الآن تقرأ
الدستور .. حبر على ورق

سمر نور

ولدت في القاهرة وعشت فيها، ولم أعرف مدنًا كثيرة غيرها، أنا ابنة تلك المدينة وإن شعرت باغتراب على أرضها، مثلي مثل الكثيرين من سكانها، غير منسجمة مع زحامها وصخبها، وكل أفراد أسرتي يعيشون في القاهرة منذ أجيال، لكن حين يسألني أحد عن هويتي ناظرًا إلى لون بشرتي السمراء، أجيب: أنا أصلي من النوبة! أقولها بفخر شديد وإصرار على التوضيح لمن تختلط عنده “النوبة” بمدينة أسوان، مما يضطرني أحيانا لحكاية قصة التهجير بعد خزان أسوان وتعلياته ثم التهجير بعد السد العالي، لا يعرف من يسأل أنى لا أفهم اللهجة النوبية ولم أزر مسقط رأسي من قبل لأن هناك حاجزا نفسيا بينى وبين النوبة الجديدة، خلقها ارتباط أبي رحمه الله بالنوبة القديمة التى هجر منها طفلا، وانتقاده الشديد لطبيعة الحياة في أرض صحراوية مهملة لا علاقة لها بنوبة النيل والأسطورة، بلد مسكونة بالسحر، عززتها قراءتي لرواية “الشمندورة” للمناضل والروائي الراحل محمد خليل قاسم.

في طفولتي، تعلقت بتلك السطور التي رسمت في مخيلتي صورة لحياة النوبيين في البلاد القديمة، وتمنيت العودة إلى هذا المكان، وأكتملت رؤيتي من خلال أعمال لأدريس علي ويحيى مختار وحجاج أدول وحسن نور وكتب عمي إبراهيم شعراوي، تلك الثنائية بين مدينة أعيش فيها، وبلد أغرقها الفيضان وظلمتها أنظمة متعاقبة.

كنت دومًا أرى أن عودة حق أهل النوبة لن يكون إلا بتغيير في منظومة هذا الوطن ككل، فظلم النوبيين جزء من حلقات غياب العدالة التي نعيشها جميعا. الآن، تواجهني الأسئلة وأنا أطلع على المواد المتعلقة بالنوبة في مشروع الدستور: هل يمكن أن أوافق على دستور لمجرد أن مواده تتيح للنوبيين العودة إلى أراضيهم القديمة لأنى نوبية؟ أم أن اعتبارات عديدة تحكم اختياراتي بحكم كوني مواطنة مصرية؟

الفقرة الأخيرة من المادة 236 في مشروع الدستور تنص علي: ( وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون)

وهناك عدة مواد أخرى تؤكد على هذا الحق في مشروع الدستور الجديد، وهذا استحقاقا أصيلا لا يمكن إنكاره، وليس وليد تلك اللحظة، بل إنها نتاجا لعقود من النضال الطويل، لكن يحكم اختياري في المشاركة في هذا الاستفتاء على هذا الدستور من عدمه، او في التصويت بلا أو نعم، استحقاقات أخرى، لا تقل أهمية بالنسبه لي عن حق العودة لأهل النوبة، فحين نكون بالتزامن مع تلك اللحظة، نشهد عودة القبضة الأمنية العمياء التي تحطم بلا تمييز، وأجد القانون يطبق وفقا لمزاج السلطة ورغباتها، وأجد أهداف الثورة تداس بالأقدام فلن أقتنع بأن هناك ضمان لأي حق بالعودة، فحين تستخدم القوانين للقمع وليس لتحقيق الأمن، ما الذي يضمن لي أيها السادة في تلك الأجواء التي نعيشها، فحين تغيب العدالة لا تتوقع ان تتحقق في جزء من الأرض دون غيرها، وحين تكون المحاسبة انتقائية فالدستور ذاته مجرد حبر على ورق.

(Visited 51 times, 1 visits today)
عن الكاتب
سمر نور
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق