الآن تقرأ
الجهاد..نادي الشمال الحزين

هل سمعتم يوماً ما بنادي الجهاد؟ أكاد أجزم بأنّ معظمكم لا يعرفه أو حتى لم يسمع به ذات نهار إلّا من اهتم يوماً بأخبار مدينة القامشلي، صدفة الشمال السوري.

نادي الجهاد المؤسَس في عام 1962 لم يحرز بطولات دوليّة ولا بطولات قاريّة ولا حتى بطولات محليّة فقد حُرم من كل هذا، إذ كلما همّ بالفوز بلقب بطولة الدوري السوري كانت تنهال عليه عقوبات اتحاد كرة القدم فيحرم من رفع الكأس بنفسه ليحملها عنه نادي الجيش في معظم الأوقات.

لنادي الجهاد جمهور قلّ مثيله في تلك الأيام، أيام العز، في تسعينيات القرن الماضي. كانوا يقولون بأنّ الملعب يتسع لعشرين ألفاً من الجماهير إلّا أنّني أؤكد لكم أعزائي بأنّ القاصدين ملعب القامشلي كانوا يتجاوزون هذا العدد بآلاف كثيرة، ويقال بأنّ أعداد الجماهير في إحدى مباريات بعبع الشمال، كما كان يُسمى، مع نادي الجيش وصل إلى خمسين ألفاً معظمهم كان واقفاً يتابع ويشجع بحماسة غير مسبوقة رغم الأمطار الغزيرة، إذ كان حينها الجهاد يتغلب على صاحب المركز الأول ويزيحه عن عرشه ويتصدر الترتيب العام لأندية الدرجة الأولى للدوري السوري قبل أن تحذف منه النقاط الكثيرة بحجة شغب الجماهير فيعود نادي الجيش القادم من العاصمة البعيدة إلى الصدارة.

بوم الجمعة يوم مقدس في القامشلي إذا ما كانت مباراة النادي في المدينة، شباب المدينة بمعظمهم في الملعب وباقي الناس ينتظرون أخبار الفريق ويتحدثون عنه في الشوارع والبيوت. الجمهور يقف في الملعب يشجع والوقوف هنا ليس حبّاً بالوقوف فحسب بل لعدم وجود مدرجات كافية للجماهير، فبناء ملعب القامشلي لم يكتمل لأنّها مدينة مغضوب عليها، كانت المدرجات مؤلفة من طبقة واحدة وعلى جانبي الملعب فقط، خلف المرميين لم يكن هناك مدرجات فكانت الناس تقف محيطة بالملعب وكأنّها تشاهد مباراة في أحد الأحياء الشعبية.

تاريخ نادي الجهاد مليء بالأحداث المثيرة، ليس بالضروة أن تكون أحداثاً رياضية فقط رغم أنّ النادي كان قد صدّر عدد كبيراً من النجوم السوريين، على سبيل مثالهم لا حصرهم: جومرد موسى، موسى الشماس، قذافي عصمت، هيثم كجو معشوق الجماهير وهداف الدوري السوري مرتين والذي خرجت المدينة عن بكرة أبيها في جنازة لم تشهد لها القامشلي مثيلاً حين رحل بحادث سيارة وهو متجه برفقة فريقه لخوض مباراة في إحدى منافسات دوري الدرجة الثانية والتي بدأ النادي اللعب في تلك الدرجة بعد عقوبة رياضية جديدة.

أحداث الجهاد التي تعلق بالذاكرة كثيرة، كذلك اليوم الذي "نطح" فيه قذافي عصمت الحكم جمال الشريف بعد أن طرده من الملعب بغير وجه حق، وفي مرات كثيرة قبل عصر الاحتراف كنت ترى لاعباً بين شوطي المباراة يبيع "باكيتات الدخان" للجماهير، أو كنت ترى لاعباً متأخراً عن المباراة لأنّه لم ينه عمله مبكراً، وكانت الجماهير تعشقهم. لا يلعبون سوى من أجل حب اللعب ومن أجل المدينة وجماهيرها إذ لا مال هناك مقابل اللعب، هناك لا يوجد شيء سوى حب الجماهير.

نادي الجهاد التي بدأت في إحدى مبارياته انتفاضة الكورد السوريين في العام 2004 منذ ذلك الوقت ولم ير الجهاد النور، فنادي رياضي محسوب على كورد البلاد غير المعترف بهم لا يمكنه أن يرفع رأسه بعد أن أعلن عدم صمته مجدداً.

نادي الجهاد، سفير الشمال الذي قال لا لهيمنة أندية السلطة وأزعجهم لن تذكره كتب التاريخ ولن يُخرج أحد على القنوات الرياضية الفضائية الكثيرة تقريراً عنه ولن تُكتب في الصحف والمجالات مقالات عنه، لكن لا يهم، ما دامت ذكراه عالقة لا تمحى في قلوب جماهير القامشلي فنادي الجهاد سيبقى أبدا.

عن الكاتب
دلير يوسف
دلير يوسف كاتب ومخرج سوري، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها "أمراء النحل" "منفى" "لعب" "بيتان وحكاية" وله كتاب مطبوع بعنوان "حكايات من هذا الزمن" صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق