الآن تقرأ
كشك الفتنة في محطة المترو

من نكد الدنيا علينا في مصرنا السعيد أن هناك من يصر على تحويلنا إلى دولة الفقيه التي يحكمها الشيخ المعمم، ومن عجائب وغرائب القدر أن الدولة تقف متفرجة أو مشجعة أو محرضة أو غير واضحة الموقف أو الغاية، فهل هي تريدها دولة تحكمها العمامة بأفكار بالية انتهت صلاحيتها منذ قرون أم يحكمها قانون مدني حديث يتوافق مع الحاضر والزمن الحالي وبيان حقوق الإنسان العالمي الصادر من هيئة الأمم المتحدة؟! سؤال لا نجد له أي إجابة.

ومن جديد الطرائف والعجائب، خروج بعض الجهابذة علينا بفكرة يقولون إنها تهدف إلى محاربة الفكر المتطرف، وتتمثل هذه الفكرة في إنشاء “كشك” تابع للأزهر داخل محطة مترو الشهداء برمسيس، والتي تستقبل يوميًا 500 ألف راكب تقريبًا بحسب تصريح وزير النقل، على أن يجلس داخل هذا الكشك شيوخ أزاهرة يفتون للناس من رواد المترو، بهدف نشر الفكر “الوسطي” بين الناس!! دون أن يدري هؤلاء، أو لعلهم يدرون جيدًا، أن هذه الفتاوى ستكون متعارضة بشدة مع الكثير من أحكام القانون “المدني” المصري، مما يعزز الصراع بين الفقه والقانون المدني، وهو ما يؤدي في النهاية إلى نشر المزيد من التطرف لا مكافحته، باعتبار أن الدولة كافرة لا تحتكم إلى الشرع!!

ومن أمثلة هذه الأحكام المتضاربة، على سبيل المثال لا الحصر، مسألة زواج القاصرات، ونحن نعلم أن القانون المصري “المدني” يمنع زواج الفتيات ممن هن دون سن الثامنة عشر، فماذا لو جاء أحد الأشخاص إلى هذا الكشك سائلاً عما إذا كان يجوز أن يزوّج ابنته القاصر التي لم تبلغ الثامنة عشرة بعد، فماذا سيكون رد شيخ الكشك؟ بالطبع لن يرد الشيخ وفقًا للقانون المدني بل سيجيب من كتب الفقه التي تُجمِع كلها على جواز زواج البنت أيًا كان عمرها، حتى ولو كانت في المهد، ولكن لا يجوز الدخول بها إلا إذا كانت تحتمل الرجال، أيًا كان عمرها أيضًا، أي لا يجوز الدخول بها إلا إذا كانت ذات بدن كبير، أي سمينة!!

فقد قال “ابن بطال” في شرحه لصحيح البخاري في صفحة 172-173 على باب تزويج الصغار من الكبار: أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وان كنّ في المهد، إلا انه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء، واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن.

ويجوز تزويج الصغيرة التي لم تبلغ عن طريق أبيها ولا إذن لها، أما عن الدخول بها، فقد جاء في كتاب شرح الإمام النووي لصحيح مسلم ما نصه: “وأما وقت زفاف الصغيرة المزوجة والدخول بها فإن اتفق الزوج والولي (لا رأي للطفلة هنا) على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمل به، وإن اختلفا فقال أحمد وأبو عبيد: تُجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها (عرَّف القانون المصري “المدني” الاغتصاب بأنه مواقعة أنثى دون رضاها، أفلا يُسمى إجبار الطفلة على الجماع هنا اغتصابًا؟!). وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: حد ذلك أن تطيق الجماع (أي، تحتمل الرجال)، ويختلف ذلك باختلافهن، ولا يُضبط بسن.”

ونشاهد في هذا الفيديو شيخًا أزهريًا يؤكد هذا الكلام:

إذن، فإن رد كشك الفتوى هنا فيه دعوى صريحة إلى انتهاك القانون المدني، والخروج عليه، والتحريض ضد الدولة، أليست هذه هي الفتنة بعينها؟!

هل مجدي يعقوب في الجنة؟

ومن الأسئلة التي تداولتها الصحف مؤخرًا باعتبارها شائعة بين رواد المترو هي بخصوص الدكتور “مجدي يعقوب”، فقد ذكرت الصحف أن رواد المترو كثيرًا ما يسألون كشك الفتوى عما إذا كان هذا الرجل العظيم سيدخل الجنة أم لا؟! وكأن الجالسون في هذا الكشك يحملون مفاتيح الجنة وصاروا يبيعون صكوك الغفران للناس كما حدث في أوروبا في عصور الظلام، وكان بعض الموطنين يحملون أفكارًا مسبقة بأن الدكتور مجدي يعقوب لن ينفعه عمله في الآخرة، ولا نحتاج لكثير من البحث لنعرف أن هذا أيضًا سيكون رد الجالسين في هذا الكشك! وهذا الأمر سيكون من شأنه بالطبع تعزيز الطائفية والتمييز بين الموطنين على أساس العقيدة، وهو الأمر الذي تجاوزته كل البلدان المتقدمة، أو التي تريد أن تتقدم، وما زلنا نحن غارقين فيه حتى النخاع، فما يعنينا هنا أن الرجل قد دخل قلوبنا بأعماله العظيمة، ولا حاجة لدينا لهذه الفتاوى التي تزرع الكراهية تجاه هذا الرجل الذي أحبه الجميع بكل طوائفهم وأديانهم ومذاهبهم. أليست هذه هي الفتنة بعينها؟!

 

بناء الكنائس

أما المثال الأخير لدينا هنا هو ما يتعلق ببناء الكنائس، فقد صدر مؤخرًا قانونًا “مدنيًا” يتعلق ببناء الكنائس جاء فيه:

·         المادة الأولى: “يعمل بأحكام القانون المرافق في شأن تنظيم أعمال بناء وترميم الكنائس وملحقاتها بالوحدة المحلية والمناطق السياحية والصناعية والتجمعات العمرانية الجديدة والتجمعات السكنية، التي يصدر بتحديدها قرار من الوزير المختص بشئون الإسكان، على أن يصدر بتنظيم أوضاع الأديرة وما تحويه من دور وأماكن عبادة قانون مستقل”.

·         تنص المادة 2: يراعى أن تكون مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص ببنائها وملحق الكنيسة على نحو يتناسب مع عدد وحاجة مواطني الطائفة المسيحية في المنطقة، التي تقام بها، مع مراعاة معدلات النمو السكاني.

·         ينشر القانون في الجريدة الرسمية، ويُعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره، ويلغى كل حكم يخالف أحكامة.

ونُلاحظ هنا أن القانون المدني قد أكد على “إلغاء كل حكم يخالف هذا القانون بمجرد نشره في الجريدة الرسمية” وقد نُشر القانون بالفعل في الجريدة الرسمية ويمكن الاطلاع عليه من خلال هذه الرابط: http://www.elwatannews.com/news/details/1450760

فماذا إذا جاء أحد الأشخاص إلى هذا الكشك ليسأل عن حكم الفقه في بناء الكنائس، فكيف سيكون الرد؟

قال السبكي: “فإن بناء الكنيسة حرام بالإجماع وكذا ترميمها، وكذلك قال الفقهاء: لو وصَّى ببناء كنيسة فالوصية باطلة، لأن بناء الكنسية معصية وكذلك ترميمها، ولا فرق بين أن يكون الموصي مسلمًا أو كافرًا، فبناؤها وإعادتها وترميمها معصية -مسلمًا كان الفاعل لذلك أو كافرًا”.

ولابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة) كلام في هذا الموضوع ننقل منه جزءًا مختصرًا يفي بالغرض، فقد قال:

“البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة ثلاثة أقسام:

أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام.

الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام، فافتتحها المسلمون عَنوة وملكوا أرضها وساكنيها.

الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحًا.

فأما القسم الأول: فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة… وغيرها من الأمصار التي مصَّرَها المسلمون، فهذه البلاد صافية للإمام، إن أراد الإمام أن يقرَّ أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرًا أو خنزيرًا أو ناقوسًا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدًا. وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع”.

إذن، وفقًا لهذا الكلام، فإن قانون بناء الكنائس قانون فاسد وباطل ولا يجوز العمل به، وأن الكنائس التي تم بناؤها في مدن مثل القاهرة يجب هدمها فورًا، وهو ما يفعله المتطرفون بالفعل من جرائم تفجير للكنائس بِناءً على هذه النصوص، أليست هذه هي الفتنة بعينها؟!

وهناك مسائل أخرى لا يتسع المجال لمناقشتها، مثل فوائد البنوك وضرب الزوجات وأقصى مدة للحمل وغيرها، فالبعض يُحرِّم الفوائد، والبعض يحلل ضرب الزوجات، وهي الأمور التي تخالف القوانين المدنية صراحة، وعيلنا إذن أن نختار إما أن تحكمنا هذه الأحكام الفقهية الاستعلائية التي تجاوزها الزمن أو يحكمنا قانون مدني حديث يؤكد على المساواة وحقوق المواطنة، أما هذه “الخلطبيطة” التي نعيش فيها فهي لن تؤدي إلا للمزيد من الفتن والتطرف.

 

وختامًا، فإن كل ما سبق يؤكد أن هذه الأكشاك هي أكشاك لنشر الفتنة وليس لمكافحتها، وأن محاربة التطرف لا تأتي إلا بفرض القوانين المدنية التي تتفق مع الحضارة الحديثة والتي تتفق مع حقوق الإنسان ولا تدعو إلى التمييز على أساس الدين أو الطائفة أو المذهب، بل تجعل الجميع متساويين أمام القانون وتعزز مبدأ المواطنة، وليس بالاستعانة بشيوخ يستقون أحكامهم من المنبع نفسه الذي يستقي منه المتطرفون أفكارهم.

 

فإلى أين نحن ذاهبون؟

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق