الآن تقرأ
حديث لا يعبأه سوى (10 %)

مَرً علي موقفين متناقضين في يوم واحد، جعلاني أدرك خدعتنا الكبرى لأنفسنا والحقيقة التي ننكرها حتى لا نلقي اللوم دوماً على ذواتنا، أعلم جيداً أن هذا الكلام سيمر(عليك-عليكِ) بمحمل السخرية و عدم الاهتمام، ولكني أدرك أيضاً إنه سوف يكون له تأثير على أحد ما ولو بنسبة (10%) فقط مِن قراءه.

بدء يومي بركوبي مع سائق تاكسي، يسير مُسرعاً في إحدى الشوارع المصرية الفارغة، وإذ بقطة صغيرة تمر أمامنا وتقتطع عليه الطريق، فزعت من لامبالاته المُفرطة وقلت له:

حاسب بس وأنت ماشي هتدوس القط، ممكن تيجي يمين شوية ما الشارع فاضي !؟”

ليجيبني بكل برود وعفوية: ” وإيه يعني ما أدوسه !؟”

تيقنت لهجته الغوغاء واسلوبه الطائش فأردفت مُتعجبة و ساخرة:
” حرام عليك تمرمط الراجل كده معاك !!

ليجيبني بضحكة مستهزئة: “وقوام خلتيه راجل، ده مجرد حيوان …”

هناك بعض الإجابات التي تجزم لك أن لا جدوى من الحديث، فتجبرك على الصمت راضياً ومستكفياً، لأنك تعلم أن كل منطوق فيما بعد سيعد خسارة يفقدها المتحدث اتجاه المتحدث إليه.

أنتهى نصف اليوم الأول هكذا، ليبدأ نقيضه على الفور، عدت إلى المنزل ثم شرعت للنزول مع طفل صغير يبلغ من العمر خمس سنوات، أصله مصري، ولكنه وُلد ويعيش في دولة غربية خارج مصر ويأتي مصر في زيارات صغيرة للتنزه، رأينا معاً كلباً يسير في احدى الأزقة، فقال الولد الصغير لوالدته بلهفة طفولية صادقة:
” إيه ده يا ماما في كلب تايه من بيته! إلحقي هناك أهو جنب الزبالة، يلا نبلغ البوليس.”

فأجابته أمه وهى تبتسم:
” لا يا حبيبي، هنا غير ألمانيا، هنا الكلاب بتتربى في الشارع عادي، ده مش تايه من بيته.”

بخلاف الحديث عن اختلاف القواعد والقوانين وعادات البلدين، وما هو شائع لديهم ويحدث عكسه لدينا، فهذا موضوع اَخر، ولكن حديثي هنا للربط بين الموقفين والمقارنة بينهما.

هوية الإنسان أو جنسيته لا تتحكم في طباعه، بل كيفما تربى وكيفما رُسمت له الأمور، هي كل تلك العوامل التي تُرسخ مفاهيمه وسلوكياته اتجاه البشر.

فالموقف الأول مع سائق التاكسي والذي أعتدنا أن نراه دوماً كمشهد طبيعي جداً ضمن أحداث يومنا ولا نتأثر، بل بعضنا يأخذ الموقف على محمل الهزار والسخرية، بغض النظر عن حقوق الحيوان واعتباره كائن حي غير ناطق ولا يستطيع أن يتحدث ويشكو أمره للناس، وتُلزمنا الرحمة أن نرعاه ونحميه على قدر المُستطاع.

والموقف الثاني أكبر دليل وبرهان أن العيب ليس في المكان، بل في بشر المُجتمع، فالموقفان حدثوا في نفس المكان ومع اختلاف طفيف للزمن، في مصر وفي نفس اليوم بين عشية و ضحاها، ولكن النفوس تُلقى بما تحمله في أوجه البشر وفي سلوكيتهم.

ترتكز المشكلة في سلوكيتنا الخاطئة التي نعتاد أن نعامل بها بعضنا البعض، وعادتنا الغير سوية التي لا يفعلها الطفل، و لا يدركها عقله ولكنه على الأقل يحترمها، عملاً بدافع من دوافع الإنسانية الغير ملوثة بداخله.

إنني لست بصدد التعميم لتلك السلوكيات الخاطئة، ولا الذم في سائقي التاكسيات عموماً، فمنهم من هُم على أرقى مستوى فكراً وخلقاً، ولكني أتحدث عن مَن هم يقلدون سلوكه ، باختلاف مهنته ومكانته،
فهم يمتلكون سلوكيات خاطئة يجب تغيرها، أول تلك السلوكيات أننا يجب ألا نستضعف أحداً لأننا نرى أننا نتفوق عليهم في القوة أو النفوذ أو غيره..

لقد قالها الله عز وجل في كتابه الكريم:
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.”

وعلينا أن نتمسك بالسلوكيات الحميدة، التي تدعو إلى الرحمة والخير وندعو بها غيرنا كي يسلكها ويتمسك بها، حتى وإن كان تأثيرنا لا يأتي بثماره إلا على (10%) من ضمن ملايين المواطنين.

 

(Visited 353 times, 1 visits today)
عن الكاتب
نرمين حاتم