الآن تقرأ
وردة..والقلب ياعيني ما بطل سفر

يعرف الجميع “وردة” بأسطورة العشق التي عاشتها مع بليغ حمدي، والتي طوقها جمهورهما  بهالة أسطورية  وعاشها معهما،  ولأن هذا الثنائي جسّدها كمسرحية بروائع خالدة ظلت عالقة في أذهان الجمهور، من الحب والشوق “العيون السود – دندنة”، إلى الاشتباك “أولاد الحلال”، إلى الفراق “بنلف”، كانت علاقة مبهرة بعلانيتها لجمهور مجتمع محافظ، فظهورهما كثنائي، يتغازلان ويهيمان في عيون بعضهما أمام الكاميرات لم تكن قد حدث من قبل، و في لحظة “خارج السيطرة” كما وصفتها؛ قبّلت وردة بليغ على المسرح أمام الجمهور، ثم قالت منفعلة: “مشفتوش من شهر”، ثم  أكدت الجملة  “شهر مشفتوش”.

 أما عن “وردة ” خاصتي فهي رفيقة رحلة غربة، ابنه أربعة أوطان قضت في كل منهم جزءاً هاماً من حياتها واختلفت تجربتها فيه عن الآخر، فولدت في باريس وعاشت سنواتها الأولى ثم رحلت إلى بيروت لتعيش الصبا وانتقلت منها إلى مصر حيث باب الدخول للفن وتزوجت زيجتها الأولى في الجزائر، ثم عادت إلى مصر بعد رحلة غربة طويلة حيث بليغ محطتها الأجمل، في أغانيها لا تستطيع أبداً أن تلحظ تلك “اللكنة” التي يمكن أن تلاحظها في أثناء حديثها، فقد أتقنت العشق باللهجة المصرية، فوردة هي الحجر الفضي في ذاكرة العشق لثلاثة أجيال.

جسدت “وردة” رحلة الغربة والسفر التي تليق بغريبة مثلي، فأبناء الغربة يلتقطون خيوطها من زخم الحياة وتشدهم مدلولاتها وإشاراتها وبإمكانهم مد خيط رفيع يربط بينها، ليشكلوا منه مخزناً للذكريات والمشاعر والصور والأصوات والكلمات التي تعنيهم ويرحلون به من مكان لآخر، يكوّنون وطناً في الذاكرة يختارون تفاصيله بعناية، فحمل الكثير في السفر ليس من آداب الرحالة، وقد احتلت “وردة” في ذاكرتي رف الحنين، أنا الغريبة رغما عني وأنا طفلة، و”الرحالة” بإرادتى عندما كبرت، عرفت “وردة “في صالة منزلنا الصغيرة في أحد أحياء بغداد في بداية ثمانينيات القرن الماضي، حيث هجرتنا القصرية حين بكت أمي وهي تستمع لأغنية  “ليالينا” مقدمة فيلم “آه ياليل يا زمن”.

غنت وردة لوجهي الغربة: أن  تكون أنت المغترب – أو تعانى من غربة عزيز لديك ، أغنية  “حنين ” هل من غريب سمعها ولم يبكِ؟ عنفوان الصوت، خيط المناداة الدائم خلف كل كلمة في الأغنية، الحنين المطلق في المعاني.. هل النجوى لحبيب أم لوطن ؟ التوهة في سؤالها “أنا من غيرك أبقى مين “، صوتها الذى يعد بالانتظار في النهاية (شيلاك في نني عيني .. واللي بينك وبيني، أشواق كل الأحبة وحنين المحرومين).

كيف يتحول إحساسك بالصوت إلى لحظة واقعية تفقد فيها إتزانك ويختفي الطريق تحت أقدامك وتشعر فعلياً بالتوهة في بداية أغنية (ليالينا)، كم شخصاً راجع نفسه في البقاء مسافراً  عندما سمع هذه الأغنية، كيف لهذا الصوت العاتب على تصاريف الزمان، الصوت السائر بلا وجهة، أن يحاصرك ويردك لسؤال فلسفي: فيمَ الغربة وترك الأحبة ؟. أخبرني أحد الأصدقاء السوريين  أنه عندما سمع هذه الأغنية،  ظل صوت وردة  يطارده لمدة يومين وهي تقول ( من غير أهالينا ولا حد بيسأل فينا ) فبكى كطفل وحصل على إجازة لمدة ثلاثة ايام ليعود لوطنه ليجلس فقط لمدة ساعة في حضن أمه.

“خليك هنا” بدلت وردة دورها هذه المرة فهي الباقية وتحث الحبيب على البقاء، تقدم بها العمر،  فحسبت ما تبقى من أيام لا تريدها أن تنفد بين غربة وأشواق، “شوف كام سنة من عمرنا ضاعوا مننا” عندما تصدح بجملة “كام سنة … كام سنة” أشعر أنها تعد سنوات عمرها/عمري التي ضاعت في انتظار الغريب، هناك نساء جيلين على الأقل (السبعينيات والثمانينيات) عند سماع صوتها في هذه الأغنية تسري في أجسادهن برودة ذكرى أول حبيب عندما سافر ليجهز عشهما، فضاعت سنوات عمرها في انتظار حبيب حجز تذكرة ذهاب ونسى أن يحجز أخرى للعودة.

سمعت هذه الاغنية في صباح دمشقي منتصف التسعينات، وشاركت شباب وفتيات من 13 بلد عربي يبكون على شدوها، فقد كان هذا اليوم هو انتهاء مخيم امتد لخمسة عشر يوماً سمحت بنشر بذور الغرام بيننا، وكان صاحب الكافتيرا خبيثا اختار تشغيل هذه الاغنية فسحب زبائن الكافتيرا المقابلة التي كانت ككل كافتيرات الشام تشغل فيروز صباحاً.

في تهدج صوتها في أغنية “سفر” انعكست الرؤيا وغنت بثقة العارفين وبصوت مرتعش (ده مفيش نهاية لليل والسفر) وكأن روحها وصلت لحقيقة أن من بدأ حياته بالغربة والسفر، سيكملها على نفس النحو،  جسّدتها في إتكائها على كلمات ( أنا كده – قلبي كده – عمري كده – سفر..سفر الدنيا سفر ) ( أنا كده… حظي كده… قدر… قصتنا سفر ) فأسرتني بإحساس اليقين المؤلم.

في آخر ما غنت عن الغربة “مليت من الغربة” كان صوتها هو الغريب بين الآلات الموسيقية الالكترونية، وكلمات لم تتآلف روحها مع كاتبها، تلك الكلمات المباشرة لم تكن تليق بها (مليت انا مليت من الغربة… وتعبت م الترحال… وقسيت حياة صعبة… وقضيت ليالي طوال)، غياب الصورة التي كانت ترسمها بصوتها في خيالك في روائعها عن الغربة، لم تتماهَ مع لحن حاد برتم متكرر خنق حنجرتها، لم تغنِّ بل صرخت، فالكلمة الوحيدة التي اتكأت عليها هذه المرة كانت “من غير حبايبنا”.

وليست بالمفاجأة أن تكون الألحان الاربعة ( سفر، ليالينا ، حنين، خليك هنا ) لبليغ حمدي، يقين وردة ومفتاح سرها، وأن تكون الأغنية الأخيرة ليست له، وبعد رحيله بنحو عشر سنوات.

عن الكاتب
زيزي خير
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق