الآن تقرأ
الحد الأقصى للأجور وكوادر الحكومة

«العدالة الاجتماعية».. هذا الشعار الذي بات ينحصر وجوده في مصر على ذكرى ثورة يناير، التي خرج فيها الملايين مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، لكنه فعليا ليس له وجود فعلي في الواقع، وليس له أثر في السياسات الحكومية التي تدعي حكومة الدكتور الجنزوري أنها تسعى لتحقيقها.

و لعل أبرز مثال على ذلك ماتم نشره مؤخرا حول مطالبة وزير الاتصالات للدكتور الببلاوي باستثناء القطاع من الحد الأقصى للأجور، بدعوى عدم هروب الكوادر لمهنية من الحكومة إلى القطاع الخاص، ويبدو أن وزير الاتصالات قرر أن يطلب هذا الطلب بعدما سبقه في ذلك قطاعات أخرى، منها القطاع المصرفي وقطاع البترول لنفس الحجج، وتم الاستجابة لهم بالفعل، وهو ما يعني أن كل القطاعات «المدللة» والتي يحصل كوادرها على مرتبات تفوق الحد الأقصى للأجور بكثير، سيتقدمون بنفس الطلب ولنفس الداعي أيضا، و ليس من المستبعد أن تستجيب حكومة «الببلاوي» لهذه الضغوط خوفا على «الكوادر».

و لكن أليس من العدالة الاجتماعية أيضا تحديد حد أدنى للأجور بالقطاع الخاص، أم أن رجال الأعمال وأصحاب المشروعات أقوى من الحكومة التي يتعاملون معها بمنطق من «يَمِّن» عليها باستثماراته، ويستطيعون الضغط عليها بـ«فلوسهم» التي يستثمرونها، والتي يربحون من وراءها الملايين بل والمليارات، في ظل امتيازات ضريبية و استثمارية هائلة توفرها لهم هذه الحكومة، نظير الإبقاء على استثماراتهم داخل مصر وتنميتها.

إذن فهناك علاقة ما تجمع بين الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، والحد الأقصى للأجور في القطاع الحكومي، و لكي تستطيع الدولة أن تحدد تلك العلاقة و تتحكم فيها، فعليها إيجاد الآليات التي تمكنها من ذلك، و تضمن من خلالها أن تكون علاقتها «ندِّية» برجال الأعمال الذين يسعون دائما إلى«لي ذراعها»، وتخضع هي للابتزاز خوفا من هروب الاستثمارات.

واحدة من هذه الآليات تتمثل في الضرائب التصاعدية، فكلما زاد الدخل زادت قيمة الضريبة المفروضة، وبالتالي فإن «كوادر» الحكومة التي تخشى على فقدانهم بسبب الحد الأقصى للأجور سيحصلون على أجر مقارب في القطاع الخاص بسبب زيادة الضريبة كلما زاد الراتب، وبالتالي ستضمن على الحفاظ على جزء كبير منهم، خاصة و إن القطاع الحكومي يوفر ميزة تنافسية مهمة، تتمثل في قلة عدد ساعات العمل والجهد مقارنة بما يتطلبه القطاع الخاص، كما أن الحكومة تستطيع «ملاعبة» المستثمرين بالضريبة التصاعدية بسن قوانين تنص على خفضها مقابل بعض الأمور، مثل زيادة عدد العمالة، أو الالتزام بالحد الأدنى للأجور، و التأمين على كافة العاملين، ومن ثم يمكن تقليل الفجوة نسبيا بين القطاعين العام والخاص من حيث الأجور، إلى جانب الحفاظ على حقوق العمال في مواجهة رأسمال المستثمر.

و قد يرى البعض أن مبدأ الضريبة التصاعدية يضر بجذب الاستثمارات، و يمكن أن يؤدي إلى هروبها، ولكن هل يأتي المستثمر إلى مصر بسبب انخفاض قيمة الضريبة فقط، لو كانت الأمور تحسب بهذه الطريقة لما وجدنا استثمارات في بلد مثل السويد التي تصل نسبة الضرائب فيها إلى 56%، و الدنمارك 55%، و هولندا 52%، فهناك أمور أهم لدى المستثمر يتم أخذها في الاعتبار قبل القرارات الاستثمارية، أهمها حجم السوق و مدى استيعابه، و توفر البنية الأساسية اللازمة للتصدير للخارج، و توفر العمالة الماهرة المدربة و الرخيصة، وبالتالي فعلى الحكومة أن تهيأ للمستثمر عوامل الجذب بعيدا عن حقوق العاملين.

 

(Visited 103 times, 1 visits today)
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق