الآن تقرأ
وهم السيطرة

في أثناء الحرب العراقية الايرانية، ولأسباب متعلقة بالأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب، لجأ صدام حسين لمزيد من القمع ونشر الخوف بين أفراد المجتمع العراقي، في سلوك معتاد من كل حاكم فرد صمد حينما يواجه أزمات أو يعجز عن إدارة رشيدة للبلاد.

وفي إحدى المناسبات الوطنية ، وعلى مرأى ومسمع من شاشات التلفزة قرر صدام أن يكرم أحد الأبطال الأشاوس و يمنحه قلادة هي الأعلى في العراق.

جلس الرجل أمام الجمهور، الكاميرا مسلطة عليه، الزعيم على يمينه يشير إليه بالحديث.

“اليوم نكرم أحد مواطنينا الصالحين، اليوم نكرم العراق في صورة هذا الرجل، أبو علي الوطني الشريف” ” احكي يا أبو علي، قل لأبناء العراق قصة بطولتك”

الرجل مرتبك، يتصبب عرقا، لا يقوى على الحديث ، “قل يا أبو علي، قل” هكذا يخاطبه صدام بنبرة آمرة تليق بالزعيم مغلفة بـ”حنية” تليق بالأب والاخ الاكبر.

يبدأ الرجل حديثه بصوت يكاد لا يسمع . “أنا .. أنا .. أنا عندي ابن …” ينهمر في البكاء.

“لا تبك.. لا تبك.. أنت بطل.. احك لإخوانك.. احك” تزداد النبرة الآمرة وضوحا.

“كان عندي ولد، اسمه علي، مجند بجيش العراق، بيوم بصحيه من شان يروح للجيش، الواد ما كان راضي ينهض” بقول له قوم من شان تخدم جيش وطنك، والواد مو راضي” يقول “أخاف أموت بالجيش يابا” بقول له العراق يناديك مو راضي … أخرجت سلاحي وضربته بالرصاص

يقولها الأب وينهار، داخلا في نوبة بكاء هيستيري.

الوجوم يخيم على القاعة، الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى صوت القائد الزعيم صدام حسين قائلا للأب “لا تبك أنت بطل”

القصة مؤثرة، الوطنية فيها غالبة على الأبوة، فالعراق أبدى وأهم.

لكن قبل أن يأخذك الحماس أخي العزيز، دعني أكمل لك القصة، فالحقيقة التي تكشفت للجميع بعد ذلك، دون أن يجرؤ أحد على الجهر بها، أن الأب لم يقتل ولده لأنه رفض الذهاب للجيش، بل لسبب آخر.

الأب الوطني كان سكرانا !!

لم يكن في وعيه، لم يدرك أنه يقتل ابنه، بل إن أحدا لا يعلم لماذا قتله، المؤكد أن الجيش والوطن والعراق لم يكونوا السبب.

لكن الدولة المسيطرة، وجدت في هذه القصة ضالتها لترسيخ مفاهيم يرونها حتمية ومهمة الآن.

لا أدري لماذا تذكرت هذه القصة التي رواها لي صديقي “ناصر كامل” وأنا أطالع الخبر السعيد الذى زفته لنا الأبواق المصرية، عن الأم التي أبلغت عن ابنها لانضمامه لحركة 6 إبريل المعارضة.

وبصرف النظر عن صدق القصة من عدمه، اللافت للنظر هنا هو أسلوب تعاطي الإعلام معها، القصة نشرت تقريبا في كافة الجرائد المصرية، صياغة الخبر التي تكاد تكون موحدة، تشي أن دافع النشر ليس غرابة أو عبثية القصة، بل إيصال رسالة ما.

نجوم التلفزيون المصري أيضا تعاملوا مع القصة، العامل المشترك كان الثناء على موقف الأم العظيم، ممزوجا ببعض من مصمصة الشفايف والصعبانيات الفجة.

الخطير هنا ليس الإعلام وتزلّفه، بل الدولة وتوجهها.

البعض يعبّد الأرض للقادم، بعضهم قرر أن نشر روح الذعر وعودة زمن التقارير السرية (اللي بتودي ورا الشمس) كفيل بضبط الأمور، ويحقق الاستقرار المنشود.

ضع هذة القصص إلى جوار سيرك التسريبات، مد بصرك وألق نظرة على صحفنا، افتح التلفاز وشاهد برامجه الحوارية.

وستدرك مثلي أن هناك من تلبسته روح حمزة البسيوني، وأن هناك من يجلس خلف مكتبه متخيلا أن (السيطرة) ممكنة.

عن الكاتب
ماجد عاطف
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق