الآن تقرأ
قاهرة الثامن من أكتوبر .. ” ناش ريسبوبليكا ” تختار ألا تموت

شروق الشمس من مغاربها أقرب من انطفاء القاهرة في هذه الأيام، بلاد الأهرامات الثلاث ومحمد صلاح لم يكتب لها أن تنعم بالهدوء أو تُنعم قارتها به، ثلاثية الأحمر والأبيض والأسود لا بد أن تغطي المثلث من أقاصيه، اخفض رأسك و ارفع اليد صوب السماء و عظّم خالقك أن بدأك هنا، ما أُذن لك أن ترى لم تكن لتراه في مكان آخر.

اترك عقلك بالخارج و اكتف بمتطلبات المغامرة آن دخولك فربما تفقده عشقًا أو يتلف بالجنون .
تٌمنى بتعادل وهزيمة وتتذيل مجموعتك المتهالكة قاريًا ثم تذهب بعد أيام لتفوز على بطل العالم و تمنح كوكب الأرض فانتازيا على أرض الواقع أمام البرازيل، تمتلك أبطال القارة لمرتين تواليا و رفاهية اختيارك لملعب المباراة وتحشد جماهيرك وتستعد للنصر فتخسر بقدم مدافع ثم تعود بعد أشهر بنصف قوتك دون رغبة في اللعب فتفوز بالأربعة، تستند إلى مدربي الخبرة وقمة الهرم أو تستعين بمن تظنهم قيمًا من الخارج فتودع البطولات تباعًا من أدوارها الأولى ثم تستعين بمدرب مؤقت من الدرجة الثانية المحلية فيكتسح البطولة لثلاث دورات متتالية، انتظر فالأمر لا ينتهي عند هذا الحد! بعد التتويجات الثلاث ستعجز أن تصل إلى البطولة لثلاث أٌخر على يد أسماء قد لا تنصفك محركات البحث في معرفة هويتها وعندما تعود كمرشح أخير للفوز بها ستصل إلى النهائي، أما حينما تحقق ما عجزت عنه لعقود ستفوز على منافسيْك المباشرين باستحقاق من الدقائق الأولى وتنقذك معجزة إلاهية في الرمق الأخير من متذيل المجموعة ، كل الأطروحات هنا تدفعك ألا تأذن لعينك بالغفلة قبل مشهد النهاية فالمؤكد أنها فيلم أكثر امتاعًا منفصل عن سير أحداثه.

لا توزيع للأدوار هنا وليس لكل فعل فاعله ، الحضور لا يكتفون بمشاهدة المسرحية من مقاعدهم و الأبطال ضيوف شرف أحيانا و السيناريست من نسل إبليس.
قد ترى مشجع منتشي بفرحته يطفئ أنوارها بإلقاء طوبة من المدرج كنوع آخر غير مألوف من الاحتفاء بفريقه أو يقتلها الحكم الأكفأ في القارة بين جماهيرك في أم درمان و أحيانا يأخد أصحاب الدور مقاعدهم في مشاهد هزلية أمام المرمى، تمهل فالأمر لا ينغلق على لحظات الانكسار! ربما يوجه زئير جماهيرك رأسية بسرعة السلحفاة إلى أقصى مكان في المرمى أمام الجزائر أو يهديك الحكم منحة من نقطة الجزاء ضد غانا تمهد طريقك نحو حلم العقود الثلاث أو تعود بك كرة ضالة أمام نيجيريا إلى بطولتك القارية بعد طول غياب.

ما تظنه متوقعًا غير مألوف على الأغلب و ما تألفه لن يحدث و السكون لا يفيد.
تفوز على السنغال وتدهس الجزائر بالخمسة أو تنكل بالكاميرون لكنك تتعادل بالاعتياد مع بنين و ناميبيا وتخسر أمام زيمبابوي و ربما تخرج لك دول ما بعد العالم أو كائنات هلامية تسكن أواسط الصحراء لتفتك بأحلامك، لا تندهش هنا فعندما تأخذ الحيطة من رواندا و غينيا الشيطان سيزورك في الركعة الأخيرة إما نازلا بسهم واحد في حلق مرمى حارسك الأسطوري أو بست طعنات متفرقة في كوماسي، ارفع السوط دوما جنبا إلى جنب مع الطبول والأعلام.
الإدارات هنا لا تؤمن باقتصار دورها خارج الملعب فأحدهم قد يرى في بدلته أعظم مقدمات النصر و البقية يحرسون المرمى بالأضاحي أما عن المدرب فلا يعبأ بالفنيات بقدر عنائه بالعناية الإلاهية و اللاعبون يزورون الشباك في الصلوات الوسطى على الأغلب.

الاحتفالات لا تقتصر على لقطات كهول السبعينات و حديثي الولادة ولقطات البكاء الهيستيرية ، قد ترى مشجع تناسى فقدان إحدى قدامية فناطح السحب بالأخرى أو البعض ممن اختاروا الاحتفال من على قمة ” ونش ” في وسط العاصمة أما الاعتياد ألا تنتهي اليوفوريا قبل مائة ساعة من انقضاء الحدث.

حارسك الأسطوري سيكون في قمة الوهج و سيقتحم عروش الكبار لكنك لن تمنحه صك الاستحقاق حينها، ستُنزل عليه تقلبات الدهر و شقوقه ثم ترأف به في عمر الخامسة والأربعين.

لا مجال للأطروحات السلسة و تصدر المجموعات أو الفوز بفارق مريح و جمع نقاط الضعاف، ربما تُشيد العٌقد بأيديك أنت.

الحياة هنا مزيج غير مفهوم من الانكسار و الانتصار و الاندثار و السطوع في القمة بين اللحظة والأخرى، لا الحزن يأتي بتصاعد يخفف وطأته ولا الفرح يزورك بميعاد مسبق .. الأهم أنك سترى كليهما على الأغلب حين لا يظن قدومها بشر.

قد يدفع الشغف أحدهم إلى الاقتطاع من قوت يومه أو مبيت ليلة كاملة في صحراء خاوية من أجل مجاورة رفيق دربه في أوقات الاحتياج، و كأن خوان خوسيه مياس حينما تحدث عن الجحيم الذي يجد فيه الناس أنفسهم أكثر راحة ما كان إلا مستقيًا وصفه من علاقة منتخبنا بجمهوره و أن طول الانتظار و مشاقه لم يضعوا حدودا للولع.

بين ما تعيشه الوجوه التي سئمت اعتياد إدراك شمس العاصمة دون حلوٍ تذقه من كساد في زحام وسط القاهرة تنجلي كل الحقائق أمام حقيقة أن هذه الأرض لا تعيش بوتيرة ليلة الثامن من أكتوبر سوى في أقرانها التي قلما تُخلق لها و أن الأنفاس المحتبسة بداخل الزحام لا تجد يدفعها لاستكمال الحياة ليوم إضافي سوى نسمات من صحراء برج العرب باتت أقرب إلى هبات اكتمال طال البحث عنها و أن كل ما يراه العالم معاديات للحياة ما هو إلا حياتهم بما فيها، مقررين المواصلة لعام إضافي على وقع ليلتهم حيث يمكنهم تشييد عالمهم الخاص الذي يستطيعون معه التبرُّج في وجه مفردات الواقعية و الأحقيّة متى يتخذ الجميع من الالتزام سبيلًا أو التوجه إلى حدود السماء و ما هو أبعد عندما يختار البقية الأرض نبراسًا لأحلامهم .

عن الكاتب
حسام إبراهيم
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق