الآن تقرأ
لماذا قتلوه؟؟.. “عن ما لم يقله أحد عن رابعة”

مشهد للجثث بعد فض اعتصام رابعة العدوية
-آلو..أيوه مين معايا ؟؟؟؟

– أنا مصطفى يا صاوي إنتوا فين؟؟

-إحنا كنا في ميدان النهضة وفضوه وإحنا دلوقتي في ميدان مصطفى محمود.

-طيب أنا جي آلو استنى إنت فين آلو آلو آلو…….

ما بين تلك المكالمة القصيرة وبين رؤية جسده الصغير ملقى بين يدي في سيارة الإسعاف وهو مغطى بالدم مر وقت طويل، وقت ترك بصمات وآثارًا في نفسي – وآخرين – لا أظنها ستمحى.

إنه صديقي مصطفى، الذي مازلت لا أدري لماذا أطرح السؤال أصلا……..لماذا قتلوه ؟؟ لماذا قتلوا مصطفى ؟؟؟.

هل كان مصطفى ذلك النحيف الضعيف الصموت يمثل كل هذا التهديد لأمنهم القومي والشخصي, هل استلزم استهدافه شخصيًا بثلاث رصاصات قاتلة في الصدر؟؟؟

وتساءلت…

لعل نحافته المفرطة كانت تمثل لهم إشارة أنه كان يتدرب كثيرا على الأعمال القتالية ضد الدولة وجيشها وشرطتها!!!!…….ولكن للأسف أنا أعرفه منذ الصغر فتلك طبيعة جسده، ونظرًا لفقره فكان طعامه القليل سببا آخر..

اذا لعل صمته الطويل كان يعني لهم أنه يفكر في أعمال إرهابية كبيرة، قد تضر أيضا بأمن مصر القومي !!!…. ولكن للأسف أيضا أنا أعرفه وأعرف صمته وهدوءه منذ الصغر.

أو لعل جلسته في المسجد كل أسبوع مع أولئك الأطفال الصغار يعلمهم الآداب والقرآن قد تعني لهم أنه كان يدرب أولئك الفتية على الأعمال القتالية وغيرها ! ولكن للأسف لم يُلاحظ على هؤلاء الأطفال غير الآداب والالتزام ويحبونه كثيرا لذلك.

إذا لعل عمله كمحاسب نهارًا وكعامل في صيدلية ليلًا حتى يكفي نفسه، هو وأخيه الذي يتحمل مسؤوليته، كان يعني أنه يجمع الأموال ليمول أعمال الإرهاب !! لكن للأسف هو بالكاد يعيش حياة مستورة كما يقول المصريون.

إذا لماذا قتلوه ؟؟؟

لماذا قتلوا مصطفى ذلك العشريني الضعيف ؟بل لماذا اختاره ذلك القناص بالذات؟؟ وأطلق عليه تلك الرصاصات القاتلة ؟؟ هل هناك معايير محددة يختار على أساسها من يقنص ومن يترك؟؟ وكيف يختار إنسان أن يقتل إنسانًا آخر, لا يعرفه ويختاره هو بالذات دون الآخر الذي يقف بجانبه ؟؟ كيف؟؟

عندما كانت تتكرر أحاديث في اعتصام رابعة والنهضة عن الفض وقرار الحكومة قتل الآلاف، كنا نستمع لتلك الأحاديث، ونحن نشرب شايا على إحدى نواصي ميدان النهضة ليلا نتبادل الآراء السياسية هل حقيقي سيأتون بقوات ويقتلوننا ؟؟ كنت دائما ما استبعد هذا في تحليلاتي السياسية وكنت اعتمد على عدم قدرة الجيش على تحمل مجزرة كبيره خاصة بعد مجزرتي الحرس الجمهورى والمنصة ولكن أتى ذلك اليوم.

اليوم الذى قتل بداخلنا أشياء كثيرة لعلها أكثر من الضحايا الذين قتلوا في ذلك اليوم، يوم أن اختلط الرصاص بالدم بالخوف بالشجاعة بالبطولة بالتضحية…. يومها ولدقائق لم أكن أدرك ماذا يحدث حولي !! ما هذا ؟؟!!!!!مع أول طلقة وأول شهيد أراه أمام عيني، بدأت أدرك أنها المجزرة.انتابني خوف في البداية، شعور إنساني طبيعي، خوف على الحياة.يمر أمام عينيك كل شيء. كل شئ ستفقده. كل شيء ستغادره .ثم … ثم يزول شعور الخوف, وتبدأ المقاومة تتحول في تلك اللحظات إلى أداة تحمل شهيدًاأو مصابًا كان يجلس معك بالأمس . شعور لا يوصف أن تتقدم لتنقذ جثة صاحبك, أو صديقك لا وقت هنا للحزن ..كل الوقت لإنقاذ حياة . أو إنقاذ جثة. تدرك تمامًا أنك قد تموت في أي لحظة ..لكن ولسبب غير معروف لم يفكر أحد في تلك اللحظات في النجاة بنفسه .

لا أخفي عليكم في وسط المجزرة توقفت قليلًا وانفردت بنفسى وقلت أنا أحلم ما يحدث ليس حقيقيًا . سأصحو بعد قليل وينتهى كل شيء. سأصحو.

يوقظنى صديقي من النوم وأنا نائم في المسجد القريب من مشرحة زينهم، أنتظر استلام جثة مصطفى بعد أن خرج الطبيب من غرفة العناية المركزة التي وضعنا بها مصطفى بعد أن فشلت المستشفى الميداني، ضعيفة الإمكانيات في إسعافه ليقول لنا البقاء لله. ولتذهب بعدها روحى بعيدا .. بعيدا جدا. وتنهار النفس التي تظاهرت لساعات بصمود وثبات ويأتي صوت صديقي عبر المحمول. هل أنت بخير؟؟؟ أنا ؟؟ بخير؟؟ نعم ..نعم بخير لو كنت تسأل عن بقائي حيا حتى الآن. قلتها فى سرى.

لن أكون مبالغًا إن قلت أن من شهدوا مجزرة رابعة والنهضة، أصبحوا نوعين فقط من البشر: أموات قتلتهم يد لا تدرك معنى أن تنهي حياة شخص تاركًا وراءه العشرات تملأ قلوبهم الحسرة والألم. وأحيانا الانتقام وبين أحياء نجوا من المجزرة، صحيح أنهم نجوا بأجسادهم من الموت ولكن ظني أن نفوسهم وأرواحهم لم تنج… ولن ينفع معهم علاج قريب، وبرغم مرور أكثر من ستة أشهر مازلت كلما مررت من أمام منزل مصطفى  أو رأيت شقيقه اتساءل لماذا قتلوه ؟؟

حتى عندما أمر على ذلك البائع الذي كان يستمع إلى أغنية تسلم الأيادي,بصوت مرتفع كتمت غيظي وكتمت رغبة دفينة للعنف وذهبت إليه ووقفت أمامه ناظرًا في عينيه وسألني…..فيه حاجة يا أستاذ؟؟ لم أستطع أن أنطق بكلمة فقط نظرت إليه وسألته

لماذا قتلتم مصطفى ؟؟؟؟

(Visited 217 times, 1 visits today)
عن الكاتب
الصاوي مبروك
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق