الآن تقرأ
الأخوة كارامازوف صراعات الأضداد

فيودور ديستوفيسكي الأسم الأشهر في عالم الأدب الروسي ومن أشهر الأدباء في تاريخ الإنسانية ‘ ديستوفيسكي له العديد من المؤلفات آلتي أثرت الفكر الإنساني منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر حتى وقتنا هذا.
فضلاً عن كون ديستوفيسكي أديباً وروائياً كبيراً هو أيضاً فيلسوفاً قديراً أستطاع من خلال أعماله الأدبية التعمق واكتشاف دواخل النفس البشرية من أكثر الجوانب ظلمه ورصد الصراعات داخل الفرد الواحد والصراعات بينه وبين الآخرين رصد الصراعات بين الأضداد في مجتمع الإنسانية الصراع بين الخير والشر، الحقيقة والزيف ، الجمال والقبح والعديد من المتناقضات التي شكلت شكل الحياة في المجتمع الإنساني.
تعتبر الأخوة كارامازوف أخر أعمال ديستوفيسكي فبعد وفاة أبنه بداء الصرع أراد ديستوفيسكي البدء في مشروع أدبي ضخم يكون ختاماً لمسيره آثرت المجتمع الإنساني كله فخرج لنا هذا العمل الأدبى العظيم.
تدور أحداث الرواية في إحدى القرى الروسية الصغيرة حول أسره تتكون من أربعه أفراد أب وأبنائه الثلاثة معبريين عن هوية مشتته وأيدولوجيات مختلفة
الأب فيودور كارامازوف المهرج المثالي والشهواني الكاذب الجانب الشيطاني من الإنسانية ينجب من زوجته الأولى أبنه الأكبر ديمتري الذي يمثل بشكل كبير التناقضات داخل النفس البشرية الواحده فهو ضابط ذو بأس شديد يمتلك وجهاً جامحاً معبراً عن قوه الرجال مع عاطفه قلب كبيره معبره عن تعنت الأطفال وسذاجتهم يدخل في صراع مع أبيه حول الميراث وحول إمرأه تدعي جروشنكا العاهره في نظر المجتمع والملاك في نظر عائله كارامازوف  تصل حده هذه المناوشات إلى حد العراك والتهديد بالقتل من الأبن لأبيه.
بعد موت زوجته الأولي يتزوج فيودور للمره الثانيه من إمرأه ينجب منها ولديه الأخرين إيفيان الشخص المثقف الذي لايقبل التسليم بأي شيء دون التشكيك فيه ممثلاً الصراعات الوجودية  في المجتمع الإنساني و أليكسي  «إيليوشا» البرئ والطيب رمز المحبه والسلام داخل المجتمع الإنساني وسط ظلمه الصراعات البشريه التى لاتنتهي .
سمردياكوف الأبن غير الشرعي لفيودور من إمرأه مشرده سمردياكوف مصاب بداء الصرع وهنا أدخل ديستوفيسكي شخصية سمردياكوف الي الرواية ليكون بمثابة المرآه التي تكشف تشوهات النفس البشرية وتعري مثاليتها الزائفه وتطعن شخصياتهم المشوهه ومع ظهور جروشنكا المرأه محور الصراع بين الاب وأبنه ينتهي هذا الصراع بجريمه قتل للأب ويُتهم فيها الأبن الأكبر ديمتري الذي أعلن في أكثر من مناسبه نيته القيام بقتل أبيه مبرراً ذلك بمحاولة أبيه حرمانه من ماله في الميراث ومحاولة خطف حبيبته ولكن من خلال أحداث الرواية يظهر أن الفاعل الحقيقي هو سمردياكوف الذي ينتحر ليله محاكمه ديمتري التي توجهت ضده كل أدله الإتهام وتنتهي المحاكمه بحكم مؤبد علي ديمتري ويترك ديستوفيسكي للقارئ الحكم الفعلي من خلال نهايه مفتوحه تقبل كل الاحتمالات.
الرواية تُعّد عمل أدبي متكامل مرجعاً إنسانياً شاملاً للمجتمع البشري ككل ستجد نفسك شخصاً من شخصيات هذه الرواية ديستوفيسكي حول الرواية ببراعة أدبية إلي رواية بوليسية جعلتني أهتم ليس بالبحث عن القاتل الحقيقي وحسب بل بالبحث في دوافع الوجود الإنساني كله وكشف المثاليه الزائفه والشيزوفرينيا التي يحياها هذا المجتمع بتحليل دقيق لكل شخصية من شخصيات الرواية.
أسس ديستوفيسكي في هذا العمل لنظاماً إنسانياً أشبه بالمدينة الفاضلة عند أفلاطون نظاماً ليس قائماً علي الدين أو اللون أو العرق بل قائماً علي الأخلاق وهو محور البناء الفني للرواية الصراع بين الخير والشر داخل الرواية صراع دموي مميت يستخدم كلاً أسلحته المشروعه وغير المشروعه محاولاً الإنتصار الذي يظهر لمن يقرأ الرواية إنتصار الشر بموت الأب وسجن الأبن جراء اتهامه بإرتكاب الجريمة وإنتحار الفاعل الأصلي ليله المحاكمة واختفاء شواهد الجريمة ووصول الأبن الأوسط إيفيان إلى حالة من الهذيان والجنون وحوله مع شيطانه في واحده من أجمل أجزاء الرواية الأمر الذي أفضى إلى ضياع هذه الأسرة الصغيرة ، ولكن وجود إيليوشا الجانب المضئ في المجتمع الإنساني جانب الحب والسلام القديس الذى يحبه الجميع ويصدقونه هو إنتصار للخير والسلام والجمال والمعاني الإنسانية السامية حتي لو توهم الشر الإنتصار خلال أحداث الرواية.
لقد عمد ديستوفيسكي الي التوغل بغير رحمه داخل أواصر النفس البشرية للوصل الي أكثر الأماكن ظلمه آلتي تخلص الفرد من معاناته وعذاباته وبلوغ أعلى درجات الكمال والجمال والوصول إلى طريق الخلاص والذي يراه ديستوفيسكي متمثلاً في المسيح لذا يقول ديستوفيسكي الجمال ينقذ العالم.

عن الكاتب
مصطفى سعد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق