ذلك على خروج الشخصيات بالصورة التي هي عليها في الرواية، تتعاطف معها أحيانا وتشمئز منها أحيانا آخرى.

في غرفة العنكبوت رواية تستحق الخلود، ليس فقط لأنها عمل أدبي قوي ومتماسك، وانها كالزهرة المتفتحة وسط الأرض البور التي ترتع فيها الطفيليات والزروع الشيطانية، وإنما لأنها أنحازت للإنسان بغض النظر عن الزمان والمكان، فسواء عليك إذا قرأتها في الماضي أو في المستقبل، في مصر أو خارجها، سواء كنت مسلم أو مسيحي أو حتى بلا ديانة فلن يختلف كثيرا تقييمك لها إلا بقدر إختلاف طبائعنا الإنسانية.

كان هناك سوء تفاهم بيني وبين صديقي، فأراد صديقي أن يصالحني، ولأنه يعرف شغفي بالقراءة فقد حسم أمره بشراء كتاب لي كهدية، فذهب إلى إحدى المكتبات ووقف هناك حائرا، فهو ليس ممن يقرأون الكتب فما بالك بشرائها، فوقف في المكتبة كالغريب في أرضا غريبة لا يعرف فيها أحد ويتحدث سكانها بلهجة غريبة عنه حتى وإن تشابهت حروفها مع حروف لغته، لاحظ البائع حيرته ويبدو إنه أستوضح من معالم وجه صاحبي إن حيرته منبعها الجهل وليس تشتت الإختيار، فأراد أن يساعده ودله على رواية مرشحة لجائزة البوكر وهي من أكبر الجوائز في الوطن العربي، فأستعذب صديقي الوصف وقرر شرائها، وقد كان فعلا، وأحضر لي صديقي رواية (في غرفة العنكبوت) وقدمها هدية لي.

لقد كان موقفا صعبا أن أشرح لصديقي أنه من بين جميع الروايات والكتب المعروضة أختار رواية تتحدث عن المثليين ليصالحني بها، ولكنها كانت لفتة كريمة منه لم أرغب في طمس معالمها، تخيلت وقتها لو إنه عرف بموضوع الرواية فماذا سيكون رد فعله، أنا أعرف صديقي وأستطيع تخيل إنفعالاته وقتها، سيتهمنا نحن معشر الكتاب بالسعي نحو إفساد المجتمع وتضليل شبابه عبر نشر الفجور على صفحات الكتب، سيسألني عن أهمية هذا الموضوع وأهمية التحدث فيه، وبالطبع سيتهم الكاتب بالشذوذ الجنسي وقد ينظر لي نظرة شك لأني معجب برواية كهذه، سيكون صعبا عليه أن يتقبل أن هذه رواية تخضع لما تخضع له قوانين هذا العالم، وسيتطلب مجهودا كبير لأوضح له الأمر، لذلك آثرت السكوت مشفقا على كاتب الرواية من المواقف التي تعرض لها بعد نشر روايته تلك.

 

عن الكاتب
حسين رضوان
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق