الآن تقرأ
الناصرية.. عودة المكبوت

أمير زكي

في كتابه “موسى والتوحيد” يضرب عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد مثلا بفتاة تقرر أن تعارض في حياتها كل طباع أمها، متخذة موقفا معاديا لكل ما تفعله هذه الأم، ولكن بعد أن تكبر هذه الفتاة وتتزوج نراها تعود لتكتسب كل هذه الطباع التي عادتها وعارضتها في شبابها.

يضيف فرويد أن الفتاة في طفولتها كانت تكتسب بشكل تلقائي صفات هذه الأم، وتتماهى معها قبل أن تعاديها في مرحلة الشباب ثم تعود لهذا التماهي في سنوات نضجها، يعمم فرويد هذا النموذج على كل الأفراد سواء كانوا نساء أم رجالا، ثم ينطلق ليناقش مفهومه “عودة المكبوت”، وهو لا يستبعد أيضا أن ينطبق هذا المفهوم على الشعوب مشيرا للتجليات العاطفية التي تنظر بها الشعوب إلى الماضي.

يشير سلافوي جيجيك في كتابه “سنة الأحلام الخطيرة” إلى مظاهرات إيران في مواجهة فوز نجاد بانتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2009 على أنها نوع من “عودة المكبوت” من ثورة الخوميني عام 1979، خرج الشعب الإيراني في هذا الوقت مستهدفا الحرية والديمقراطية التي انفتحت بعد ثورة 1979 وتم كبتها سريعا لصالح النظام الإسلامي ليصير الوضع في إيران على ما هو عليه الآن. وهنا يرى أن هناك شيئا استيقظ لدى الإيرانيين وأرادوا استرجاعه.

وعندما ننظر للوضع المصري الآن ربما نجد مفهوم “عودة المكبوت” متغلغلا بشكل أكبر خاصة في علاقة الشعب مع “الناصرية”، والناصرية لم تكن حدثا عابرا في تاريخ الشعب المصري، وهي بالطبع ليست نظرية يلخصها كتاب عبد الناصر الهزيل “فلسفة الثورة”، إنما هي أعمق من هذا.

كانت الناصرية حالة مسيطرة على الشعب المصري في الفترة الممتدة من ثورة يوليو وحتى وفاة عبد الناصر، وكانت متسلحة طوال هذا الوقت بأجهزة ومنظومات إعلامية وثقافية قوية، تتنوع عناصرها بين كوادر موجهة من قبل السلطة، وبين كوادر مخلصة مجانا للفكرة التي تبلور بالنسبة لهم مفهوم الوطن.

لا نستبعد مثلا دور الغناء في غرس الناصرية في وعي وعاطفة المصريين، فأم كلثوم وعبد الحليم الذين يردد الناس ألحانهم العاطفية التي تنطبق كلماتها مع قصص حبهم، هم الذين يغنون أيضا للوطن ولعبد الناصر، في أغاني عالية القيمة يكتبها شعراء موهوبون ويلحنها ملحنون عظام.

هذه الأجهزة والمنظومات أخفت وراءها نظاما واقعيا هزيلا، وأعطت للشعب جرعة افتراضية من القوة، وعندما يفشل هذا النظام يمكن أن يلقي فشله على أياد خارجية “إلقاء عبد الناصر اللوم على أمريكا في حرب 1967″، ويمكن أن لا يصدق الشعب أنه مشارك في هذا الفشل، خذ مثال: “نحن لم نحارب في 1967، والهزيمة ليست خطأ الجندي المصري”. هذا الإحساس بالقوة الوطنية وتحدي العالم تضاءل تدريجيا بداية من إطاحة السادات بالناصرية كتيار رئيسي سواء كجهاز أو فكرة، وانكمش وتقلص ونساه المصريون في العقود التالية.

وتأتي اليوم شخصية فيها بعض الكاريزمية (بالطبع لا تقارن بكاريزمية زعيم التجربة الناصرية) لتضاف إليها كل المشاعر القديمة التي نسيت ولكنها لم تمت بعد؛ قائد عسكري، يقف موقفا صلبا ضد التدخلات الخارجية، ويرتبط اسمه بثورة شارك فيها الشعب، تلك الثورة –غريبة الأطوار – التي تعطي الشعب إحساسا زائفا بالمشاركة، بدون وجود آليات ديمقراطية واضحة، هذا الدور الوهمي الذي يقدم إشباعا نفسيا لقطاعات من الشعب لا يختلف عن الدور شبه الوهمي للشعب في اتخاذ القرارات في الفترة الناصرية، فالشعب مثلا هو من تصدى للعدوان الثلاثي عام 1956، وهو من أعاد عبد الناصر إلى السلطة بعد هزيمة 1967، وقام باختيار قرار الاستمرار في الحرب لا الاستسلام، وربما يكون في هذا شيء من الصحة، ولكن ربما كان عبد الناصر أيضا يناور بالشعب بتنحيه وتصدير وجه زكريا محيي الدين، ليتلقى دعما أكبر من السوفييت، يذكر السادات في كتابه “البحث عن الذات” أن عبد الناصر كان بارعا في المناورة السياسية ويستخدمها في تعامله مع السوفييت. ربما يكون دور الشعب وهميا ولكن الشعب آمن بهذا الدور قبل أن تأتي فترة يكبت فيها هذا الإيمان والإحساسبصدارة النضال، وتحدي الدول الكبرى، والعروبة ذاتالنوع الخاص (مصادقة بعض الدول وعداء دول أخرى). هذا بشكل ما يشبه ما يحدث الآن، هناك بطل قومي، بطولته ليست واضحة المعالم، قام بالإطاحة برئيس وجماعته.

يشير فرويد في كتاب “موسى والتوحيد” حينما يناقش مفهوم “عودة المكبوت” إلى أن الظاهرة ليست مرضية بالضرورة لأن الفارق بين المرض والسواء يظل غامضا، وعندما مثل جيجيك المظاهرات الإيرانية بأنها تجلي لعودة المكبوت كان يميل لمناقشة المكبوت الإيجابي من ثورة 1979، قد يكون بعض المكبوت من التجربة الناصرية إيجابيا؛ استعادة دور مصر في العالم، الحديث الأكثر جدية عن العدالة الاجتماعية، والتنمية والمستقبل، ولكن يظل هناك جوانب خطرة في التجربة الناصرية يمكن أن نخشى أن تتكرر على المصريين؛ القمع الذي يتحول في بعض الأحيان إلى قمع محبب (نموذج المثقف الذي سجن في عهد عبد الناصر وبعد مرور عقود يعدد فضائله)، الديمقراطية الغائبة، وسيادة الصوت الواحد، أو الإحساس الزائف بالقوة الذي يؤدي غالبا لكوارث تاريخية ككارثة 1967.

بخلاف الجملة الفلسفية المعروفة: “التاريخ يعيد نفسه”، وعن إضافتها المعروفة أيضا: “في أول مرة كمأساة وفي الثانية كملهاة”. أستعيد مفهوم آخر من عند فرويد وهو “إجبار التكرار” الذي ناقشه في كتابه الأبكر “ما فوق مبدأ اللذة”؛ هنا تتحول التجربة الطفلية للفرد إلى تجربة مكررة، فمن لم يتلق الاهتمام الكافي من الأم في فترة طفولته يظل يشعر بأنه لا يتلقى الاهتمام الكافي من بقية الناس، قد يتزوج ويشعر أنه لا يتلقى الاهتمام من زوجته، وقد ينجب ولا يتصور أنه يتلقى الاهتمام من أبنائه، هنا يأخذ المفهوم منحى قدريا لدى الفرد.

وهنا يحاول فرويد أن يفسر مفهومنا عن القدر. لو طبقنا تلك الفكرة على الشعوب، ربما سنرى أننا نعاني من الرغبة الدائمة للعودة إلى فترة تاريخية سابقة، وربما نعتقد أن هناك قدرية تحكمنا (مثلا القدرية التي تحتم علينا حكم يمثله رجل عسكري). والنظر إلى الماضي والقدرية بهذه الطريقة، سواء كان نظر يتصف بالحنين أو باليأس قد يمنعنا حقا من صياغة خطوط واضحة وإيجابية للمستقبل.

عن الكاتب
أمير زكي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق