الآن تقرأ
الكابوس (قصة قصيرة)

 

قرص الشمس في كبد السماء يرسل إشارات تهديد لمن يواجه أشعتها، يلقى الناس هذه التهديدات بلا مبالاة وكأن نفوسهم قد إعتادت التهديد والوعيد، الصحراء ممتدة أمامي من كل إتجاه، لا أثر لعمران أو زرع، الناس حولي يمشون حفاة رغم سخونة الرمال أسفلهم، أجد نفسي أسير وسطهم حاملا نفس نظرة اللامبالاة، أجهل كل شئ كأني ولدت اليوم، أرتدي ما يستر عورتي فقط، ويبدو إنه الزي الموحد في البلاد.

واصلت السير مع الجموع حتى وصلنا لما هو أشبه بالسوق في العصر الجاهلي، حيث عدد من الباعة يعرضون بضاعتهم من طعام وشراب وأقمشة وعبيد وتماثيل عرفت بفطرتي إنها تخص الحاكم، مررت على بائع يعرض عبد تبدو عليه علامات القوة والشجاعة أمامه رجلان إلتقطت أذني حديثهما دون قصد:

_ هذا عبد ذو بأس فلما يا ترى تخلى عنه سيده؟

_ إنه عبد أبق كثير التمرد

أكملت سيري فلم أستمع إلى باقي الحوار.

وجدت بالقرب منه بائع آخر يعرض فتاة بارعة الحسن، والناس حوله يتنافسون على إقتنائها،  فسمعت أحدهم يقول:

_ إذا ظفرت بهذه الفتاة فسيتبقى لي السمراء حتى أكمل باقي المجموعة.

أكملت سيري حتى وصلت لتمثال كبير للحاكم، يلتف الناس حوله بين راكع وساجد وسائل، يقدمون له القرابين ويسألونه العفو والصفح، وقف بجانبي بعض الناس سمعتهم يتهامسون فيما بينهم:

_ أنظروا لهولاء الجهلاء، إنهم يعبدون ما لا يملك لهم ضرا أو نفعا.

ثم أخرج أحدهم تمثالا صغيرا لشخص عجزت فطرتي عن معرفته ثم خروا له ساجدين مرددين:

_ سيدي.. إشملنا بعطفك ولا تجمعنا مع القوم الفاسدين.

أكملت سيري حتى وصلت لبئر يلتف حوله الناس وقد وقف بينهم شخص في كامل زينته وهتف فيهم قائلا:

_ أبشروا … لقد أنعم عليكم مولانا بمقدار غرفة يد من الماء بالمجان.

أستقبل الناس حوله الخبر بالإبتهاج والترحيب مرددين عبارات الثناء على كرم مولاهم.

كنت أسير شاردا لا أفكر في شئ ولا أرغب في التفكير في شئ إلى أن اقتنصتني ضربة سياط، فشعرت بالدم وهو يسيل على ظهري من أثرها، ورغم ألم الضربة إلا أنني أحتفظت بنفس نظرة اللامبالاة، نظرت خلفي فوجدت موكب ضخم من الخيول والجمال يتقدمه الحرس، ويبدو أن نظرتي تلك قد أغرت الحارس على ركلي وهو يقول:

_ إبتعد عن الطريق إيها النجس.

سقطت على الأرض، وظللت ساكنا أنظر إلى السماء حتى بعد مرور الموكب، وفجأة أختفت الشمس القاسية خلف غيوم داكنة السواد، وظهرت بالأفق سرب من الطيور لا تحسب إن له آخر، طيور ليست كتلك التي نعرفها في عالمنا، بل كأنها جاءت من قلب الجحيم، سوداء سواد ليلة بلا قمر، عيناها كجمرتين من نار، مرت فوقنا وألقت ما كانت تحمله بين مخالبها، حجارة من سجيل لها تأثير القنابل النووية فجعلتنا كعصف مأكول.

فتحت عيني وأنا أتحسس جسدي وأطمأن على سلامته، ولكن الغريب أن ضربة السياط ما زالت تؤلمني، كنت غارقا في عرقي رغم برودة الجو وكأني كنت أسير في قلب الصحراء، أتجهت صوب المطبخ، أخرجت زجاجة مياه أفرغت نصفها في جوفي وعدت إلى غرفتي وأنا غير مصدق أن ما رأيته منذ قليل كان مجرد حلم.

عن الكاتب
حسين رضوان
التعليقات

أضف ردك