الآن تقرأ
قراءة في رواية بيرة في نادي البلياردو

كتابات عديدة تحدثت عن وضع المجتمع المصري بعد ثورة يوليو 1952 كانت كلها تدور في فلك ذم ونقد الطبقة الأرستقراطية أو كما تعرف بطبقة الباشوات والإقطاعيين أعمال روائية عديدة تحدثت فى هذا الشأن كأعمال توفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس كذلك تكرر الموضوع فى السينما والتلفزيون وكانت كل هذه الأعمال  تنظر للمجتمع من هذه الزاوية إما تقربًا للسلطة أو لتمهيد المجتمع لبداية حقبة جديدة وتنفيرهم من النظام القديم ولكن الرواية مقصد هذا المقال تناقش الموضوع بمنظور مختلف وهى رواية بيرة في نادى البلياردو للكاتب وجيه غالي وتعتبر العمل الأدبي الوحيد له وقد كتبها بالإنجليزية قبل انتحاره فى لندن.

رام بطل الرواية مصري قبطي لعائلة  تنتمي للطبقة الارستقراطية يعيش علي نفقة عائلة أمه بالتحديد بعد أن صادرت الثورة أملاكهم .

شخصية رام وهو محور هذه الرواية تبدو للوهلة  الأولى شخصية مشتتة بالرغم من امتلاكه ثقافة  واسعة وأفكار جيدة ،دائم السخرية من المجتمع وعائلته على وجه التحديد ، هو المثقف الناقم على كل شيء ورغم ذلك يقف موقف العاجز عن فعل أي شيء حتى تغير واقعه ورغم سخريته من الطبقة الارستقراطية ونقمته عليهم إلا أنه يتمتع بمميزات هذه الطبقة من ارتياد النوادي وشرب الخمور الفاخرة وعديد من المميزات.

“رام” لديه صديقان هما المقربان له هما “إدنا” اليهودية المصرية من عائلة شديدة الثراء الفتاة المشتتة بين يهوديتها ومصريَّتها بين نشأتها الإنجليزية ونقمها للاحتلال الإنجليزي على مصر وعضويتها بالحزب الشيوعي المصري ومقاومتها للاحتلال .

فونت رفيق القراءة واللعب في صالة البلياردو والشرب واللهو عضو الحزب الشيوعي أيضًا من أشد أنصار ثورة  يوليو 1952 انضم للفدائيين  وأصيب خلال مقاومته للاحتلال بعد عودته من بريطانيا مفضلاً العمل كبائع للخضار عن العيش فى بريطانيا.

يفتتح وجيه غالى الرواية باقتباس للكاتب الروسي  ديستوفيسكي “نحن نسعى لأن نكون شخصيات ذات طابع عمومي”

يناقش وجيه غالى  من خلال شخصية  رام الصورة النمطية التي أرادوها له كفرد من عائلة أرستقراطية الاستقرار فى عمل روتيني التزوج من فتاه أرستقراطية  امتلاك دخلاً عاليًا ولكنه تمرد على هذه الصورة ونظرًا للإحباط الذي تعرض له هو والعديد من أفراد جيله بعدما فشلت الثورة فى تحقيق طموحاتهم أصبح شخص عابث لا يفعل شيء غير الشرب ولعب البلياردو وخلق هذا الإحباط تناقض كبير فى شخصيته فهو يعيش على عاتق عائلة أمه الثرية رغم نقمته عليهم وتمنيه انهيار هذه الطبقة حتى يتساوى  معهم ويبحث عن عمل ولكن مادامت مستمرة فهو لن يكلف نفسه عناء البحث عن عمل، كان أحيانًا يشعر بتعاطف كبير مع الفلاحين نتيجة  تأثره بالشيوعية ورغم ذلك كان يسخر منهم ويتهمهم بالخداع والاحتيال.

ورغم كل هذه التناقضات والأحداث التي توصف شخصية رام وتبين مدى استهتاره وتمرده إلا إنني أري أنه شخصية  صادقة فى كشف نفسه من الممكن أن تحبه كثيرًا وأن تنقم عليه كثيرًا تتذكر لامبالاته وتصرفاته المندفعة ولكن لا تغضب منه ولا تشفق عليه.

الرواية تعري كثيرًا من تصرفات الطبقة التي ينتمي لها بطل هذه الرواية مثل التبرع الكاذب بالأراضي تجنبًا للمصادره وعدم تغير طريقة معيشة هذه الطبقة رغم قيام ثورة  مناديه بالعدالة

يقول وجيه غالي على  لسان بطل الرواية أن التغير الوحيد الذى حدث هو أن ضباط الجيش وأبنائهم أصبحوا لديهم نفس امتيازات الطبقة الحاكمة قبل الثورة “قبل الثورة كنت تلتقط أجرتك فى الأحياء الراقية فقط ،الآن الضباط يركبون التاكسي أيضاً، هذا يعنى أن لدينا أولاد الذوات والضباط “

تطرقت أيضًا الرواية إلى حالة التشتت الروحي والديني الذى عانى منه المجتمع فى هذه الفترة دون التدخل فى انتماءات وميول شخصيات الرواية الدينية ولكنها مُثلت فى شخصية رام الذى يتذكر لحظات ذهابه للكنيسة مع أمه فى الصغر دون ذكرها مرة أخرى خلال أحداث الرواية حتى تعليقه حول الآذان يعد تجسيدًا لشخصية رام المستهترة.

الرواية مكتوبة برتم مشوق ومثير متسقًا مع شخصية بطل الرواية كذلك رسم الشخصيات يبدو واقعيًا أكثر من كونهم شخصيات خيالية

ميزة الرواية ليست فقط فى الزاوية التي ناقشت فيها أحوال المجتمع فى هذه الفترة ولكن شخصية البطل وصدق متأملاته والتي تعد تجسيدًا واضحًا لحالة الإحباط التي سيطرت على جيل آمن بالثورة ليستفيق على انهيار كل مبادئها وأهدافها.

———————————————————————————————————-

عن الكاتب: وجيه غالي (1930 – 1969) كاتب مصري، له رواية وحيدة هي بيرة في نادي البلياردو والتي كتبها أثناء إقامته في أوائل الستينيات بين برلين ولندن، ترك غالي بلده مصر في أوائل الستينيات وسافر إلى أوروبا ليعمل في وظائف غير مستقرة، منها عامل في مصانع ببرلين وعدد من الوظائف الأخرى، وهي الفترة التي بدأ فيها بكتابة روايته الأولى والوحيدة، كما عمل كمراسل صحفي وكتب تحقيقات لمجلة صنداي تايمز بناء على زيارته لإسرائيل في الستينيات، انتحر وجيه غالي في شقة الكاتبة الإنجليزية ديانا آثيل عام 1969.
عن الكاتب
مصطفى سعد
التعليقات

أضف ردك