الآن تقرأ
فرانشيسكو توتي : يوم مشى المسيح على العشب

بضجر واضح يربط حذائه قبل ان يتحرك باتجاه الخط للقاء لم يعتبره مألوفا مع الحكم الرابع , نظرة الى ساعة “الاولمبيكو” التي لايتبقى على عدادها سوى خمسة دقائق له ليلعبها تزيد من ثقل وطأة اللحظة , نظرة اخرى غير متحمسة بطرف العين لرجل اصلع يدرك انه لايحبه , لكنه يصيح فيه طالبا المدد او ربما قاصدا احراجه قبل ان يعبر بيمينه الى العشب , فتتحول صيحات الاستياء وصفارات استعجال نهاية مباراة تبدو الخسارة فيها امام تورينو امرا واقعا الى تصفيقات لا تترقب منه شيئا بقدر ما يقنعها ان يبقى ولو بطيفه بينهم , معلق قناة روما ” كارلو زامبا ” يمنحه ما يستحق من اطراء في الثوان التي يستغرقها للوصول لمنطقة الجزاء , قبل ان يصيح من اعماق حنجرته” انه المسيح من جديد” بينما يشاهده متجها للجماهير بعد اول لمساته التي تحولت الى هدف , اللمسة الثانية لم تكن سوى هدف ثان يحول كارلو زامبا الى رضيع يبكي امام المايكروفون  , ويبقى روما لليلة اخرى في طمأنينة ان الخلاص لايزال بين اقدامه

في كل لحظة جلسها على دكة البدلاء بينما ينظر الى الملعب وظهر سباليتي الموجه اليه دائما,  ربما سأل نفس: هل كان سيفوز مع ريال مدريد؟ هل كان سيمحو ارث بلاتيني لو حمل قميص اليوفي بالرقم 10؟ ماذا كان الحال ليكون لو لعب كل مبارياته في سان سيرو حيث يمكنه ان يحول اشخاص كباولو مالديني وخافيير زانيتي الى متفرجين ؟ كيف كانت لتكون حياته وسط امطار انجلترا وضجة “البريمييرليغ” حيث يمكن تحويل طفل الى ثمانين مليون يورو تمشي على الارض في اقل من موسم ؟  , لكنه رأي على العشب ما يجعله على يقين ان ايا من هذا لم يكن ليحدث ابدا , عيون فوجادين بوسكوف التي دفعت به في السادسة عشرة الى جحيم كالتشيو مطلع التسعينيات لم تكن تدرك انها تحول روما من مجرد نادي الى النادي الذي يلعب له توتي , رقم 10 الذي منحه اياه زيدنيك زيمان جعل للعاصمة رقما يمكن نحته على الجدران كما يفعل اسم مارادونا في نابولي , لقب الدوري الذي جلبه مع كافو والداير وباتيستوتا ومونتيلا اصبح مع الوقت لقب دوري توتي , مثلما كان كأس العالم بالنسبة لكل من غنوا معه النشيد الايطالي في ساحة العاصمة كأسه وحده , كان الرجل الذي حمل معجزته  وقف بقدمين مرتكزتين على شرائح بلاتينية ليمنح ايطاليا الحياة في المونديال بركلة جزاء كانت صافرة نهاية مباراة استراليا يستحق ان يعتبره اهل روما بطل العالم الاوحد حتى وان لم يكن له من الاهداف في البطولة الا تلك اللحظة

في مشهده الاخير يتحدث بدهشة اشبه بتلك التي دخل بها الاولمبيكو للمرة الاولى ,  وسط دموع نهاية العالم كما يعرفونه من يمكنهم ان يكتبوا قصتهم من لحظاته كلها بلا تمييز بين ما يصنفه الاخرون بالجيد او السيء بينما لم يستطيعوا هم ابدا رميه بحجر , لا فارق بين هدفه من زاوية مستحيلة في ملعب سامبدوريا وبين ركلته لجسد ماريو بالوتيللي التي طرد على اثرها في نهائي كأس ايطاليا , ليسوا مهتمين بالمسيرة المهنية التي انتهت لمدربين رفضوا ان يضعوا توتي في حجمه الطبيعي كشخص اكبر من النادي ذاته , ولا يعنيهم بالطبع مصير بشرة الدنماركي كريستيان بولسن بعد ان بصق عليه فرانشيسكو يوما ما ليكلف ايطاليا وداعا مبكرا لكأس اوروبا , ربما لم يعد يعنيهم سوى الحلم بأن يأتي كريستيان اخر احتفلوا به مع والده على طريقة الرضيع لسنوات حتى بعد ان كبر , من اجل ان يعيدوا احياء حلم لم يرد يوما حتى تحت كل اثار الكهولة على قدميه ان يستيقظ منه , حلم ذروته ليس الفوز بالتشامبيونزليج او عقد جديد من شركة ملابس رياضية او نادي باموال صينية ، بل ان تكون من يلتقط مع روما بكل مجانينها “سيلفي” بعد احراز هدف في مرمى لاتسيو

عن الكاتب
مروان قطب
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق