الآن تقرأ
المجد الحائر بين قارتين وقدم

باب منزل ملون بالأزرق من الداخل في منتصفه تقع نافذة صغيرة محاطة بشبكة حديدية لا تُفتح ملطخ ببصمات أصابع طبعت عليه على مدى ثمانية عشر عامًا عاشتها أسرة الحاج صلاح في ذلك المنزل
أمسك الابن الصغير مقبض ذلك الباب قافزًا إلى الخارج حاملًا حقيبته وبعينيه لمعة وأمل متوقد وأحلامًا ترسل خياله إلى القاهرة ، يتبعه والده إلى الخارج مبتسمًا واثقًا من قدرة ابنه الصغير على تخطي أي حاجز أو عقبة ممسكًا بيده ويهبط كلاهما درج السُلَّم تاركان المنزل ذي الأربع طوابق ويتوجهان إلى موقف السيارات ليصعدا إلى أول سيارة تهرول إلى القاهرة

عصام الحضرى في سيون

عصام الحضرى في سيون

في مطار القاهرة يخرج حارس مرمى الفريق الأشهر هاربًا من فريقه ومن البلاد بأسرها تاركًا خلفه سيلًا من الأسئلة والشكوك والغضب لم يفكر إلا في مجد شخصي ظن أن تحقيقه لن يحدث إلا في أوروبا قيل له أن هذا قد يبدو صحيحا ولكن في أى بلاد أوروبا ستصنع ما تريد ؟ وكيف تفعل ذلك دون رد جميل ملايين صرخوا باسمك وأنت ترقص فوق العارضة بعد كل نهائي لعبته مع فريقك الأشهر؟!
يصل الفتى الصغير بصحبة والده إلى القاهرة ويدخلان البوابة الكبيرة للنادي الأشهر متجاوزان الحراسة الموجودة عليه ينتظمان داخل صفوف الحشد الكبير منتظران دورهما لدخول ملعب التدريب ليكشف الصغير عن موهبته التي ظن أنها جواز مروره إلى عالم المحترفين الكبار ولكن كل ذلك ضاع أمام عديمي الموهبة الذين يديرون الأمر برمته داخل النادي بل داخل منظومة العمل بالبلاد كلها


يعود حارس المرمى إلى بلاده بعد عام من الفشل الساحق وبعدد كبير من العقوبات التي ألقيت عليه وعلى النادي الذي ذهب إليه دون رضا الجميع مخالفًا كل القوانين والأعراف مصطحبًا معه لعنات الملايين الذين كانوا ينشدون باسمه أناشيد الملوك المنتصرين في القرون الوسطى ، طارقًا كل الأبواب للاعتذار باكيًا ندمًا على ما جرى لكن دون جدوى
في روما يخرج ملكها من الملعب ساخطًا على مديره الفني ليجلس على مقاعد البدلاء مجاورًا لرفيق دربه والرجل الثاني بعده في الملعب قائلًا يعتقدون أننا هرمنا فيبتسم له الرفيق دون رد فقط مشيرًا إلى الجنوب
يعود الطفل إلى مدينته الإقليمية جارًا خيبات الأمل داخل حقيبته التي خرج بها منذ عامين إلى النادي الكبير ويرى والده أن لابد أن هناك أمل أخر وبعد أيام قليلة يخرجان من الباب الأزرق مرة أخرى مغادرين في نفس السيارة الماضية إلى نفس القاهرة لكن إلى نادي أخر به القليل من العقلانية وقبلها إلى العدل الذي يفتقده الوطن وفي هذه المرة ينجح
يتخبط الحارس الكبير بين الأندية فتارة يذهب إلى غريم فريقه القديم وأخرى إلى فرق أخرى بجنوب بلاده وأخرى إلى أندية الوسط حاملًا نفس اللعنات فوق أكتافه لا يستطيع التخلص منها رغم دموعه المُسالة في كل لقاء تلفزيوني أو حوار صحفي ويخرج مسئولي الفريق الكبير يقسمون بأغلظ الأيمان أن لا عودة للهارب
لازال ملك روما ساخطًا على كل المديرين الذين أتوا إلى ناديه ، إنهم لا يصلحون ولا يفهمون فلسفة روما لا يستطيعون أن يكسبوه المجد الذي يستحقه قال ذلك موجها حديثه إلى رفيقه الذي غابت ابتسامته وتبدلت بنظرات استفهام موجهة دومًا إلى الجنوب وكأنه يقول لماذا تأخر الحل؟ ولكن دون أن ينطق أيضًا


عام أو عامين يمران على الطفل الذي أصبح يافعًا وأصبح أيضًا لاعبًا في الفريق الأول مرتديًا قميصه الأصفر ولا يفكر سوى في رد اعتبار ما حصل له مع الفريق الكبير حتى أتاه مدربه وقال له غدًا سيكون ثأرك بين يديك فإما أن تأخذه و إما تذهب إلى غيابات من سبقوك


لا زال الحارس الكبير مشتت لا يكمل موسمًا كاملًا في نادي واحد رغم موهبته الكبيرة قال أحد المحللين ذات مرة -وما أكثرهم هذه الأيام– لابد أن ذلك الحارس لازال يفكر في ناديه القديم ألم يحن موعد العفو؟ ، في اليوم التالي تخرج الجماهير لتصب جام غضبها ولعنات إضافية فوق الحارس الكبير والمحلل الأفَّاق صديقه قاطعين كل طرق العودة له في صفوف فريقهم


انتهت المباراة وخرج الفريق العاصمي مهزومًا مرةً أخرى ليودع بطولة دوري الأبطال بمشاركة ملك روما ورفيقه إلى أخر ثانية في المباراة وسط حسرة المتابعين وعلى ملعبهم هربا سويًا إلى غرف خلع الملابس وملايين الأسئلة تطارد الملك لماذا نخسر بهذه السهولة ؟ في ملعبنا نخسر ؟ أمام متابعينا وأنصارنا نخسر ؟ ثم ينظر إلى رفيقه الذي لازالت عينه تحدق صوب الجنوب ويسأله لماذا لا تجيبني يا دى روسي ؟ لا يجيب الرفيق فقط ينظر إلى الجنوب والسؤال مازال كما هو أين ابن الجنوب ؟
يطلق الحكم صافرته معلنًا بداية اللقاء ويشارك الطفل الذي أصبح كبيرًا منذ البداية أمام الفريق الذي لفظه في السابق تأتي الكرة مرات ومرات بين قدميه في الأولى يتخبط بها وفي الثانية يمررها عائدة إلى مرسلها حتى مرت الدقائق الأولى دون أن يدرى ما الذي يجب أن يفعله ينظر إلى خارج الملعب يرى والده هناك عيناه مبتسمتان كالعادة ويشير إليه فقط استمتع لطالما انتظرت هذه اللحظة ، يشعر بتلك الرجفة تسرى بين أعضائه يصرخ الجميع إليه إنها لك يا أبو صلاح يستلم الكرة في وسط الملعب ، عند الدائرة تحديدًا ، لا ينظرإلى الوراء فقط يرى أمامه مرمى الفريق الكبير مفتوحًا على مصرعيه فينطلق صوبه يمر من أكبر وأقدم وأفضل مدافعي القارة ينفرد بالحارس ويضع الكرة في شباكه معلنًا عن الهدف الأول لفريقه وانتصاره هو على من حاولوا تحطيمه يهرول ناحية والده الذي يلقى له بسيل من الابتسامات والتصفيق الحاد
اختفت أخبار الحارس الكبير لم يعد أحد يهتم بأين يلعب أو لمن أو حتى لماذا قيل أنه هو شخصيًا لم يعد يهتم بل أنه أصبح سعيدًا بمجموعة الإعلانات التى يقوم بتمثيلها ولكن كان الجميع يعلم دون أن يقول ان داخله شوق كبير للعودة
تحمل الجرائد أخبارًا عن النجم الصغير الذي سافر إلى شمال أوروبا مع رفيق أخر من نفس الفريق ليلعبا مع أحد الفرق هناك خبرًا صغيرًا مر بسرعة أمام الجميع دون أن يلاحظوه لكن الطفل لم يكن يكترث فقط ودع والده المبتسم وذهب إلى الشمال ليصنع مجدًا هو جدير به
أمسك ملك روما بتلابيب رفيقه بعد الخسارة الجديدة صارخًا في وجهه قائلًا إذا لم تجب عليا الآن سيكون ذلك فراقًا بيني وبينك لقد تغيرت نظرتك من الجنوب إلى الشمال منذ عدة أيام ورغم ذلك لازلنا نخسر ، ينطق دى روسي لأول مرة ويقول لقد أخبرتني العرافة أن طفلًا من الجنوب سيأتي واضعًا بين قدميه أملًا جديدًا لروما ولكن لا أعرف لماذا ذهب إلى الشمال؟


يخوض الطفل مبارياته أمام الفرق الإنجليزية يصنع الأهداف ويصنع معها ابتسامات للكثيرين يصعد سلم السعادة خطوة تلو الأخرى خاطفا أنظار أفضل مدربي العالم فيختطفونه في البلاد التى غابت عنها الشمس منذ قرن كامل يحاولون تحطيمه كما فعل النادي الكبير في بلاده لكنه يهرب منهم ويذهب بجوار إحدى الطرق التي تؤدي إلى روما منتظرًا عامًا كاملًا حتى يستقر مع ذئاب العاصمة
يعود أبناء النيل إلى قلب قارتهم السمراء بعد غياب أعوام كثيرة ولكن هذه المرة إلى مكانة شكك الكثيرين أنهم قد ينالوها ويعود معهم الحارس الكبير بصدفة لا تحدث إلا في أفلام هوليوود بقيادة لاتينية غريبة عن مسامع متابعي كرة القدم بصحبة الطفل الصغير الذي أصبح نجمًا لامعًا عنا وهناك الكل يهتف بأسمائهما معًا متناسين أخطاء الماضي مع الفريق الكبير حاملين رايات بلادهم بعد غياب مرير
في روما يقف الطفل النجم في وسط الميدان مجاورًا للمك ودي روسي الرفيق الذي عادت إليه الابتسامة وتحولت نظراته إلى ملعب فريقه يقوم بتهنئة طفل روما الجديد على أحد أهدافه يخطو بضع خطوات نحو ملك روما رفيقه القديم قائلًا له هذا الفتى من تحدثت عنه العرافة الآن ترى ما كنت أبحث عنه في الجنوب جلالتك

عن الكاتب
محمد ندا