الآن تقرأ
لاتيني قصبجي

في حاجات بتكون معضلة في التلحين و التأليف الموسيقي، انك تعمل شخصية للحن و تخليه من Genre معيّن، يعني نوع أو قالب موسيقي معين، و في سنة 40، و في مصر، ازاي تعمل لحن لاتيني أصلي "مبتَدَع و مش متقلِّد" و في نفس الوقت يكون شرقي!؟.
مقام النهاوند، هو مقام شرقي، لكنه متطابق مع سلِّم المينورMinor الغربي، من ضمن الحاجات اللي بتخلي الموسيقى الشرقية غنية جداً، انها فيها مقامات كتير متنوعة تخلي الملحن و المؤلف الموسيقي يعمل تقريباً كل الأنواع الموسيقية اللي يحب يعملها و يفضل اسمه "شرقي" و في أغلب الحالات "مصري" بالخصوص، بس ازاي عملياً يتعمل ده ؟ و ماتلّمّسش مع حاجات اتعملت فعلاً قبل كده؟

محمد عبدالوهاب – يا مسافر وحدك، كلمات: حسين السيد، ألحان: محمد عبدالوهاب، من فيلم "ممنوع الحب"، إخراج: محمد كريم، انتاج سنة 1942، مقام نهاوند و بيروح بياتي و يرجع تاني.

بدون شك لحن من أبدع الألحان اللي اتعملت في الفترة دي، بتسمع/ي الأغنية في فيلم من إخراج الرائد محمد كريم و انت/ي شايف/ة كادراته و صوره، طريق ترابي جنبه ترعة و أرض زراعية حاجة في منتهى المصرية، و ميلة رجاء عبده الساحرة على الشجرة و هي بتسمع عبدالوهاب، و كإنها إلهة اغريقية، على نغمات عبد الوهاب اللي ابتدى الأغنية بيها، من مقام النهاوند، مع المشهد الفلاحي اللي اتصور بطريقة رائعة، مزج حلو كده، لغاية ما بيغيّر مع "..على نار الشوق أنا هاستنّى.."، بيروح للبياتي و يروح التضاد بين اللحن و الصورة، كله شرقي في شرقي، لحن حلو جداً، و مزج جميل جداً بين البياتي و النهاوند.

اللحن ده من أهم الحاجات اللي الناس بتفتكر عبدالوهاب بيها، و يدوله قدر كبير من التقدير و التبجيل، و بالذات الجزء النهاوند اللي في اللحن، هو الإفيه، هو اللي عمل شخصية للحن و للأغنية و حطّها في خانة معينة، و الجدير بالذكر ان الجزء البياتي حلو جداً و من أحلى الحاجات اللي عملها عبد الوهاب، و الأحلى هو المزج ده بين الشرقي و الغربي، الجملة دي فعلاً نقدر ناخدها و ندمجها مع ألحان تانية من مقامات تانية كتير، حجاز، كرد، و كمان رست، و دي عبقرية الجملة دي، إنها محايدة رغم انها من مقام شرقي مالوش معادل في الموسيقى الغربية، إنما الجزء النهاوند في الأغنية فا الإفيه بتاعه أصلاً مش عبدالوهاب اللي عمله، ده أصلاً لحن غربي و عبدالوهاب أخده عمل بيه الأغنية، و باقي اللحن كان عمله الراجل اللي هاتكلم عنه كمان شوية، قبل عبد الوهاب بسنتين، و الحاجة الوحيدة اللي أصلية في الموضوع كله كانت كادرات و تكوينات محمد كريم.

يعني عبدالوهاب بجلالة قدره ماعرفش يعمل لحن لاتيني أصلي !؟ طب و بعدين !؟ ماعندناش حد يقدر يعمل ده ؟

لأ عندنا، الدنيا أيامها كان فيها قصبجي؛

أم كلثوم – مادام تحب بتنكر ليه، كلمات: أحمد رامي، ألحان محمد القصبجي، سنة 1940، مقام نهاوند.

هنا بقى نهاوند بس، مع كام خروج بسيط لكن مابيغيرش المقام، الأغنية اتحطت في خانة معينة و مابقاش يتبصلها بجد، عشان كانت موضع لإفيهات كوميدية في أفلامنا و مسرحياتنا، إنما لو سمعنا بتركيز، نقدر نسمع النقلات اللي عملها عبدالوهاب و غيره في الألحان اللي من النهاوند، كانت أصلاً عند القصبجي، و لسه لغاية النهاردة، الجزء اللي بيقول "كنت أشتكيلك .. تواسيني، و تشوف عينيا .. راضية الأسيّة"، اتعمل كفاصل موسيقي في أغنية خليجية (موزعها مصري) كسرت الدنيا من فترة مش بعيدة، و ردود الوتريات اتعملت هي هي في أغاني حديثة بتحاول تكون شرقية كلاسيكية.

القصبجي كان رائد، بغض النظر عن انه قدم أصوات ماحدش في تاريخنا قدم زيها، زي أم كلثوم، أسمهان، إلا انه كان اللي كمِّل سكة التطوير الحقيقي في الموسيقى العربية، بعد وفاة سيد درويش، كان في عبدالوهاب اللي شوفنا حاول يطور ازاي؛ بإنه يجيب تيمات اتعملت فعلاً برا و يدمجها مع ألحان شرقية، إنما مافيش لحن واحد ماسك نفسه بيعمل مزج بين العالمين، و كمان الجزء البياتي في اللحن إياه بتاع عبدالوهاب، وجود القصبجي فيه باين جداً (راجع/ي برضو أغنية أم كلثوم، مش اغاني تانية كمان!)، و كان أيامها موجود عبدالمطلب و زكريا أحمد اللي كلنا عارفين انهم بتوع شرقي و بس، كان في كمان محمود الشريف لكن ماكانش واخد اهتمام و مكانة يقدر من خلالها يوجّه الموسيقيين الموجودين أو زي ما تقول كده يعمل موضة موسيقية معينة، ماكانش في غير دول يعني ؟ طبعاً كان في، لكن أيامها كانوا الباقيين بيبتدوا، ماكانش حد شايل التطوير الحقيقي على كتافه غير القصبجي، قبلها بـ20 سنة تقريباً، قدّم لمصر و العالم صوت من أهم الأصوات في التاريخ، أم كلثوم، و بعدها قدّم أسمهان، و كان عرّاب فريد الأطرش، واحد من أهم الموسيقيين في العالم، و كلمة "العالم" دي أقصدها.

الأغنية نفسها، و تأكيداً للتطوير، اللي كان ابتداه الشيخ سيد درويش، الأغنية كانت 6 دقايق! و ماكانتش أغنية فيلم ولا حاجة، و نقدر نسمع كمان أغنية تانية:

عبدالحليم حافظ – صافيني مرة، كلمات: سمير محجوب، ألحان: محمد الموجي.

لكن المرجّح إن الأغنية كانت معمولة من قبل كده، لكن مش بكتير، مقام كرد.

المقدمة الموسيقية و ردود الجُمَل اللي فيها، واضح جداً التشابه بينها و بين لحن "مادام تحب بتنكر ليه" و غير كده، شوف/ي النقلات، القفلات، القصبجي بيقولك فيها أنا أهو، عجبتك ؟

لحن 6 دقايق عمل فيه القصبجي حاجات أخدها زمايله و اللي جُم بعده كمان (كل ده باتكلم عن لحن واحد لأغنية واحدة بس).

 لكن العيب اللي عند القصبجي في النوع ده من الموسيقى، إنه كرره بعد كده في الأغنية دي:

*أسمهان – امتى هاتعرف، كلمات: مأمون الشناوي، ألحان: محمد القصبجي، من فيلم "غرام و انتقام"، إخراج: يوسف وهبي، انتاج سنة 1944، مقام نهاوند.

كمية التشابه بين الأغنيتين مش طبيعية، و تتلاحظ بسهولة، ده غير التسليمات و البدايات، نقدر ناخد المقدمة الموسيقية لأغنية أم كلثوم و نحطها بدل المقدمة الموسيقية لأغنية أسمهان، و هاتمشي بكل سلاسة، و نقدر ناخد الفواصل الموسيقية و نبدلها و مش هانلاقي أي غربة أو احساس باختلاف كبير، ده بيقول ان القصبجي ابتدع نظام يعمل بيه ألحان أغاني النوع ده من الموسيقى و مشي عليه، و مشي عليه بعده ناس تانيين.

كنت هاتكلّم عن حاجات أكتر من كده لكن الفترة اللي اتحجم فيها القصبجي كعازف عود ورا أم كلثوم خلّت سيرته الذاتية مش غنية مقارنة بناس أقل منه موهبة، و ده بيبيّن سخرية القدر في ان القصبجي اللي كان بداية أم كلثوم، أم كلثوم تكون نهايته.

و هاقتبس جمله لحّنها القصبجي في نفس الأغنية و غنّتها أم كلثوم و كإنها بتقولهاله:

"هو انت تقدر تسلاني ؟"

(Visited 263 times, 1 visits today)
عن الكاتب
يوسف العدل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق