الآن تقرأ
ارقدي بسلام يا تركيا (1921-2017)

دولة القيم الدينية:
وعلى عكس ما يمكن تصوّره عن الشخصية التي تسعى إلى السلطة من أجل السلطة وفقط، فقد أثبت “إردوغان” أن لديه رؤية تتعلق بعملية الانتقال السياسي في تركيا والتي فيها سوف تصبح الدولة أكثر ازدهارا، وقوة وإسلاما وهو ما يعني أن تكون القيم المُحافِظة والدينية هي حجر الأساس الذي سوف يشكّل سلوك وتوقعات الأتراك بل ويسيطر على طريقة حياتهم.
لكن المشكلة تكمن في اقتناع “إردوغان” بأنه الشخص الوحيد الذي يملك مهارات سياسية، وقدرة أخلاقية على الإقناع بالإضافة إلى حيثية لتنفيذ كل تلك المهام، وبالتالي، فهو بحاجة إلى أن يقود الدولة ويقود المضمار السياسي لها بطرق لم يملكها أبدا أي رئيس تركي.

وإذا نظرنا إلى كل النجاحات السياسية التي حققها “إردوغان” مقارنة بسعيه إلى تأسيس “رئاسة تنفيذية” فإن الأمر يمثل سلسلة من الإحباطات؛ ففي أكتوبر من العام 2011 أعلن “إردوغان” بأن تركيا سوف يكون لديها دستور جديد خلال عام واحد، وبحلول العام 2013 فشلت اللجنة البرلمانية التي تولّت عملية كتابة مسودة الدستور، الأمر الذي جعل “إردوغان” يركز انتباهه على دستور يكتبه حزب “العدالة والتنمية”وحتى ينجح في تمرير هذا الدستور فهو بحاجة إلى تعزيز أغلبيته البرلمانية.
لكن عندما فشل في الحصول على 367 مقعدا (من أصل 550) – وهو العدد الذي يخوّل له التصديق على التعديلات الدستورية دون العودة إلى الشعب – اضطر إلى الاستسلام إلى فكرة إجراء استفتاء على الدستور وهو ما تم في السادس عشر من الشهر الجاري.

وحتى يزيد من تدعيم فكرة الرئاسة التنفيذية، بدأ “إردوغان” في التلويح بشبح عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي شهدته البلاد في التسعينيات وحتى أوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين؛ حين أثبتت سلسلة من الائتلافات الحكومية أنها فاسدة وعاجزة عن التعامل مع التحديات التي واجهت البلاد، وهي الفترة التي يعتبرها معظم الأتراك حقبة الفرص الضائعة ويتمنى الكثير منهم ألا تشهدها البلاد مرة ثانية.
وإلى جانب شبح عدم الاستقرار الاقتصادي، فقد أضافت الهجمات الإرهابية التي شنّها متمردو الأكراد – والتي تسببت في مقتل عدد كبير من المواطنين خلال الفترة من صيف العام 2015 وحتى نهاية العام 2016 –  أضافت مزيد من الإلحاح بالنسبة إلى رسالة “إردوغان” بشأن أهمية بناء نظام رئاسي في البلاد.

أيضا سعى الرئيس التركي المُتسَلِطْ إلى تعميق السلطوية التركية عبر إخلاء الساحة من أي معارضة حقيقة وبدأت عميلة التطهير، وهي العملية التي كانت مستمرة حتى قبل الانقلاب الفاشل في يوليو من العام الماضي؛ وكانت البداية بتفكيك حركة “غولن”، وإسكات أصوات الصحفيين عبر زجهم بالسجون وتهديد حياتهم، إلى جانب مطاردة القائمين على حملات “لا للتعديلات الدستورية”.
وحتى يبني دعما راسخا ل “نعم”، بدأ “إردوغان” في اللعب على وتر المشاعر القومية، باختلاق أزمات مع حكومتي هولندا وألمانيا على خلفية تنظيم مسيرات مؤيده له ولحزبه في تلك البلاد.

إضفاء الشرعية على الاستبداد:
لا يجب أبدا أن نندهش من سعي “إردوغان” إلى استخدام كافة الوسائل المتاحة من أجل إجراء التعديلات الدستورية؛ فبعد كل تلك الجهود سوف تعمل تلك التعديلات على تغيير منظمات الدولة التركية وبصورة رئيسة عبر التخلص من عمليات الرقابة والتوازنات في النظام السياسي.
فالقيود التي كانت مفروضة على السلطة التنفيذية لن تكون قوية بالقدر الكافي حتى يبدأ بها “إردوغان”- على الرغم من أنه انقلب عليها بالفعل – لكن لماذا يسعى الآن إلى إضفاء الشرعية على هذا التغيير في إطار المباديء الدستورية؟

إلى جانب الحقيقة التي تقول بأن كل السلطويين يسعون إلى تركيز ممارساتهم الديكتاتورية في إطار من النظام الشرعي حتى يمكنهم التأكيد على وجود “دولة القانون”، فإن “إردوغان” في حاجة إلى غطاء شرعي لتنفيذ أجندته الخاصة بالتحول السياسي الواسع، والسبيل الوحيد الذي يبدو ممكنا هو أن يجعل من نفسه أقرب إلى نموذج “السلطان”.

و”إردوغان” رجل سلطوي كغيره من الرؤوساء في العالم كله، لكنه أيضا محكوم ومتأثر بالتاريخ العثماني، وهناك جوانب عديدة في دوره تعكس تلك الحقبة.
فالرئيس التركي يستعين بأقل عدد من المستشارين – تشمل عائلته جزء منه، حتى أن “القصر الأبيض” الذي يعيش فيه – وهو القصر الرئاسي في أنقرة والذي بناه على أرض كانت ملك لأتاتورك في يوم من الأيام – يشبه- إلى جانب العظمة والأبهة – قصور السلاطين العثمانيين.

يريد “إردوغان” أن يقضي على الجمهورية، لأنه – هو ومن يمثلهم – قد عانوا مرارا من مؤسسي هذه الجمهورية. وعلى الرغم من ذلك فإنه من غير العملي بل من المستحيل أن يعيد “إردوغان” خلق الهيكل الحكومي للدولة العثمانية؛ لكن ما يدور في خيال الإسلامي التركي يقول بأن حقبة العثمانيين لم تكن فقط تمثل التأليه الأكبر للثقافة وللسلطة التركية لكنها كانت حقبة من التسامح والتقدم.

أما بالنسبة إلى الدائرة المُحيطة ب “إردوغان” فإن حقبة حزب “العدالة والتنمية” كانت هي “الحقبة الذهبية”، وهي النسخة المدنية من ماضيهم.
فهؤلاء المتدينون الذين يمثلون طبقة تركيا المتوسطة يستمتعون بالحريات الشخصية والسياسية التي حُرموا منها، كما يعيشون أيضا في ظل نهضة اقتصادية وحراك اجتماعي، وبمنح “إردوغان” سلطة الرئاسة التي يطمع فيها فإنهم يتطلعون إلى المزيد من الانجازات الأعظم.
بالتأكيد هناك ملايين من الأتراك قالوا “لا للتعديلات الدستورية”، وهؤلاء يخشون من استفحال السلطوية ويعتبرون أن الدولة والأفكار “الكمالية” التي تمثلها هي أمر مقدس.

لدى الجمهورية التركية تاريخ معقد لا يمكن إنكاره، لكنه في نفس الوقت يمثل إنجازاً هائلاً؛ ففي غضون قرن واحد تحوّل المجتمع الزراعي الضخم الذي مزقته الحروب إلى قوة مزدهرة كان لها بالغ الأثر في منطقتها وفي مناطق أبعد منها.
في الوقت نفسه كان هذا التاريخ مثالاً للديكتاتورية، والقمع، وأحيانا العنف، وهو ما دفع ب “إردوغان” إلى السعي وراء تحويل تركيا عبر تمكين السلطة الرئاسية وبالتالي غلق الباب أمام أي احتمال لوجود أشخاص مثله يكونون ضحايا للجمهورية.

في النهاية، يمكن القول إن “إردوغان” يقوم وببساطة باستبدال شكل من أشكال السلطوية بآخر، فالقانون الأساسي أو الدستور، والجمهورية التي تلته كانا يمثلان التعبير عن التَمَدُّن.
وعلى الرُغم من أن الجمهورية التركية كانت معيبة وفاسدة، إلا أنها كانت تمثل أيضا احتمالاً لتحقيق الديمقراطية.
لكن تركيا أردوغان الجديدة سوف تغلق الباب تماماً أمام هذا الاحتمال.

الرابط الأصلي:
https://foreignpolicy.com/2017/04/16/rip-turkey-1921-2017/?utm_content=buffer60ea0&utm_medium=social&utm_source=facebook.com&utm_campaign=buffer

عن الكاتب
مريم كمال