الآن تقرأ
“تانغو الخراب ” .. ساعات البؤس الرهيب

“في تلك الحالة يجعلني انتظار الشيء أخسره” فرانز كافكا

بهذه الكلمات يفتتح الروائي المجري لاسلو كراسنا هوركاي الحاصل على جائزة البوكر الدولية عام 2015 م روايته “تانغو الخراب” والتي ترجمها للعربية الحارث النبهان عام 2016م عن دار التنوير.

صوت قرع المطر على جدران منازل هذه القرية لا يتوقف الكل قابع في منزله خلف الشبابيك يراقب الطريق لا أحد يخرج من منزله غير الأختين هورغوس إلى بناء الطاحون لعملهم كمومستين في انتظار أي عابر في هذه القرية البائسة الرواية تبدأ بمشهد للسيدة شميدت مع عشيقها فوتاكي وزوجها السيد شميدت في منزلهما المتهالك من دون ردة فعل من الزوج الذي يعلم أن الجميع يتملقون في كل جزء من جسم زوجته حتى بدأوا التحرش بها خلال اجتماعهم المسائي في حانة القرية وهناك أيضاً السيدة كرانر وزوجها والسيدة هاليكس وزوجها وهناك مدير المدرسة وكذلك الطبيب الذي خُصص فصل كامل في الرواية للحديث عنه وكذلك يوجد صاحب الحانة الذي يعاني مع خيوط العنكبوت في حياته القذرة وكأنه صراع مع القدر وهناك السيدة هورغوس وابنتيها اللتان تعملان كمومستين كما ذكرنا سابقاً وابنتها الصغيرة المنبوذة من أخيها الأكبر ساني الذي خصص لها الكاتب فصلاً كاملاً للحديث عنها وقتلها قطتها الصغيرة ثم قتل نفسها بتناولها لسم الفئران والذي يصلح أن يصير رواية في حد ذاته هؤلاء هم شخصيات الرواية في هذه المزرعة البائسة في انتظار إرمياس الذي يأملون أن يكون مخلصهم من بؤسهم الذي لانهاية له.

الرواية تقترب من السوداوية بطريقة مثيرة تشعر خلال قراءتك لهذه الرواية بمشاهد سينمائية تُعرض أمامك من خلال عرض مطول لدواخل الذات البشرية لكل شخصية من شخصيات وصف الكاتب لشخصية الطبيب وجلوسه خلف نافذته مراقباً ما يحدث ووصف الكاتب بالأشياء المحيطة به في غرفته حركته البطيئة و اعتماده على السيدة كرانر فيما يتعلق بالطعام والشراب ونظرته لها وتفرسه بها وهي واقفه على باب غرفته مشهد دراماتيكي من الممكن أن تُبني عليه رواية كاملة سماعه لأصوات قرع الأجراس الذي ظن في البداية أنه مجرد وهم نتيجة شربه المتواصل للبالينكا ولكنه وبعد خروجه من المشفى يخرج من بيته لا يجد أحداً من سكان القرية بعد رحيلهم لا يجد سوى  البيوت المتهالكة وهو ما يثير استغرابه ولكنه لا يثير اهتمامه كل هذا الخراب كل ما يهمه معرفة مصدر قرع الأجراس هذه الذي يعد له بمثابة الأمل وسط ما يعانيه من بؤس داخل هذه القرية حتى يصل إلى كنيسة في قرية مجاورة لقريتهم ويجدها مهجورة ويتمكن من الدخول ليجد مشرداً هو من يقرع الأجراس أملاً في المساعدة فيتركه ويعود إلى بيته دون أي أمل.

المشهد الثاني هو مشهد الطفلة الصغيرة ابنة السيدة هورغوس وقطتها ، الطفلة المنبوذة من عائلتها ونظراً الجميع يعاملها كونها طفلة متخلفة عقلياً فيسلبها أخيها مالها الصغير وتعاملها أمها بقسوة بالغة  جعلتها تقبع في غرفتها الصغيرة مع قطتها وهو ما جعلها تستعرض قوتها علي هذه القطه وتدخل معها في صراع قوي أشبه بمشهد حرب بين جنديين متقاتلين في غرفتها المظلمة وهو ما جعل قطتها تخاف من بطشها وتهرب في زوايا الغرفة المظلمة حتى مشهد الأكل عندما تجبر قطتها على الأكل وتغمس وجهها كله في صحن الطعام حتى تموت القطة مختنقة ثم خروجها ومعها القطة الميتة تحت نزول المطر الغزير وذهابها إلى مكان شجرة النقود التي أوهمها بها أخوها ساني لتكتشف مدى سذاجتها وان أخوها سلبها مالها وبعد ذلك تقابل أخاها ثم تجري هربه منه لتكتشف مدى ضعفها وعدم وجود مكان لها في عالم البشر البائس لتشرب بعدها سم الفئران وتموت منتقلة إلى عالم الملائكة الذين يحبون الصغار مثلها وهرباً من هذا العالم إلى المكان الذي يتواجد به أبيها رغم سوداوية هذا المشهد كله إلا أنه معبراً عن طبائع النفس البشرية بما تحمله من براءة وسذاجة الأطفال وفي نفس الوقت معبراً عن النقص الذي يشوب نفوس بعض البشر ويحاولون تعويضه بالانتصار على منهم أضعف منه وأصغر منه.

المشهد الثالث الجميع جالس في الحانة البؤس يعلو وجوههم المتجهمة لا يفعلون شيء سوى الشرب الجميع في انتظار مخلصهم أكياس مشهد الحانه هو وصف مصغر لمجموعة من البشر لا أحد أعلى مكانة من الآخر لا أحد منهم تحركه الأحقاد تجاه الآخر المشهد أشبه لمجموعة من الأجساد المتراصة بل روح بعضهم ذهب إلى النوم نتيجة الشراب  أو يأسه من انتظار المخلص يكسر  هذا الصمت دخول السائق الذي يخبرهم برؤيته إرمياس و صاحبه على الطريق تدور بعض المناقشات و المناوشات الخفيفة فيما بينهم ثم يعود الصمت مطبقاً على المكان مره أخرى إلى أن يقرر أحدهم عزف التانجو فيتراقصون علي نغماتها رقصة لا تعبر عن البهجة بل من يأس الانتظار رقصة “تانغو الخراب” رقص تعبر عن بقائهم قابعين في بؤسهم اللانهائي إلى أن يظهر عليهم مخلصهم إرمياس الذي يلقي عليهم خطبة بليغة عند دخوله تجبرهم على ترك الباقي من أموالهم أمامه على الطاولة على أمل نقلهم لمكان أفضل للعيش.

إستطاع  لاسلوكراسنا هوركاي من خلال روايته التعبير عن مدى بؤس المجتمع الإنساني من خلال شخصيات وأحداث اتسمت بالسوداوية في بعض مقاطعها مشهد شخصيات الرواية  وهم متجمعين في الحانة في انتظار المخلص هو صورة مبسطة لغريزة النفس البشرية لوجود قائد يشعرهم بالأمان و الخلاص و منحهم فرصة أفضل للعيش ثم تدمير بيوتهم أثناء للرحيل منح المشهد صورة درامية للخراب الذي يعد ردة فعل على مدى بؤس الكامن في نفوس شخصيات الرواية ومحاولة التخلص من ماضً أهدروا فيه حياتهم بلا أمل تمكن هوركاي أيضاً من النفاذ إلى عقول شخصيات روايته وعرض أفكارهم دون وجود حوارات معقدة بل من خلال شرح الذوات الكامنة داخل كل شخصية من شخصيات الرواية وهو ما يضفي علي أسلوب هوركاي لغة سردية أدبية خاصة به.

الرواية مثيرة في سوداويتها  و في السرد السلس لأفكار كل شخصية من شخصيات الرواية دون الدخول في حوارات فلسفية عقيمة كانت ستقلل من القيمة الأدبية لهذا العمل الأدبي الكبير.

عن الكاتب
مصطفى سعد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق