الآن تقرأ
سر رأس المال ( مسرحية من مشهد واحد )

بحلول شهر سبتمبر من عام 2017 يكون قد مر 150 عاما على صدور كتاب المفكر الألماني الشهير كارل ماركس ( رأس المال ) والذي أحدث ثورة هائلة في تاريخ الفكر الاقتصادي وقامت على أساسه مئات الحركات والأحزاب في شتى أنحاء العالم، وفي هذه المسرحية الفانتازية نحاول أن نبسط أبرز الأفكار التي جاءت في المجلد الأول من الكتاب.

بدأ حفل الكوكتيل صاخبا، ثم انقسم الحاضرون إلى أزواج متفرقة تشرب النبيذ على خلفية موسيقى هادئة ومنظر جانبي لنهر رائق.

على أحد الموائد بدا رجلا بدينا متململا من السهرة، كان النعاس يُغالب عينيه الغارقتين في وجه ممتليء ورأس تحيطه دائرة من الشعر الغزير واللحية الهائشة، وبدافع كسر الملل حاول التطفل على حوار يدور بين اثنين من الجالسين بجواره.

 

  • هل رأيت الـ سمارت فون الذي اشتريته في رحلتي الأخيرة لأوروبا !
  • ( قال الثاني وهو يتفحص الموبيل ) مش معقول .. هذا الموديل ظللت أبحث عنه في كل محال مدينتي ولم أجده أبدا .. أفعل لي معروفا وبعه لي أحتاجه بشدة.
  • لقد كلفني ثروة صغيرة ( ثم بلهجة مداعبة ) أدفع تنل ما تريد.
  • ( فتش الرجل في جيبيه بحركة عابثة ) للأسف لا أحمل نقودا كافية .. ولكن ممكن أعطيك أي شيء مقابله .. خذ مثلا هذه الساعة ( وأشار للإسورة الفضية المحيطة بمعصمه ).
  • ساعة في مقابل سمارت فون أحدث موديل !
  • اشتريت هذه الساعة من جنيف .. إنها تساويه في القيمة، بل قد تزيد عنه قليلا.

هنا تدخل الرجل البدين في الحوار:

  • عفوا إن كنت أتطفل على حديثكما ولكنه أثار فضولي .. أريد أن أعرف الطرف الخفي في المعادلة التي تجرونها حاليا !

آثار سؤاله الدهشة على وجهيهما، فاقترب بمقعده أكثر ووضع ساعده على كتف صاحب الساعة وهو يشرح سؤاله لهما :

  • أنت تريد أن تبدل ساعتك بالمحمول لأنك قدرت أن قيمتها تساوي قيمة المحمول .. ما هو المعادل الذي قدرت على أساسه أن الساعة تساوي المحمول في القيمة ؟

حملق الاثنين في وجهه وزادت حيرتهما أكثر، فشمر معصميه وقرب منه بعض أشياء المائدة:

  • سأوضح سؤالي بصيغة أبسط، لنقل مثلا أن هذا الكأس يساوي في الوزن مطفأة السجائر تلك. لقد حكمنا بأن وزنيهما متساويين لأن هناك معادل نقيس به الأوزان وهو جرامات الحديد ( ثم بسط كفيه ووضع الكأس على واحدة والمطفأة على الثانية ) وعندما وزنا الكأس وجدناها تساوي مثلا 500 جرام من الحديد، ووزنا المطفأة فوجدناها تساوي نفس الوزن ، جرامات الحديد إذن هي المعادل الذي نُقدر على أساسه أوزان الأشياء .. سؤالي ما هو المعادل الذي نقدر على أساسه أن الساعة والمحمول متساويين في القيمة؟

سحب صاحب المحمول المطفأة من فوق يده وقال وهو يشعل سجارته الأولى :

  • الأمر لا يحتاج كل هذا التعقيد .. الأثمان هي التي تحدد قيمة الأشياء.

وضع البدين الكأس على المائدة وبدا محبطا من الإجابة، فسأله صاحب الساعة بلطف :

  • عفوا .. هل ضايقك صديقي ؟
  • مطلقا .. ولكن الناس تستسلم دائما للإجابات السهلة، لو سلمنا بأن الأثمان النقدية هي التي تحدد قيمة السلع، فكيف كان البشر يحددون قيمة السلع قبل اختراع النقود؟.

استطاع البدين أن يخطف انتباه الصديقين بهذا السؤال، فأكمل بثقة :

  • أرأيتم كم هو سؤال محير .. لقد أنفقت سنوات طويلة من عمري في محاولة للإجابة علىه.

سحب صاحب الساعة سجارة من علبة صديقه وقال بشيء من الجدية :

  • لقد قرأت من قبل أن قيمة النقود كانت تتحدد قديما على أساس ما تمتلكه الدولة من الذهب .. ربما يكون الذهب هو المعيار لتحديد قيمة الأشياء.
  • حتى الذهب يحتاج لمعادل لكي تتحدد قيمته، إذا أردنا مثلا أن نبادل ساعتك بالذهب فعلى أي أساس سنحدد إن كانت تساوي أوقية أو أوقيتين ؟

سرح صاحب المحمول في حركة النهر البادية من النافذة المجاورة لمقعده، وبدا وكأنه لا يهتم بحديث الرجل البدين، فقال له الأخير:

  • عفوا يبدو أنني أفسدت عليك السهرة.
  • لا أبدا .. ولكن لا أشعر أن السؤال بهذه الأهمية حتى نرهق أذهاننا في محاولة الإجابة عليه.
  • ربما تغير رأيك إذا عرفت الإجابة التي توصلت لها ؟

مال الرجل للأمام وأشعل سجارته الثانية :

  • حسنا .. هذه محاولتي الثانية والأخيرة للتركيز في حديثك.
  • إنه العمل يا صديقي .. الجهد المبذول في إنتاج السلعة .. هذا المحمول مثلا يتكون من رقائق معدنية وبلاستيكية وزجاج .. كلها مواد مصنوعة من خامات طبيعية كالمعادن والرمال .. تخيل مثلا لو أنك اغترفت شيئا من الرمال الموجودة في الشارع هل تدفع ثمنا لذلك ؟ بالطبع لا إنها هبة الطبيعة متاحة للجميع، ولكن تحويلها لزجاج هو الذي يجعل لها قيمة في السوق . عندما أنظر لمحمولك لا أرى إلا عمال المناجم والمحاجر والمشتغلون على ماكينات صناعة تلك الآلة والمهندسون الذين ابتكروا هذه التكنولوجيا .عندما وصلت لهذه القناعة صرت سائحا متجولا يطوف في مواقع العمل المختلفة ويرصد كيف يُضفي العمال لمساتهم الساحرة على المواد الطبيعية فيحولونها إلى سلع قيمة .. ورأيت أيضا حجم الانتهاكات التي يتعرضون لها في مواقع العمل .. لقد عرفت رجالا لا يرون نور الشمس لأنهم يعملون في مناجم تحت الأرض من الفجر وحتى المغيب.

مال صاحب المحمول على أذن صديقه وقال همسا ( دا شكله شيوعي ) ثم عاد سارحا في منظر النهر.

 

ووصلت العبارة الأخيرة لأذني البدين فتمتم ” ألا يعلم أن الاقتصاديين الليبراليين تحدثوا من قبلي عن أن العمل أصل القيمة !”.

 

وقال صاحب الساعة بابتسامة خجولة أراد أن يُذيب بها الخلاف القائم في وجهات النظر :

  • اسمح لي أن أختلف معك .. الفضل الأساسي في إنتاج التكنولوجيا يعود إلى ذكاء أصحاب الشركات، لولا أنهم وجهوا أموالهم إلى تلك الاستثمارات لما كانت هناك فرص العمل ولا هذه السلع المتقدمة .. بصراحة أنا معجب بنموذج وادي السليكون وبشخصيات مثل ستيف جوبز .

ارتشف البدين من النبيذ الأبيض وتلألأت عيناه وهو يتأهب للرد وكأنه في لحظة من لحظات التجلي والفلسفة :

  • أنت تتحدث عن النتائج وأنا اسأل عن الأسباب .. عارف، عندما تتبعت حياة السلع ودورتها في السوق لاحظت أن هناك تشابه بينها وبين فكرة تناسخ الأرواح .. نعم .. انظر مثلا لساعتك السويسرية ، ربما اشتريتها بـ 150 دولارا مثلا .. أنا أرى أن البائع منحك الساعة لكي يحول سلعته لدولارات .. وربما يكون البائع متدينا، مثلا ، وقد اشترى ببعض هذه الدولارات إنجيلا .. ثم دارت دولاراتك مجددا في السوق وذهبت لرجل مدمن للكحول واشترى بكل هذا المبلغ الضخم نبيذا فاخرا .. وهكذا تتجلى النقود في صورة سلع مختلفة .. قد تكون سنابل قمح أو أسلحة دمار شامل .. وبينما أنت تتابع هذه الدورة المذهلة يقابلك سؤالا محيرا، لماذا ينقسم الناس إلى عمال ومنتجين ؟ لماذا لايكون كل مننا ستيف جوبز ؟

الإجابة ببساطة هي أن كل مننا يجني الأموال بطريقته، ويذهب بها إلى السوق لكي يحولها لسلع تغطي احتياجاته الخاصة من مأكل ومشرب وملبس إلى آخره .. لكن بعضنا فقط يقدر على أن يحتفظ بأمواله ويمنعها من التحول إلى صورة سلعة .. هذ هو ” الاكتناز” الذي يقوم به البعض، لكن الرأسمالي لا يحتفظ بالأموال تحت البلاطة ولكنه ينميها من خلال عملية ” التراكم “، هذا هو سر “رأس المال” ( قالها بلهجة حاسمة ثم أكمل بصوت خجول ) لقد ألفت كتابا بهذا العنوان، أتمنى أن تكونوا لمحتموه على الأرفف في الأسواق.

عاد صاحب المحمول بأنظاره من النافذة وبدا وكأنه كان لا يزال يتابع الحديث بطرفه:

  • لا لم ألمحه .. الحقيقة أننا لا نهتم بكتب الاقتصاد .. أنا لا أحب الاقتصاديين.
  • ( قال البدين بابتسامة عريضة ) وأنا أيضا لا أحبهم .

وجه صاحب الساعة سؤاله للبدين :

  • غريبة .. ظننت من حديثك أنك اقتصادي
  • ممكن تعتبرني صحفي أو مؤرخ، أو مجرد رجل مهتم بالبحث عن السر وراء قيمة الأشياء،لكنني بالتأكيد لست من أبناء آدم سميث.
  • ما فهمته من كلامك أنك تقصد أن الرأسماليين يتميزون عن باقي البشر بأنهم القلة التي تجني أموالا بأكثر من احتياجاتها الشرائية، هذا هو رأس المال الموجه للاستثمار .. ولكن لا أفهم لماذا ترى أن عملية المراكمة تلك مبنية على الاستغلال.
  • لأن العمل ، كما قلت ، هو الذي يضفي على السلع قيمتها .. الرأسمالي يشتري المواد الخام وجهد العمال ويخرج لنا السلعة محملة بما أسميه بـ ” فائض القيمة ” ، وعندما يطرحها في السوق يربح من الفرق بين تكلفة هبات الطبيعة والعمل وبين سعرها بعد أن تحولت إلى سلعة، هكذا تكون عملية الإنتاج مبنية على استغلال العمال، هم أصحاب الفضل في تحويل المادة الطبيعية إلى سلعة، وساعاتهم المبذولة في إنتاجها هي التي تجعل لها قيمة في السوق، لكن الرأسمالي يعطيهم الأجر فقط ويحتفظ لنفسه بباقي مكاسب عملية الإنتاج التي لم يكن له أي فضل فيها، بهذه الطريقة فقط يتمكن الرأسمالي من أن يحقق أرباحا تفوق احتياجاته الاستهلاكية، فيحتفظ بتلك الأرباح في صورة نقد ولا يحولها إلى سلع، وبعد أن يراكمها يشتري بها ماكينات إنتاج ويتوسع في استثماراته وأرباحه وهكذا.

أشعل صاحب المحمول سجارته الثالثة بآخر جذوة في السجارة الثانية وقال بشيء من العصبية:

  • أنت تردد الرطانة اليسارية المعتادة .. هل تنكر أن التكنولوجيا جعلت حياتنا أسهل وأفضل، حتى العمال الذين تتحدث عنهم، لولا التكنولوجيا لكانوا يعملون في ظروف أشد قسوة.
  • ربما نختلف في وجهات النظر لأنني أفوقك سنا ( وخلل بأصابعه لحيته الهائشة ). كنت محظوظا لأن أعيش السنوات الأولى لتشكل الحياة الحديثة كما نعرفها اليوم، صحيح أن الرأسمالية بدأت رحلة صعودها في أوروبا في القرن السادس عشر، لتخوض رحلة طويلة تسحق فيها أنماط الإنتاج المنافسة لها من الإقطاع وأصحاب الحرف والورش الصغيرة وغيرها، لكن شكلها اكتمل في القرن الذي ولدت به، التاسع عشر. رأيت الماكينات وهي تضاعف من قدرات الإنتاج، كان لدينا مطرقة وصارت لدينا ماكينة بقوة ألف مطرقة .. قد يبدو ذلك للوهلة الأولى، أمر إيجابي للعمال لأنه سيوفر عليهم جهدا شاقا ولكن الأمور لم تسر بهذه المثالية .. استغل الرأسماليون عدم الحاجة للجهد الشاق في نظم الإنتاج الحديثة لكي يطيلوا من ساعات العمل ويُدخلوا قوى عاملة جديدة في السوق من النساء والأطفال، والأسوأ من ذلك هو حالة الاغتراب التي صارت تسيطر على العامل في هذا النمط الحديث، فقد تحول العامل إلى مجرد مشرف على الماكينة بعد أن كان صاحب حرفة، مجرد ترس في نظام إنتاج طويل ربما لا يدري العامل ما هو المنتج النهائي الذي يساهم في صنعه كل ما يعرفه فقط هو الحركة الميكانيكية التي يؤديها على خط الإنتاج، وتدخلت الرأسمالية في حياته الشخصية فاستنزفت وقته وحياته هو وزوجته في العمل ولم يعدا قادرين على إنتاج احتياجاتهم الشخصية من مأكل وملبس وصاروا يعتمدون على منتجات السوق التي تتحكم الرأسمالية في أسعارها، أصبحت الرأسمالية تشتري منه ساعات عمله وتعطيه أقل مقابل مادي لكي يشتري منتجاتها من السوق.

قال صاحب المحمول وهو يطفيء سجارته ويهم بالقيام :

  • أنا مضطر للذهاب الآن .. عندي عمل غدا في الصباح الباكر ( ثم مال على البدين مداعبا ) لا تظن أنني من أصحاب رأس المال أنا مجرد عامل، ولكن أعمل في بنك.

ابتسم له البدين دون أن يحرك رأسه، وقبل أن يلحق الصديق الثاني بصاحبه سلم على ذلك الغريب الذي اقتحم حديثهما في ود بالغ .. قائلا :

  • سأبحث عن كتابك في السوق .. ربما أغير رأي بعد أن اقرأه.
عن الكاتب
محمد جاد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق