الآن تقرأ
لماذا لا نقتل العواجيز؟!

وضَعَ أحدُهُم صورة على موقع الـ “فيس بوك” لمجموعة من كبار السن وهم في طابور الاستفتاء ثم علَّق تحتها قائلاً :” العواجيز يقررون مصير الشباب”، كان التعليق الأول على الصورة يقول بشكل حرفي:” متى نتخلص من هؤلاء؟!”.

الصورة السابقة وغيرها لخَّصت الخطاب السائد أمس واليوم على لسان قطاع لا بأس به من الإخوان والمجموعات الثورية اتهمت الحشد الذي خرج للتصويت بأنه يمثل الأجيال العواجيز التي ساهمت عبر صمتها خلال العقود السابقة في استمرار حكم مبارك، وبعدها في تكريس دولة ” العسكر” مرة أخرى.

بغض النظر عن رفض أو قبول المسار الحالي، بخريطة طريقه، بدستوره، بالإجراءات التي تنبني عليهما، لكن الملاحظة هنا حدة النظرة المتعالية ضد قطاعات واسعة من الشارع ذهبت للتصويت على الاستفتاء، وتم اتهامها بالجهل والخرف.

بالأمس القريب احتشدت نفس الجماهير- تقريباً- في الانتخابات التشريعية والبرلمانية لتعطي كتل الإسلاميين المختلفة نسبة تصويت تخطت الـ 70 % رغبة في وجود بديل حقيقي يقوم بتغيير وضعها السيء الذي عاشته طيلة السنوات السابقة على الثورة، وتحقيق مطالبها التي تتمثل في تحسين مستوى المعيشة والسياسات المتعلقة بالصحة والتعليم والإسكان، وهذه غالباً المطالب التي يفهمها الشارع جيداً والذي لا يهمه مصطلحات العدالة الانتقالية، والإصلاحات التشريعية والدستورية، ودولة الخلافة والإيمان.

نفس تلك الجماهير التي تحيزت لمرشَّحَيِّن قدما نفسيِّهما كممثلين عن الثورة في الانتخابات الرئاسية حينها (أبو الفتوح وحمدين) وأعطت كلاهما نسبة أصوات تزيد عن نسبتي أحمد شفيق ومحمد مرسي، ولو كانا حينها اتفقا على التوحد في حملة رئاسية واحدة تشملهما لكانا على رأس السلطة اليوم. (كانت تلك وجهة نظر الشارع وكثير من شباب الثورة حينها الذين لم يروا الاختلافات البينية بين حمدين وأبو الفتوح، وقدرتهما على التعاطي مع المشهد الثوري والسياسي كما نراها الآن).

ثم تم حشد الجماهير ذاتها للتصويت لمرسي ضد شفيق، وتغنَّى الإخوان بعد الانتخابات البرلمانية وبعد انتخابات الرئاسة بالجماهير المؤمنة المتطلعة لحكم يديره ذوي الأيدي المتوضئة، وكانت المعايرة المشهورة للإخوان ضد خصومهم السياسيين المقولة الشهيرة :” بيننا وبينكم الصناديق”.

ثم احتشدت الجماهير ذاتها في مواجهة المجلس العسكري في فترته الانتقالية الأولى لتجعل من تمديده للفترة الانتقالية أمراً مستحيلاً، وكان الحل لنظام مأزوم ومضطرب حينها أن تتقلد جماعة الإخوان المسلمين السلطة على نفس أكتاف الجماهير التي ذهبت للتصويت اليوم، جماهير الموظفين الشيوخ، والعواجيز، وكبار السن من أصحاب المعاشات، وربات البيوت اللاتي صدمن النفسية المحافظة الرصينة للإخوان بالرقص بملابسهن الثقيلة المحتشمة في عرض الشارع!

توارى المجلس العسكري بتشكيلته الجديدة عن المشهد بذكاءليترك للإخوان حبل السلطة يلتف حول عنقهم، جربت الجماهير إدارة الإخوان السيئة التي وقعت في أخطاء كثيرة بحكم العقل السلطوي تارة، وأخطاء الإدارة وضعفها تارة أخرى.

لم تكن جماعة الإخوان أبداً –حتى لحظة سقوطها في 30 يونيو- أحد طلائع قوى الثورة، فقد تحالفت مع الفلول ومع العسكريين وأجهزة الأمن، وقُتِلَ ثوار في فترة حكمهم، وتبنت الجماعة سياسات اقتصادية هي ذاتها نفس السياسات الاقتصادية النيوليبرالية لمجموعة ” جمال مبارك”، وعجز “الإخوان” على إحداث حالة توافق وطني بينهم وبين المعارضة ليحملا سوياً أعباء دولة كبيرة بحجم الدولة المصرية تعاني من أزمات سياسية واقتصادية كبيرة، بل تملكتهم حالة نرجسية بفعل الديموقراطية التمثيلية ولعبة صندوق الانتخابات، وهما وحدهما غير كافيان لإدارة مرحلة انتقالية صعبة، لذا فشلت الجماعة في إدارة الدولة، ولم تتحقق مطالب الشارع، وكانت حجة الإخوان حينها أن ” الدولة العميقة” لا تتعاون معهم، وكان الرد المنطقي أن الجماعة هي من ارتضت أن يكون في حوزتها الرئاسة والبرلمان والحكومة دفعة واحدة، لذا عليها أن تتحمل المسئولية كاملة بغض النظر عن الظروف التي تعيق عملها.

الطريف أن الإخوان الذي هتفوا في صحفهم ووسائل إعلامية شهوراً بدعم ” المؤسسة العسكرية”، وأطلقوا على جمعة المحاكمات في مايو 2011 جمعة ( الوقيعة بين الجيش والشعب)، ومن صدَّروا خطاب ( بالدستور العجلة تدور) هم ذاتهم الإخوان الذين يقولون اليوم على نفس الجماهير بأنهم “عبيد بيادة”، ويعشقون الاستقرار على حساب حرياتهم”.!

في فترة حكم الإخوان وإلى الآن جرَّب الشارع خطاباً من الإخوان ودوائرهم يحمل نبرة فوقية وتعالي، وخصوصية تعبر عن الإخوان وثقافتهم، خطاب لا يفهمه الشارع أو يشعر أنه يعبر عن شخصيته هو لا شخصية جماعة منغلقة تخاطب نفسها، ثم كان الاستفزاز الشديد من خطاب مشايخ القنوات المحسوبين على الدائرة الإسلامية بوجه عام، ومن خطابات الإخوان السياسية والإعلامية، وزاد الأمر تحالف الإخوان مع المجموعات الإسلامية الأكثر راديكالية كل ذلك أقلق الطبقة المتوسطة والطبقات الأعلى، وتمثلت لديهم أمنية بإسقاط الإخوان مع أقرب معركة صندوق انتخابي قادمة.

تحول رد فعل الشارغ ضد الإخوان لفعل ” كيدي” ومستفز، تمثل في عدم التعاطف المطلق، والتهكم على رموزه، واليوم يمكنك أن تعتبر رقص الناس في الشوارع على أغنية ( تسلم الأيادي) هو الرد الفعلي الطبيعي على خطاب ( موتوا بغيظكم) لكن بحرفية أفضل، وأسلوب لشارع يجيد أهله التنكيت والتهكم، وكما تدين تُدان.

لماذا لا يقف الإخواني للحظات ليسأل نفسه لماذا الشارع مستفز ضده بهذه الطريقة ويعاديه وبأكثر حتى من معاداته للحزب الوطني ولمبارك؟ لماذا يتجاوب الناس مع ” تسلم الأيادي” ويرقصون عليها في أفراجهم ، ولا يفهمون كلمة واحدة من أناشيد ” قولوا للعالم مصر إسلامية” و” سنخوض معاركنا معهم”.!

من ناحية أخرى سقوط الإخوان تحديداً في 30 يونيو كان يمكن حينها أن ينهي مشروع الإخوان تماماً ليلتقف السلطة بديل آخر، وهنا تكمن أزمة ثانية فعجز المجموعات الثورية والسياسية عن إنتاج بديل حقيقي جعل الشارع يقف بين ثنائيتين أحلاهما مُرَّة، وكان الخيار أقل سوءهما وهو خيار “العسكر”.

لكن المجموعات الثورية اليوم بدلاً من أن تعمل على وجود هذا البديل التنظيمي تُحمِّل الجماهير وزر إدخالها في سرداب غير معروف المعالم تتحكم فيه أشباح الدولة القديمة بحجة عجز الشارع وقلة وعيه، يتم اتهام المصوتين اليوم بأنهم أجيال عجوزة حبيسة شعورياً وزمنياً في عصر مبارك والسادات، وغير قادرة بمحركات عقلها البطيئة على مجاراة حركة الأجيال الجديدة لتضع الجميع في هاوية سحيقة بحكم خرف الشيخوخة والركون للاستقرار.

نفس النخب الثورية التي تم استيعابها بعد التنحي مباشرة بعجزها وقلة خبرتها الثورية والسياسية، وتفضيلها للتواجد النخبوي عن التواجد المنظم في الشارع، تنعي على الجماهير جهلها وتخلفها، نفس النخب الثورية التي تخيلت أنها يمكن أن تقود حركة الجماهير في الأرياف والصعيد والأطراف من خلال استديوهات القنوات الفضائية، وقهاوي العاصمة، ومؤتمرات الفنادق.

كل التفسيرات ” السطحية” المرتبطة بإن هذا الشعب ” عبيط” و “يستاهل اللي يحصل له” ومصاب بـ” ملازمة استكهولم” ووصفه بـ “الشعب الفاشي” حجة مجموعات عجزت عن خلق بديل سياسي وثوري منظم، ومع فشل المجموعات الثورية في بناء هذا المشروع، كان الخيار الشعبي بين الإخوان وبين الجيش، بين مجموعة تمارس إدارة فاشلة، وإقصاءاً ممنهجاً، وبين حكم عسكري يفرض نفسه بحكم الفراغ وضعفنا وفشلنا أكثر من فرض نفسه بالقوة.

(Visited 61 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق